
اللامركزية السياسية، والشروط التاريخية السورية المحددة!
من المؤسف عدم إدراك الرأي العام الشعبي والنخبوي لطبيعة دوافع القوى التي تطرح مشاريع الفدرالية وللامركزية السياسية وطبيعة مخاطرها في الظروف التاريخية السورية المحددة التي صنعت وقائعها بين 2012-2024 عوامل مشروع تقسيم سوريا بين أربع سلطات أمر واقع ميليشاوية!
الغالبية تتجاهل طبيعة عوامل سياق مشروع تقسيم سوريا، وبعضهم الآخر يأخذ الجوانب الايجابية، عبر إجراء مقارنات مع تجارب في دول أخرى، متجاهلاً أنّ شكل النظام السياسي الذي قد يكون ناجحا في الشروط التاريخية المحددة لدولة ما، قد لا يكون مناسبا للتطبيق في الشروط التاريخية السورية الراهنة.
لا يجب أن يغيب عن بالنا، ونحن نتوخّى الدقة، ونبحث عن الحقيقة، انهّ لكل بلد ظروفه الخاصة، وما صحّ كشكل للنظام السياسي الفدرالي في بلد ما، قد لا يكون مناسبا للظروف السورية، أليس كذلك؟. وهنا ينبغي طرح التساؤل:
ما هي طبيعة الشروط التاريخية السورية المحددة التي تتبنّى فيها بعض القوى القومية والطائفية مشروع اللامركزية السياسية والفدرالية، وما هي حقيقة الأهداف التي تعمل عليها؟
للتوصّل إلى استنتاجات موضوعية، لا يمكن أن نقفز فوق عوامل السياق التي صنّعت بين 2012-2024 وقائع السيطرة وحددت طبيعة البرامج السياسية، وهويّة قياداتها الميليشياوية:
1- مشاريع الفدرالية واللامركزية هي أطروحات أمريكية/أوروبية، سعت لإيجاد أطر سياسية من أجل تثبيت وشرعنة مرتكزات أدوات سيطرتها التشاركية، الإقليمية والسورية، في سياق استراتيجية تقسيم دول الإقليم وتفشيلها لصالح كيانات انفصالية، وقد طرحت مراكز بحوث متخصصة “الفدرالية” منذ 2000 (مركز “أولف بالما” – استوكهولم) في سياق التحضير لمشروع غزو العراق وتقسيمه. على ضوء إفكار تلك البرامج، ودوافع السيطرة الجيوسياسية، نجح “بريمر” وشريكيه، هوشي زيباري وأحمد الجلبي، في وضع أسس” نظام سياسي عراقي “فدرالي”، أعطى الشرعية الدستورية لمشروع تقسيم العراق، وشرعن وجود مرتكزات سلطة الأمر الواقع، البارزانية والطالبانية، التي استطاعت في سياق حروب دموية متواصلة منذ 1970 إحكام سيطرتها على مناطق الغالبية الكردية في شمال العراق!.
2- في مواجهة تحدّيات حراك وثورة ربيع 2011، ولمنع حصول انتقال سياسي سلمي، قد يفتح في أجواء الحرك الثوري صيرورة تحوّلات ديمقراطية بنيوية، تكاملت عوامل السياق التقسيميّة، الأيروأوروبية مع مصالح وسياسات سلطتي النظامين السوري والإيراني، وقد تحوّلت منذ مطلع 2012، بفعل تكامل عوامل العداء لمآلات الانتقال السياسي، مسارات الصراع السياسي على السلطة السوريّة إلى ساحات صراع محليّة وإقليمية ودولية لتقاسم الجغرافيا والسلطة والسيادة، وقد اختارت قيادة ” حزب الاتحاد الديمقراطي “(PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، والحليف التاريخي لسلطة الأسد الأب، الوقوف في خندق النظام السوري في مواجهة حراك الكرد الثوري وتطلّعات الشعب السوري الديمقراطية، وبدأت منذ 20 تموز 2012، بعد يومين من تحييد قيادات “خليّة الأزمة”، خطوات وإجراءات تمكينها عسكريا في مناطق الغالبية الكردية، بالتنسيق ومشاركة القيادات العسكرية المتمركزة في جبال قنديل العراقية تحت مظلّة الحماية الإيرانية. ضمن هذا السياق، ظهرت ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادتها القنديليّة، التي ستصبح لاحقا العمود الفقري لجيش قسد – وحدات حماية الشعب والمرأة والأسايش، في خطوة تالية، ذات أبعاد استراتيجية خطيرة، حصل تمكين الميلشيات سياسياً من خلال تأسيس “روج آفا” خلال 2013، ما هي طبيعة التغيّرات الاستراتيجية التي حملها تأسيس قاعدة كيان “غرب كوردستان”؟.
أ- على صعيد حزب الاتحاد الديمقراطي، PYD، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، شكّل تأسيسه لنواة الجزء الغربي من دولة كردستان التاريخية ” روج آفا”، هدف وحلم القوى والتيارات الكردستانية السورية والإقليمية، تحوّلا نوعيا في استراتيجية الحزب، نقله من خنادق مشروع قيادة الحزب الأم PKK التركي بقيادة زعيمه التاريخية عبد الله أوجلان (الذي كان قد تبنّى في مطلع الألفية الجديدة نظرية “الشعوب الديمقراطية” التي تتخلّى في الجوهر عن برنامج مشروع إقامة دولة كردستان التاريخية، لصالح مشاريع ديمقراطية وطنية، وتدعو الكرد للانخراط في أطر نضالات شعوب الدول القائمة للبناء)، إلى خنادق الكردستانية البارزانية والطالبانية التي تتقاسم السيطرة على إقليم كردستان العراق.
ب- على صعيد السلطة السورية/الإيرانية، يعني تخليها عن واجبها ودورها في حماية وحدة سوريا، وسيادتها، لصالح مشاريع انفصالية محلية، وانخراطها في مشاريع لا وطنية، توافقا مع أجندات استراتيجية الولايات المتّحدة والشركاء الأوربيين، الساعية لتقسيم سوريا، على غرار لبنان والعراق..
3- مشروع “اللامركزية السياسية” في سوريا هو مشروع “البنتاغون الأمريكي”، وقد طرحه مركز بحوث RAND التابع للبنتاغون خلال 2015 في دراستين، وفي إطار التحضير لتأسيس مشروعه استراتيجي في مناطق الجزيرة السورية، وقد أتى الطرح النظري حينئذ في تساوق مع أهداف مشروع البنتاغون من التدخّل العسكري في سوريا خلال صيف 2014.[1]
في تفاصيل إجراءات وخطوات مشروع “RAND”، يبدو جليّاً أن أهداف مشروع اللامركزية السياسية وفقا لاستراتيجيته البانتاغون تبتغي التوصّل إلى تهدئة مستدامة في خطوات وإجراءات مسارات متزامنة لتأهيل وإعادة تأهيل سلطات الأمر الواقع، وتسعى في نهاية المطاف إلى إعطائها الشرعية الدستورية في ظل نظام سياسي سوري لامركزي، يضمن للولايات المتحدة تثبيت مرتكزات سلطة قسد “الديمقراطية”، على الحصّة الأمريكية ويوفر شروط ديمومتها![2]
وفقاً لأهداف أطروحات وإجراءات مشروع اللامركزية السياسية، أطلقت إدارة بايدن مطلع 2020، بالتكامل والتنسيق مع البانتاغون، خطوات مشروع تسوية سياسية لتأهيل سلطات الأمر الواقع التي تبلورت في نهاية 2019 – حكومات الأسد وقسد والإنقاذ(الهيئة) والمؤقتة (الجيش الوطني)، وكانت قد حققت عشية هجوم ردع العدوان خطوات كبيرة في تثبيت مرتكزات سلطات الأمر الواقع، وإعادة تأهيل سلطة الأسد.
4- تبنّي قسد لأطروحة اللامركزية السياسية أتى تحصيل حاصل، ويهدف إلى شرعنة وجود مرتكزات كيانها الجيوسياسي المستقل (الجيش والحكومة الذاتية، والسيادة والموارد الاقتصادية والبشرية، والعلاقات الخارجية) التي تمّ بناؤها منذ منتصف 2012، وهو ما يجعل من مشروع للامركزية السياسية غطاءً سياسياً ودستورياً للحفاظ على استقلالية مناطق سيطرة قسد (التي ترسّخت حدودها منذ نهاية 2019، وباتت كياناً جيوسياسياً منفصلاً في مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي، 26 نيسان الماضي، باسم “روجافاي كردستان”) التي تتجاوز ربع مساحة الجمهورية العربية السورية؟
عند صبيحة هجوم ردع العدوان في 27 نوفمبر 2024، كانت قد تحققت معظم خطوات تأهيل سلطة قسد على خطة البنتاغون الأمريكي، بدعم أوروبي وعربي واسع، وتشكلّت واجهته السياسية: مسد، وبات إقليم شمال وشرق سوريا الديمقراطي” يمتلك جميع مقوّمات الانفصال – جيش و أجهزة أمنية وحكومة ذاتية و دستور، وسيادة، و موارد اقتصادية ضخمة، وعلاقات خارجية، كردية وعربية ودولية، وغطاء ديمقراطي سوري – أحزاب مسد الديمقراطية!!
5- في أعقاب إسقاط سلطة الأسد، واجهت قسد تحدّيات مصيريّة، تمثّلت بتبنّي سلطة دمشق الجديدة لمشروع إعادة توحيد سوريا في ظل نظام مركزي، وبالتخلّي الأمريكي عن مشروع اللامركزية السياسية ودعم مشروع إقامة الدولة السورية المركزية والموحّدة والمستقرة، فعملت على استراتيجية مواجهة شاملة، سعت منذ منتصف ديسمبر لتجميع أوراق القوّة الذاتية والإقليمية والدولية/الأمريكية التي تأمل أنّ تمكّنها من فرض و تعميم نموذج اللامركزية السياسية سوريّا، وبات هدف بناء نظام سياسي لامركزي يحتل الأولوية في أجندات مفاوضاتها مع دمشق، وهي تدرك أنّ نجاح جهودها لا يعتمد على نتيجة المفاوضات، بل يرتكز بالدرجة الأولى على قدرتها على استثمار وتجيير التناقضات والصراعات المتعددة المستويات التي اعقبت إسقاط سلطة الأسد، وتحويلها إلى أدوات محليّة وسورية لاستنزاف شرعية وقوّة سلطة دمشق ولتفشيل جهود ومسارات العملية السياسية الانتقالية.
لم تخف أجندات قسد سعيها لاستخدام العلويين والدروز من خلال تأكيدها على حقوق المكوّنات بتقرير المصير ورفعها شعارات الدفاع عن العلويين والدروز، ومن خلال إقامة تحالفات سياسية، كان أبرزها مؤتمر وحدة المكونات في الثامن من آب، حيث حرصت قسد على تقديم غزال غزال كممثّل للعلويين، وحكمت الهجري للدروز.
بناء على تلك الاستراتيجية، فتحت قسد قنوات اتصال ودعم وتنسيق مع جميع المتضررين من إسقاط سلطة الأسد، وأصحاب نزعات انفصالية، وقدّمت كلّ أشكال الدعم، وقد كان من الطبيعي أن يتبنّى شركاؤها في الساحل السوري والسويداء شعارات اللامركزية السياسية والفدرالية، وقد كان من أخطر نتائج استراتيجية قسد تجاه الساحل تجييرها لتناقضات وتحدّيات الطائفة العلوية، واستغلالها لفشل سياسات السلطة الجديدة في توفير شروط حماية وتطمين وطنية العلويين، وقد بتنا اليوم أمام مخاطر اندلاع حروب طائفية مدمّرة..
في ظل عوامل سياق مشروع قسد، التي باتت أهدافه وأدواته تتقاطع إقليميّا مع أجندات حكومة نتنياهو والنظام الإيراني، بعد تحوّل مظلّة الحماية الأمريكية إلى دمشق، ظهرت مشاريع غزال غزال والهجري، تحت يافطة الفدرالية.. وما تزال خطوات مشروع قسد مستمرّة، رغم كل ما حصل في مسار المفاوضات السياسية مع دمشق، وقد شكّلت مظاهرة غزال غزال في 28 ديسمبر وشعارها المركزي المطالب بفدرالية علوية، أكثر وأخطر خطوات قسد تصعيدا، حوّلت جمهور غزال غزال “الفدرالي والطائفي” إلى رأس حربة، غير عابئة بمخاطر تفجّر حروب طائفية مدمّرة، بل وتجد فيها المخرج الوحيد لإغراق سلطة دمشق في مستنقع معارك الساحل الطائفية الخضوع لشروطها حول “اللامركزية السياسية”، والنجاة بمشروعها الانفصالي، غير عابئة بما قد يجرّه على العلويين من مخاطر وجوديّة!!
[1]– في أهداف مشروع البانتاغون العسكري، تحت سياق محاربة داعش الإيرانية، وعبر تنسيق تدخّل روسي صيف 2015 (التي نسّق مع إسرائيل والنظام الإيراني الأسدي… وتركيا)، تدخّل الجيش الأمريكي والحليف خلال صيف 2014 لإعادة توزيع حصص سيطرة الميليشيات، وبهدف توفير شروط بناء قاعدة ارتكاز عسكرية دائمة للجيش الأمريكي على مثلث التخوم السورية العراقية التركية… وصولاً إلى الحدود الإسرائيلية الأردنية وهو ما تحقق مع نهاية 2019!
[2]– لقد واجه مشروع بايدن تحدّيات كبيرة، شكّلت أبرز عوامل التغيير النوعي الذي حصل منذ صبيحة 27 نوفمبر. فلم تكن أهداف تثبيت حصّة البنتاغون الأمريكي وشرعنة وجود سلطة إقليمها قسد في سياق مشروع تثبيت سلطات مشروع تقسيم سوريا تتعارض مع أهداف وأدوات استراتيجية إدارة ترامب في فترتها الأولى فحسب، بل وخلق ما تضمّنه من شرعنة وجود ميليشيات النظام الإيراني، صراعات متعددة المستويات بين القوى الإقليمية المتنافسة على السيطرة- حكومة اليمين الإسرائيلية والنظامين التركي والروسي.