
سوريا الجديدة في عين باريس والشراكة المُمكنة
بعد مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد، يمكن وصف الموقف الفرنسي من سوريا بأنه موقف متوازن يقوم على مبدأ الانتقال المدروس من سياسة المواجهة والعزل تجاه النظام السابق إلى سياسة الانخراط والدعم “المُمكن” لحكومة الرئيس أحمد الشرع. فرنسا، التي كانت منذ عام 2011 من أكثر الدول الأوروبية تشدداً تجاه الأسد، كانت أول بلد أوروبي يستقبل الرئيس السوري الجديد في 7 أيار/مايو 2025، كما دعمت في الشهر نفسه بالاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن دمشق بهدف تعزيز إنعاش الاقتصاد السوري المتأثر بشدة نتيجة الحرب الطويلة وتجارة المخدرات التي امتهنها نظام الأسد.
أمام واقع جديد فرضته التحولات الميدانية، وتوازنات الإقليم، وإرادة دولية متزايدة بعدم ترك سوريا في فراغ سياسي أو أمني طويل الأمد، تدرك باريس أن سقوط النظام الأسدي لا يعني تلقائياً قيام دولة مستقرة. وعليه، فإن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يتطلب مزيجاً من الدعم السياسي، والضغط الدبلوماسي، والانخراط التدريجي مع حكومة دمشق.
وفي هذا السياق، تتمحور مطالب “عاصمة النور” حول تطبيق العدالة الانتقالية وإطلاق عملية انتقالية شاملة تتجاوز منطق الغلبة، بما يضمن مشاركة حقيقية لمختلف المكونات السورية، يحمي حقوق الأقليات، ويؤسس لدولة قانون ومؤسسات قوية. وقد شدد الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال مؤتمر باريس الدولي لدعم الانتقال السياسي في سوريا في فبراير 2025، على أهمية تهيئة بيئة سياسية شاملة تتيح المضي قدماً في مسار الانتقال والاستقرار. ويعكس هذا التوجه رؤية فرنسية براغماتية، مفادها أن الإقصاء السياسي شكّل أحد الأسباب البنيوية لانفجار سوريا عام 2011، وأن إعادة إنتاجه بصيغ جديدة سوف تؤدي إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار.
لا يغيب عن فرنسا ملف مكافحة الإرهاب، الذي تضعه في صلب أولوياتها، فالهاجس الأوروبي من عودة التنظيمات المتطرفة لا يزال قوياً، خاصة في ظل هشاشة البنى الأمنية للدولة السورية الوليدة وانتشار السلاح بين المدنيين. فقد سبق للرئيس ماكرون أن دعا حكومة دمشق الجديدة إلى المشاركة مع التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو النداء الذي لبته حكومة الرئيس أحمد الشرع في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، في إشارة رمزية مُهمّة إلى اليوم الذي شهدت فيه فرنسا أحد أبشع الهجمات الإرهابية عام 2015، والتي تم التخطيط لها من داخل الأراضي السورية.
من هنا ينبع تمسّك باريس بمواصلة التعاون مع التحالف الدولي والعمل على إنشاء أجهزة أمنية سورية وطنية تخضع للسلطة المدنية، وقادرة على إدارة المجال العام وحفظ الاستقرار من دون الانزلاق مجدداً إلى الأساليب القمعية التي اتّسمت بها أجهزة نظام الأسد سابقاً. وفي هذا السياق، يشكّل انخراط فرنسا في سوريا اختباراً فعلياً لمدى قدرة أوروبا على الإسهام العملي في إعادة بناء الدولة السورية، بما يحقق توازناً دقيقاً بين متطلبات الأمن الداخلي السوري واستقرار الشرق الأوسط ومصالح الأمن الأوروبي، حيث تدرك باريس أهمية البعد الإقليمي داخل الملفّ السوري نظراً لتشابكاته المُعقّدة، فنراها تتحرك ضمن هامش من التوازنات الدقيقة. فهي من جهة، تراعي الهواجس الأمنية الإسرائيلية، والمخاوف التركية المرتبطة بالملف الكردي، وتواصل من جهة أخرى، التنسيق مع الدول العربية وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي التي تنظر إلى سوريا الجديدة من زاوية الاستقرار وتقليص نفوذ الصراعات الإقليمية والمحاور المفتوحة فوق أراضيها.
ولأن تحقيق مثل هذا الاستقرار في سوريا يرتبط بشكل وثيق بالبعد الاقتصادي، فتعمد باريس على الربط بين الدعم في إطلاق مسار إعادة الإعمار وبين تحقيق تقدم سياسي ملموس. حيث تؤكد فرنسا على أن أي انخراط اقتصادي يجب أن يكون مرتبطاً بالشفافية، ومكافحة الفساد، وضمان وصول عوائد الإعمار إلى المجتمع السوري، لا إلى شبكات نفوذ جديدة. كما تولي باريس أهمية خاصة لملف عودة اللاجئين، معتبرة أن العودة الآمنة والطوعية لا يمكن أن تتم من دون إصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية.
يعكس الموقف الفرنسي بعد عام على سقوط نظام الأسد براغماتية محسوبة تنطلق من أولوية دعم استقرار سوريا داخلياً، ودفعها في الوقت ذاته نحو الانخراط الإقليمي والدولي، بما يمنع انهيار الدولة السورية. ويتجلّى هذا التوجّه أيضاً في سعي باريس إلى تشجيع دمشق الجديدة على طمأنة محيطها الإقليمي، من دون الارتهان لأي محور بعينه، خلافاً لما كان عليه الحال في ظل ارتباط النظام السابق بمحور إيران. وفي هذا الإطار، تؤكد فرنسا أن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية يشكّل الضمانة الأساسية لحماية كل مكونات الشعب، وأن استقرار سوريا لا يُعد شأناً داخلياً فحسب، بل قضية ترتبط بشكل مباشر بأمن الشرق الأوسط وأوروبا معاً. وعلى هذا الأساس، تبدو العلاقة التاريخية الخاصة التي جمعت فرنسا بسوريا وشعبها مرشّحة لإعادة الصياغة، هذه المرّة على قاعدة دعم الدولة والمجتمع إلى جانب السلطة، بما يفتح أفقاً جديداً لشراكة أكثر توازناً واستدامة.