التنف بعد الأمريكيين… نهاية مهمة أم بداية مرحلة؟

0

د. باسل أورفه لي

لا يمكن اعتبار أنّ انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف هو حدثاً مفاجئاً، بل كان متوقعاً وفي سياق التحوّلات العميقة الجارية في سوريا والمنطقة. والانسحاب من قاعدة التنف هو إخلاء أمريكي لسادس نقطة ينتشر فيها الجيش في سوريا، حيث لم يبقَ إلا نقطتان فقط في محافظة الحسكة لن يطول زمن إخلائهما كثيراً.

ولمعرفة أسباب الانسحاب أو دلالاته لا بد من الوقوف على الأسباب التي أدّت بالولايات المتحدة للتواجد عسكرياً في سوريا.

لم تستمر النشوة الأمريكية بهزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة وانفرادها بالقطبية الدولية أكثر من عقد من الزمن، بحيث تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 أيلول 2001 وأصبح العدو الأول للولايات المتحدة هو الإرهاب الدولي بعد الانتصار على المحور الشيوعي وانهياره.

استمرت حرب الولايات المتحدة على الإرهاب لعقدين من الزمن تخللهما غزو أفغانستان والعراق والتخادم مع نظام ولاية الفقيه، وفي ظل الانشغال الأمريكي في هذه الحرب صعد التنين الصيني صعوداً صاروخياً ليرقى لمرتبة المنافس الأول للولايات المتحدة على قيادتها للعالم، وبنفس الوقت تمكن القيصر الروسي من استعادة بعض من دور عالمي لروسيا بعد أن تعافت بلاده جزئياً من مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

بدأت أصوات أمريكية كثيرة تحذّر من خطر صعود الصين وروسيا كمنافسين حقيقيين وضرورة توجيه الجهد الاستراتيجي الأمريكي إليهما بدلاً من الجماعات الإرهابية، ويبدو أنّ كل المحور الشرقي كان سعيداً بالتورط الأمريكي في تلك الحرب ويأمل في إشغال واستنزاف القوة الأمريكية في صراع لا ينتهي.

كان عام 2019 فاصلاً في انتصار الولايات المتحدة على تنظيم 11 الإرهابي وبدء تغيير بوصلتها باعتبار أنّ الحرب على الإرهاب تبقى أولوية لكن تنزل درجات إلى الأدنى في سلم الأولويات الاستراتيجية، وهو ما حصل فعلاً، ويمكن اعتبار قتل الرئيس ترامب لقاسم سليماني في بداية عام 2020 هو الخروج نهائياً من حقبة الحرب على الإرهاب والتخادم مع إيران والانخراط في مواجهة التهديدات الروسية والصينية.

بعد هزيمة تنظيم 11 لم تنسحب القوات الأمريكية من سوريا، ليس كما يقال بسبب وجود خلايا للتنظيم واستمرار محاربتها، بل لأنّ أيّ انسحاب سيملؤه بالضرورة النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون، وسيعني حسم الحرب في سوريا لمصلحتهم وهو ضربة استراتيجية للولايات المتحدة لذلك آثرت البقاء تحت تلك الذريعة، وهو ما فهمه تنظيم قسد بشكل رغبوي بأنه بقاء بغاية تمكين الكرد عسكرياً لإنشاء إقليم مشابه لإقليم شمال العراق.

حدث التغيير الكبير في سوريا وتم إسقاط الهلال الشيعي في سوريا وتضرره كثيراً في الإقليم بعد أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها، وبعد المستنقع الروسي في أوكرانيا، ولاحت فرصة استراتيجية للولايات المتحدة بأنّ العهد الجديد ولظروف موضوعية وذاتية يمكن أن يُصبح حليفاً للولايات المتحدة بدون تكاليف باهظة لكن بديمومة دعم سياسي ودبلوماسي واقتصادي وغطاء أمني وعسكري. وهو ما حدث بالفعل خلال العام 2025 حيث تمّ إنجاز الكثير من قبل الولايات المتحدة وكانت النتائج سريعة ومؤثرة في رفع كل العقوبات وانضمام سوريا للتحالف الدولي ودعم وحدة سوريا عبر التخلي عن دعم قسد.

باتت ثقة الإدارة الأمريكية كبيرة في الدولة السورية واعتبارها كشريك في الحرب على الإرهاب وقدرتها على منع عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا ومحاربة صناعة وتجارة المخدرات، وأصبحت تترسّخ النظرة الأمريكية لسوريا بأنّ استقرارها وازدهارها سيكون حجر الزاوية في استقرار الإقليم، وبإمكان الولايات المتحدة الآن الاعتماد على حلفاء وشركاء محليين من الدول ودعم جهودهم والاكتفاء بهذا الدور دون الانتشار البري للجنود الأمريكيين على الأرض، ودون التدخل في شؤون الدول الداخلية والتفرغ في الجهود الاستراتيجية نحو آسيا وتنّينها الصاعد.

ويجب ربط الانسحاب من التنف بانسحاب مماثل تم من قاعدة عين الأسد في الأنبار والتخلص من ورقة سجون تنظيم 11 برميها بوجه الحكومة العراقية وعدم إشغال الحكومة السورية بها وبتداعياتها وذلك لعدم إعطاء فرصة للحرس الثوري الإيراني وأذرعه لاعتبار القواعد الأمريكية أهدافاً سهلة أو رهائن في حال تطور الصراع بين واشنطن وطهران لحرب ولم يتم التوصل لاتفاق.

ربحت الحكومة السورية بهذا الانسحاب وترسّخت سيادتها على أراضيها وازدادت ثقة المجتمع الدولي بقدراتها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني