
عيد النصر وتسونامي الاحتفالات
تشهد المدن السورية موجة غير مسبوقة من الاحتفالات بمناسبة عيد النصر، لتتحول الشوارع والساحات إلى مشهد من الفرح الجماهيري المهيب. احتفالات مليونية ومنها ما دام عدة أيام متواصلة وبعضها أُلغي بسبب الأعداد الهائلة من الجماهير التي انضمت إليها، حيث لم يبق مكانٌ للوقوف في كل الشوارع القريبة من مركز الاحتفال. هذه الاحتفالات ليست مجرد طقوس تقليدية، بل هي استفتاء شعبي غير رسمي يعكس تقدير السوريين لما تحقّق خلال العام الماضي، ويعبّر عن دعمهم للحكومة الحالية ورئاسة أحمد الشرع.
الفرحة في هذه الاحتفالات عارمة، حيث تمتزج دموع الفرح بالابتسامات العريضة والانفعال الصادق، ما يعكس التفاؤل والسعادة في نفوس السوريين. ورغم ادعاءات بعضهم بأن المشاركة قد تكون بدوافع خوف أو مجاملة، يثبت الواقع أن الملايين حضروا عن قناعة حقيقية وفرح صادق بما تحقق من إنجازات هائلة وتطور إيجابي ملموس في البلاد.
مشاهد الاحتفالات التي شارك فيها ملايين السوريين عكست تطلعات الشعب للفرح ونهاية مرحلة صعبة من التاريخ الحديث. ورغم الزخم الجماهيري الكبير، تميّزت الاحتفالات بالهدوء والنظام والأمن المستتب، ما يشير إلى أن حقبة الفوضى قد ولّت وأن سوريا فتحت صفحة جديدة لاستقبال مرحلة من الأمان والاستقرار.
الأفراح لم تقتصر على الداخل، بل امتدت إلى الجاليات السورية في الخارج، خصوصاً في أوروبا وألمانيا، حيث تمّ تنظيم فعاليات كبرى احتفالاً بالنصر، تعكس ارتباط الجالية بوطنها الأم، وهي تعتبر نفسها امتداداً له وأملها كبير بمستقبل أفضل.
التطورات الايجابية التي حصلت في سوريا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال العام الماضي يصعب حصرها، ومع ذلك تظلّ الانتقادات جزءاً طبيعياً من أي مجتمع حي. ففي كل الدول الديمقراطية توجد ملاحظات من المعارضين، وهو ما يعكس حيوية النقاش السياسي وتنوع الآراء. أما في سوريا، فتحصل انتقادات أكثر بسبب الإرث المظلم للنظام البائد الذي دمّر البلاد وهجّر أهلها وسرق ما تبقّى من أموال الشعب في البنك المركزي، ظاناً أن سوريا لن يستطيع أحدٌ أن يُديرها ولن تقوم لها قائمة، لكنه في النهاية خسر أمام إرادة شعبها.
اليوم تتطلع سوريا إلى مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من العزلة والدمار والخراب. مؤشرات الانفتاح السياسي والدبلوماسي تمنح السوريين أمل العودة إلى مكانة البلاد الطبيعية بين دول العالم، بعد سنوات من العقوبات والضغوط التي أثّرت في الاقتصاد والحياة اليومية. ورفع العقوبات بشكل شامل سيمثل نقطة انطلاق نحو تعافٍ اقتصادي حقيقي ويعيد لسوريا دورها الحيوي في المنطقة.
التحولات المنتظرة تشمل إعادة رسم صورة سوريا في العالم، من صورة سلبية إلى محور خير وسلام، قائم على التعاون الدولي، ومحاربة الإرهاب، وتجفيف منابع التطرف، ومكافحة تجارة المخدرات. نجاح الدولة في بسط الأمن وتعزيز سيادة القانون يمثّل حجر الزاوية لبناء اقتصاد قوي ومجتمع آمن يحظى بثقة العالم.
الشعب السوري يلمس التحسن في حياته اليومية مع الانفتاح القريب على الأسواق الدولية وتدفق الاستثمارات وارتفاع الرواتب وعودة النشاط الصناعي والزراعي والسياحي. هذه العوامل كلها تساهم في تخفيف الضغوط عن المواطنين وتقليل الهجرة واليأس بين الشباب وتعزز الاستقرار الوطني.
الطريق أمام سوريا لا يزال طويلاً، لكن الأمل ببلد مستقر ومنفتح على العالم، مزدهر وقادر على توفير حياة كريمة لأبنائه، يظلّ المحرّك الأساسي لكل الطموحات. مع تكامل الإرادة السياسية والجهد الشعبي، يصبح الانتقال من دوامة الأزمات إلى فضاء السلام والازدهار واقعاً قابلاً للتحقق، وبهذا ستصبح كل عام احتفالات السوريين في الداخل والخارج أكثر زخماً، وبتكاتف أبنائها ستزداد سوريا تألقاً وازدهاراً.