السوشال ميديا
مرت على سوريا أربع عشرة سنة، لم تنجُ فيها بقعة ولا رقعة من مآسي الدمار وفواجع الموت ونوائب التهجير والنزوح والتجويع، عدا ويلات الاحتراب وصراعات القوى المتحاربة، تحوّلت فيها البلاد من استبداد نظام دكتاتوري فاسد إلى استبدادات متعددة متحاربة فيما بينها، إلّا إنها كلها كانت متشابهة في تعاملها مع الشعب والناس المدنيين الآمنين.
بيد أن الجزيرة السورية، ولا سيما محافظة الحسكة، كان لها نصيبها الأكبر من تعاقب المتصارعين عليها: من النظام الذي جرّع أهلها الويلات تخويفاً وقمعاً وفساداً ونهب خيراتها، إلى (PKK) ثمّ (PYD)، ثم اندماجهما تحت مسمّى قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تسلّمت المنطقة تسليماً من النظام حينما أحسّ بضعف قبضته هناك وأنه على وشك الهزيمة أمام فصائل الجيش الحر والمعارضة المسلحة. وقد عاشت أجزاء كبيرة من محافظتي الجزيرة (الرقة والحسكة)، بل معظمها، صراعات دامية وكر وفر بين قسد وفصائل الجيش الحر، ثم النصرة ثم تنظيم الدولة الإسلامية، حتى استتبّ الأمر بعد سنوات لمصلحة قوات قسد بمساعدة التحالف الدولي، الذي أحال مدينة الرقة وما حولها (إضافة إلى مدينة دير الزور وأجزاء واسعة من قرى وبوادي الحسكة) إلى دمار كامل بحجة محاربة التنظيم.
وسيطرت قسد على محافظتي الرقة والحسكة وأجزاء واسعة من ريف دير الزور، لكن هذه المناطق ظلت ضحية الإهمال وعدم الاكتراث والالتفات لبنيتها التحتية ومرافقها العامة؛ إذ كانت معظم مقدراتها وما يأتي من مساعدات يصرف على تسليح قسد وعلى بناء الأنفاق التي زُرعت تحت أرض الجزيرة كأنها أسلاع نمل منسربة على كامل جغرافيتها.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل زاد الأمر تعقيداً ما جرى من تدخّل تركيّ لطرد قوات قسد وتنظيمها من جوار الحدود التركية الجنوبية (رأس العين وتل أبيض)، فأصبحت الجزيرة ثلاث مقاطعات متنازعة: (النظام، والإدارة الذاتية لقسد، ومناطق نبع السلام التابعة لتركية وللفصائل المتعاونة معها). فصار على أبناء هذه المنطقة اللجوء إلى سماسرة التهريب للتنقل بين مدن تلك المنطقة، وكأنها أشبه بعمليات التهريب غير الشرعيّة بين المكسيك وأمريكا. وكل هذا كان يتم بالدولار، حتى حالات المرض وطلب العلاج كانت تحتاج إلى سمسرة ودفع ومقايضة لأجل العبور والمرور؛ بل من المفارقات أنه كان على المريض الذي يريد التوجه من مدينة رأس العين مثلاً إلى العاصمة دمشق، كان عليه تقديم طلب إلى السلطات التركية ليأتيه الرد بعد حين فيدخل الأراضي التركية من جهة رأس العين، ويدخل سورية مرة أخرى من معابر عين الهوى أو غيرها ليصل إلى دمشق.
واليوم بعد سقوط النظام عادت محافظتي دير الزور والرقة إلى كنف الدولة من جديد بعد حوالي أربع عشرة سنة من التقطيع وشبه الانفصال. بيد أن محافظة الحسكة مازالت تحت سيطرة قسد في واقع أمرها، على الرغم مما قيل عن اتفاق واندماج في بنية الدولة؛ هذا الأمر جعل عرب المحافظة الذين يتجاوزون ثمانين بالمئة من نسبة عدد السكان، جعلهم يشعرون بخيبة أمل وكأنه ضحّي بهم لأجل تفاهمات دولية ليس لهم منها من نصيب أو حليف مدافع. يضاف إلى ذلك أن ثمة مهجرين، ولا سيما من الأكراد الذين يتوقون للرجوع إلى منازلهم وديارهم في رأس العين وتل أبيض بعد أكثر من ست سنوات من التهجير والنزوح.
وتعيش الجزيرة اليوم، ولا سيما الحسكة بوضعها الضبابي والمعقد، حالة مزرية من الركود الاقتصادي والفاقة المعيشية، ونقص في أساسيات البنية التحتية، وخاصة في القطاعين الصحي والتعليمي التربوي؛ بل يمكن الزعم أن ثمة جيلاً من النشء تم قتله معنوياً بسبب الإهمال التعليمي والتربوي، وما رافق ذلك الإهمال من عوز وحرمان.
وأما من الناحية السياسية والإداريّة فثمّة مؤشّرات كثيرة على أن وضع المحافظة قلق وهشّ، وأنه ما أن تغمض عنه عين الضامن الدولي والإقليمي والأطراف الراعية حتى ينهار ويعود من جديد للدخول من باب مفتوح على مصراعيه على احتمالات لا تحمد عواقبها؛ إذ ليس هناك ثقة حقيقية متبادلة بين الأطراف الفاعلة هناك، وثمّة افتقار إلى ذوي الكفاءات والمقدرة لإدارة رقعة جغرافية تعيش حالة سياسية مضطربة غير مستقرّة.