دير الزور تستعيد ثرواتها… والشارع ينتظر نتائج ملموسة على الأسعار والمعيشة

0

تقرير: محمد عبد الصمد الجنيد

تعود دير الزور اليوم لتتصدّر المشهد الاقتصادي السوري بوصفها حجر الزاوية في مسار التعافي الوطني. فمع استعادة الدولة السيطرة على مساحات واسعة من المحافظة وتأمين حقول النفط والغاز، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، تُطوى فيها سنوات طويلة من الاستنزاف والنهب الذي طال ثروات السوريين.

استعادة حقول النفط والغاز… بداية التعافي الحقيقي

لطالما عُرفت دير الزور بأنها خزان الثروات السورية، فهي تحتضن أكبر حقول النفط في البلاد، مثل حقل العمر الذي ينتج نحو 20 ألف برميل يومياً، وحقل التنك الذي ينتج قرابة 1000 برميل يومياً، ومعمل غاز كونيكو الذي ينتج 13 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً، إلى جانب حقل الجفرة. ولا تقتصر أهمية المنطقة على منشآت الطاقة فحسب، إذ يبرز أيضاً مجبل الأسفلت في منطقة المعامل شمال شرقي دير الزور بوصفه منشأة خدمية محورية، يوفّر المواد اللازمة لصيانة الطرق وتأهيل البنى التحتية، ما يجعله جزءاً أساسياً من دورة الإعمار والتنمية المحلية. ولا تمثّل استعادة هذه المنشآت الحيوية مجرد استرجاع للسيادة الجغرافية، بل تشكّل أيضاً بداية لتخفيف الأزمات المعيشية وأزمة الطاقة التي أثقلت كاهل السوريين لسنوات.

ومع عودة تلك الحقول إلى كنف الدولة، سيُستأنف الإنتاج تدريجياً، بما ينعكس مباشرة على حياة الناس. كما أن الاعتماد على الإنتاج المحلي يخفّف من فاتورة الاستيراد ويحدّ من استنزاف القطع الأجنبي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مورد يعزّز صمودها الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، يرى أيمن علوني، الاستشاري الاقتصادي، أن استعادة آبار النفط “خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى إدارة شفافة قبل أن تنعكس على الاقتصاد بشكل ملموس”، مؤكداً أن “سعر الصرف لن يتحسن فوراً، فالنفط عنصر مهم، لكنه ليس العامل الوحيد المؤثر في السوق”.

إنهاء سنوات النهب وإطلاق إدارة وطنية للثروات

خلال سنوات الحرب، تعرّضت ثروات دير الزور لعمليات نهب ممنهجة نفّذتها مجموعات مسلّحة وقوى خارجية، كما جرى تكرير النفط بطرق بدائية خلّفت أضراراً اقتصادية وبيئية. اليوم تعمل الحكومة على إعادة تأهيل الآبار باستخدام تقنيات حديثة ترفع الكفاءة الإنتاجية وتحدّ من الهدر، في خطوة تعكس توجهاً نحو إدارة وطنية رشيدة للثروات الطبيعية، بما يعزّز فرص التعافي الاقتصادي في المنطقة الشرقية وسائر المحافظات.

وفي السياق ذاته، أكد يوسف قبلاوي الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، خلال مؤتمر صحفي في حقل العمر، أن الشركة تعمل على تحقيق نقلة نوعية في قطاع النفط والغاز بالتعاون مع شركات محلية وأجنبية، مشيراً إلى أن حقل العمر سيصبح قريباً ملكاً للشركة السورية للبترول.

كما أوضح قبلاوي، أن الحكومة تنسّق مع الجيش العربي السوري لاستلام جميع الحقول النفطية، وأن هناك اهتماماً من شركات أمريكية بالاستثمار في حقول الغاز بمحافظة الحسكة.

ولفت قبلاوي إلى وجود خطة وطنية لإعادة تأهيل الآبار بكوادر محلية، مبيناً أن حقل العمر كان ينتج سابقاً نحو 50 ألف برميل يومياً، بينما لا يتجاوز إنتاجه الحالي 5 آلاف برميل، ما يستدعي جهوداً تقنية وإدارية مكثفة لاستعادة قدرته الإنتاجية.

انعكاسات اقتصادية يترقبها الشارع

في الأسواق، يعبّر التجار عن تفاؤل مشوب بالحذر. يقول حازم حنيش، تاجر مواد غذائية في مدينة دير الزور، إن “الناس متفائلة، لكن الأسعار لن تنخفض ما لم يعود الإنتاج النفطي فعلياً ويؤثر على تكاليف النقل والطاقة”. أما مصطفى المصلح، تاجر أدوات منزلية، فيرى أن “عودة الموارد النفطية قد تساعد في تحسين أسعار الصرف، لكن الأمر مرتبط بقدرة المؤسسات على إدارة العائدات”، مضيفاً أن “توفر الوقود بسعر معقول سيخفض تكاليف الإنتاج، وهذا ينعش الحركة الصناعية في المنطقة”.

دير الزور… قلب سورية الاقتصادي يستعيد نبضه

بهذا المشهد، تبدو دير الزور أمام فرصة حقيقية لاستعادة دورها كقلب اقتصادي نابض، وركيزة أساسية في مسار التعافي الوطني خلال المرحلة المقبلة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني