سوريا بين ضرورة بناء الدولة ورغبات الزعامات

0

يُعَدّ سقوط نظام الأسد الإجرامي حدثاً مميّزاً، ليس في تاريخ سوريا فحسب، بل في تاريخ دول المنطقة التي عانت من تغوّل وإجرام هذا النظام وتدخّلاته، وتمريره لمشاريع مشبوهة أعاقت تطوّر المنطقة وزجّتها في صراعات محليّة خدمةً لأجندات غير وطنيّة، كان ثمنها بقاء هذا النظام لصالح عائلة مارقة وبطانة إجراميّة.

وقد كان للإرث الثقيل الذي تركه النظام في كلّ المجالات، وفي مقدّمته تمزيق النسيج الاجتماعي وزرع بذور الطائفيّة والإثنيّة والعشائريّة، أثرٌ بالغ، إذ خلقت هذه السياسات زعامات شكّلت مراكز قوى أمر واقع تعمل بأجندات غير وطنيّة، وتسعى لفرض وقائع محليّة تنال من وحدة الوطن والشعب، مستغلّة الأخطاء وربّما بعض السياسات الخاطئة للسلطة الحاليّة، لتوظّفها في طرح مشاريع انفصاليّة تحت شعارات فدراليّة أو لامركزيّة سياسيّة، ومستقوية بالخارج لدعم مطالبها، متناسيةً أنّ الوطن أكبر من الحكومات، وأنّ وحدته ومصيره مسؤوليّة وطنيّة عامّة، وليست مسؤوليّة قوى الأمر الواقع التي تحاول فرض أجنداتها بالقوّة تهرّباً من تطبيق العدالة الانتقاليّة.

إنّ نقد الحكومة والسلطة الانتقاليّة حقّ مشروع بكلّ الأساليب السلميّة، بما فيها حقّ التظاهر والمطالبة بالإصلاح والمحاسبة، بل هو واجب ومسؤوليّة كلّ من يحرص على إعادة بناء الوطن.

أمّا أن تتحوّل حرّيّة التعبير إلى مطالب انفصاليّة، والدعوة إلى كيانات طائفيّة وإثنيّة، واستعمال القوّة لفرضها، فهذا لا يدخل في باب الحقوق، بل في باب التجاوزات التي ترقى إلى تهمة الخيانة.

فسوريا دولة مكوّنة من مجموعة من الطوائف والإثنيّات، لكنّها متعايشة ومتداخلة في توزّعها الجغرافي والديموغرافي، يجمعها الانتماء الوطني، ويحميها مبدأ الاعتراف بالآخر، وإنّ مصير أيّ منطقة لا يقرّره السكّان المحلّيّون، إن كانوا أصليّين أو وافدين حتّى منذ عشرات السنين، بل يقرّره كلّ الشعب السوري موحّداً.

لأنّنا لسنا كيانات توحّدت، وإنّما حضارات تعاقبت ورضيت أن تتعايش ضمن دولة موحّدة، لا ميزة لطائفة أو قوميّة أو جهة على الأخرى.

وإنّ ما زرعه نظام الأسد حالة عابرة، وعلينا جميعاً أن نتعاون لمحو مخلّفاتها والعودة إلى الوحدة الوطنيّة بعيداً عن المناكفات السياسيّة.

فسوريا أكبر من الجميع، ووحدتها مسؤوليّة وطنيّة مشتركة، وما يجمع أبناءها أكثر بكثير ممّا يفرّقهم.

فلنتوحّد ضدّ أمراء الحروب ودعاة الانفصال والتقسيم، ونتّفق على إعادة بناء وطننا على أسس المواطنة المتساوية والعيش المشترك.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني