الأرض المكلومة

0

رواية للأديب الأستاذ جميل سلوم شقير، نشر دار العوّام، الطبعة الأولى 2025.. قراءة انطباعية

زيدان عبد الملك

منذ البداية يشدك السرد للمتابعة، وينبهك لأن تكون يقظاً لانتقالاته على لسان الراوي دون مقدمات.

رواية تحكي غصة شعب وآلامه في مرحلة زمنية دقيقة من تاريخ سوريا، تجري أحداثها في بيئة تعاني الأمرين لأناس عاشوا أياماً ضنكاً في خضم الثورة ضد الاستبداد، وما لابسها من منعرجات. فهي تعري الواقع، وتفضح وحشية ممارسات ضبعان النظام القائم على كم الأفواه، وكبت الحريات. وتقدم شخصيات عاشت مرارة شهور قاسية جداً من نجاحات وإخفاقات، واختارت بمحض إرادتها الحرّة الانتماء إلى الثورة، وبذلت أقصى ما لديها لتحقيق الأهداف التي آمنت بها.

رواية أدبيّة تؤرخ مسيرة شخوصها من خلال التطورات اليومية على الأرض ما بين 2011 – 2020 كنماذج للشعب بفئاته كلها، وتحاول إلقاء الضوء على مجريات الثورة السورية ومآلاتها من معاناة الأفراد والجماعات، ومن انشقاقات عن أجهزة النظام الاستبدادي. وقد بنيت على أربعة عشر جزءاً/رقماً هي مفاصل الأحداث. يستهلها الكاتب بعبارة الروائية (هيرتا مولر) الحائزة على جائزة نوبل: “إنني مقيدة بأن أكتب ما يهمني، وعن تلك الأشياء التي لن تدعني في سلام” ليضعنا في مواجهة ما يقص الراوي عما يريده، ويعانيه حقاً.

تحكي الرواية قصة الدكتور حسان، طبيب نفسي يعمل في مشفى، ويقف على مجزرة تمت بحق جرحى في غرفة العمليات بتدبير ضابط أمن (المقدم أبو أحمد صهر الدكتور حسان) مما يدفعه للانشقاق (ص29)، والالتحاق بمشفى ميداني للثوار حيث يشاهد آثار العنف الوحشي للنزاع بين الجيش الحرّ وعناصر النظام، ويلتقي بالدكتور جمال (ص41)، والممرضة المنشقة زينة(ص43)، وسائق العربة وناقل أخبار المعارك الشاب الطيب عمران، والممرضة لونا زوجة أخيه الموشوم التي عملت في الأمن ، ثم انشقت بعد ما شاهدت فظائع الأجهزة الأمنية للنظام (ص54). والنهيان ابن أخ حسان وزوجته، وأخوه الموشوم الشيوعي المناصر للنظام…

تبدأ الرواية أثناء رحلة تجلس امرأة أمنيّة جوار الراوي، ويقرأ لها قصيدة من ديوان “أفعوان الخوف” تثيرها فتبكي، ويعتقل في كركون الشيخ حسن، ثم يخرج ويلتقي بصديق السجن، صحافي في بيروت، ويطلب منه نشر خاطرة “دغل الريحان الشائك” تتحدت عن التزواج غصباً بين ذئب وضبعانة أنتجت مخلوقاً عجيباً فتك بالبشر (ص15)، وقلّده بعض العسكر فتقمّصوا صفاته الإجرامية بقتل الأطفال بالجملة دون رادع أخلاقي (ص 17 – 18)، ودفعت الأحداث الممرضة الأمنيّة “لونا” للالتحاق بحسان الذي أحبته ثم الانشقاق، ومعاناتها مع زوجها الموشوم وانكشاف أمرها واعتقال ولدها الموشوم الصغير لتسلّم نفسها، لكنّها لم ترضخ لشرطهم، ويموت ابنها تحت التعذيب، ولما أحست أن “حسان” يميل إلى “زينة” اشتعلت الغيرة، وظن بعضهم بها الظنون كونها كانت أمنيّة سابقاً فقررت الالتحاق بالجيش الحرّ وأبدت عملاً بطولياً عندما تكشّفت خيانة دولة العراق والشام (ص200)، وأمام رغبة حسان عادت للمشفى الميداني الذي كشف أمره المقدم أبو أحمد فهاجمته قوات النظام ليلاً، واقتادت الجميع أسرى عدا لونا لأنها كانت تنام خارج المشفى (ص224)، فتُتهم بأنها وشت بهم، وتؤنب زينة الدكتور حسان لأنه السبب بضمها للمشفى، ونتيجة عمل تفاوضي بين الجيش الحر وقوات النظام أصرت لونا على تسليم نفسها فداء الجميع (ص226)، وهي تعلم أنها ستعذب انتقاماً منها حتى الموت، وسلمت نفسها مقابل الإفراج عنهم لينجوا جميعاً (ص229). وينتقلون إلى مشفى آخر ليتابعوا عملهم من جديد، فتندم زينة ندماً شديداً، وتبتعد عن حسان، ويلتحق بهم دكتور جراح، ويعود إليهم الدكتور جمال المنشق عن البعث بعد أن فقد ولده (ص209 – 211)، وقد تنبأ به مسبقاً في قصيدة (ص218)، ويحاول أن ينزع فتيل الجفاء بين الدكتور حسان وزينة، خاصةً بعد أن نقل أحد الضباط في الجيش الحرً خبراً: “لونا تقتل رئيس فرع التحقيق في اللاذقية وتنتحر!” (ص 232) لتكون أسطورة حقيقة من أساطير الثورة (ص233). وتستمر المعارك ويأتي إلى المشفى جرحى ومصابون من حزب الله، والعراق “أبو الفضل العباس”، وتكفيريون متطرفون يرتدون ملابس سود وأقنعة سوداء من مجموعة “دولة العراق والشام” ويحاول أحدهم قتل الدكتور حسان الذي نجا بحنكة لونا وحسن تصرفها (ص 135 – 163 – 164). وتأتي دفعات الجرحى من مناطق الاشتباكات بعضهم ممن أفرج عنهم من سجون النظام، ومن أنصار دولة العراق والشام في إشارة لأسلمة الثورة (ص146 – 147)، ومن جماعة الدّب الأبيض (ص253)، وتستمر المفاجآت مع توالي دفعات الجرحى والمصابين والأعمال الشاقة في المشفى (ص212 و213 و 219) التي تفصح عن مأساة الحرب، وتفضح أساليب النظام، وتوثّق قتل الأبرياء من الأطفال (ص160)، والنساء الحوامل وولادة طفل يستقبل الدنيا مجهول الهوية ويتيم الأبوين (ص161)، وحتى القتل الخطأ بالبراميل المتفجرة على مناطق الشبيحة (ص152). كما استخدم مساندوه أسلحة جديدة تفتك بقوة (ص182). تقول زوجة النهيان للدكتور حسان: “يا دكتور نوع جديد من القتل الصامت تمارسه السلطة الآن علينا، وهو الحصار حتى تموت الناس جوعاً وعطشاً” الواحد تلو الآخر (ص150)، وأن سادية هذا المخلوق العجيب (الأسد) في الحرب طالت الجميع من سوريين وفلسطينيين، وأدت إلى تدمير أواصر القربى وصلة الرحم (ص178 – 179)، وقد طالت حتى العاملين في المشفى حيث يستفز الدكتور الجراح ويضرب الدكتور حسان، والدكتور جمال لاختلافهما معه في الرأي، ويعترف أنه من جبهة النصرة، ويقول: “أنا ما كنت بعرف إنّي عم بشتغل مع كفرة وزناديق…، ولازم إنتوا تتحاكموا في يوم من الأيام وتلاقوا جزاء إلحادكم…” (ص261 – 262)، ويهدد ويشهر سكيناً، ويلملم حاجاته ويرحل. وإذلال الناس، والتعدي على كرامتهم إذ يُحشر المعتقلون وقوفاً بأعداد كبيرة في غرفة صغيرة، يموت بعضهم ولا يستطيع أحد الإخبار عنه خوفاً من الموت تحت التعذيب (ص 237 – 238). وما أعلنته زينة مستثارة وباكية عن معاناتها في المعتقل: “اعتدوا علي أكثر من مرة.. سلبوا أعز ما أملك” (ص257)، هذا ما صرحت به صدقاً، وكان موجهاً للدكتور حسان. وفي موقف آخر تقول لوالدتها: “ليش يا إمي بقي لأحد كرامي بهذا البلد؟؟ سبعة عشر جهاز أمن لا يسمحون لأي كان، ومهما علا شأنه أن يرفع رأسه أو أن يحس بكرامته. عن أي كرامة عم تسألي؟؟” (ص264 – 265).

إن كل ما جرى على ساحة البلد من دمار ونزف للدم كانت هناك يد خبيثة تحركه، وسار كما شاءت، إنها يد الموساد الإسرائيلي، وبوش الأمريكي وغيره ساعدوا على توازن الرعب بيننا وبين ترسانة اسرائيل النووية، وقد وجدوا بالدكتاتور السوري ضالتهم، فأوصلوا البلد إلى دولة فاشلة تحتاج عشرات السنين لتتعافى مما هي فيه (ص256).

وقد أعطت الرواية للمرأة قدراً كبيراً من خلال مساهمتها في الثورة بأشكال متعددة أبرزها ما قامت به لونا وزينة بالانخراط في العمل الإنساني مع الثوار كتفاً لكتف بعلاج الجرحى والمصابين، أو بانضمام لونا للمقاتلين في صفوف الجيش الحرّ، وزوجة النهيان باستقبال الموشوم الصغير، واحتضان زينة لوعد ابن خالها الشهيد، ومعاناة النسوة أرامل وثكالى مما يجري على امتداد البلاد.

ولقد أفرزت الحرب المجتمع في ثنائية ضدية بين مؤيد للنظام بشدة كالموشوم وغيره، ومعارض ومنشق كحسان، وجمال، ولونا، وزينة، وعمران، وعناصر الجيش الحر…، وقد أرخت بظلالها على الناس، وفجرت عداوات وانقسامات حتى داخل الأسرة الواحدة (الموشوم ولونا مثالاً)؛ لكنّها لم تستطع أن تجهض المشاعر الإنسانية المقدسة في عزّ معمعتها الضروس؛ لأن إرادة الحياة وحب البقاء لدى الإنسان تمكنه من اجتراح المعجزات لاقتناص دقائق فرح في أشد الأوقات ألماً وسط مشاهد الموت والدمار حين قالت زينة للدكتور حسان: “الثورة أعادتك إلينا وعرفتني بك!”… “أمسك بكتفيها،…، حدقت بناظريه، أحست بأن فيهما سحراً لا يقاوم،… يقرب شفتيه من شفتيها، أحست بنهديها يغليان على حرارة أول قبلة كاد دفؤها أن يغلّف الكون حولهما (ص192)، ليتساءل الدكتور جمال: “أليس في الثورة وقت للحب؟ هل تمكنت الأحداث الجنائزية التي تمر بها البلد من قتل المشاعر السرمدية بين رجل وأنثى؟ أليس من حق تلك المشاعر النفاذ من تابوت الهول الذي تغوص به البلد؟” ويقول جازماً: “ما شاهدته في عينيْ زينة الآن يستحق منّي أن أكتب عنه مشهداً درامياً” (ص193)، كما تترك مساحة لمشاعر الندم، وصحوة الضمير، ومراجعة الذات عندما تعترف لونا للدكتور جمال أمام الجميع: “أنا إللي دخّلتك على سجن كركون الشيخ حسن بتذكر رحلتنا سوا بالبولمان من دير الزور للشام؟ بس والله ورحمة الموشوم ظل الندم ملازمني لليوم” (ص171)، وفي موقف ندم لزينة يقول لها الدكتور حسان مواسياً: “لا تجلدي نفسك…، لأن الظروف التي وضعتنا بها مطلقة أخي، ربما كانت توحي لمن لا يعرفها على حقيقتها ببعض الشك”… “وقد آن لنا أن نتعلم المحبة، لأن المحبة سر صلاح الكون… لونا بدأت رحلة العذاب والموت، وهبتنا الحرية والحياة لأنها أحبت بصدق، وتذوقت نشوة العطاء بلا حدود” (ص232). وقد عبر للدكتور جمال عن رأيه بما حصل مع زينة إنها ليست وحيدة، إنما تم اغتصاب العشرات مثلها دون ذنب اقترفنه، ويؤكد: “الأهم أن يصلها موقفي الشخصي مما حصل، أنا أثمن جسارتها على إعلان ما جرى، وأنني أعتبر الأمر منسي وأنه لن يغيّر من قناعاتي بها مطلقاً” (ص259). وليعلن لها فيما بعد: “زينة أنت الآن كل رصيدي من الحياة… زينة… نحنا لازم نتزوج وبسرعة” (ص265).

ولم تُنسِ الحرب الدكتور جمال الاستمرار بكتابة الشعر والقصة؛ لأن الأدب سفير الروح الإنسانية والمعبر عن خلجات النفس في أقسى المواقف، وأصعب الظروف، وكانت إحدى قصصه مثار الحوار الذي أوصل حدة التعصب للرأي مغادرة الدكتور الجراح المشفى (ص240 – 241 – 242).

ونافل القول، إن أجزاء الرواية تخللتها مقاطع شعرية تُحلّيها، وتسهم في تمهيد الطريق لما بعدها من أحداث، ولما سيحصل من تطورات على الأرض بلغة شفافة مزجت شيئاً من اللهجة المحلية أو العامية مع اللغة الفصحى الشارقة في سرد شيق للأحداث، وختمت بقفل مفتوح على الأمل والتفاؤل بالمستقبل المنتظر “كانا سكارى، أعادتهما إلى الصحوة تغريدة الطفل (وعد) وهو يرفع إليهما ناظريه ويقهقه، بل وربما…. كان يغرّد مباركاً”. (ص265).

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني