السياسة الخارجية للحكومة السورية

0

إن العصابة الحاكمة لسورية التي تسلطت على رقاب السوريين طوال عقود أذاقتهم فيها كل الويلات، وانتقلت بهم من حال سيئة إلى أسوأ، ولونت كل دناءاتها وإجرامها فألبستهما ألبسة الحكمة والنصاعة والحنكة وهي تعلم أن ذلك كله إمعاناً في عملية قهر السوريين وتبكيتهم، وإغراقا في نكايتهم وإذلالهم.

وأكثر ما كانت تفاخر به العصابة – ربما عن قناعة، وقناعة بعض الجمهور – هو سياستها الخارجية وأنها ماهرة بها جداً، وقادرة على الموازنة بين التناقضات الإقليمية والدولية، وتمسك بكثير من الخيوط، وجميع ذلك كان ضربا من الاستخفاف بالشعب إذ هم حالة وظيفية متميزة للغاية في خدمة النظام الدولي على حساب كل أمر يخص الشعب الذي لم يكن يجرؤ على انتقاد سياسة داخلية أو خارجية على الإطلاق، ولم تكن السياسة الخارجية المتفاخر بها إلا وزراً وانحداراً وكذباً وغشاً للسوريين.

وتجد السلطة الهشة أو المرتبكة ملاذاً آمناً في السياسة الخارجية لتكريس حالة الاستعلاء على الشعب بأنه لا يفهم الأبعاد الحقيقية لما يجري، وغير قادر على تقدير المسائل بأحجامها المرادة، وبعيد عن المساقات والسياقات والفهم التي تتمتع بها هذه السلطة، وليس على أتباعها إلا التسليم والانجرار وراءها. وبالمقابل فإن الرد: لماذا يتم ذلك كله بالخفاء ولا تعلنون من جهتكم ما ينشر علناً عن لقاءاتكم قبل الآخرين الذين يخاطبون شعوبهم وشعوبكم؟ ولماذا لا تقومون مباشرة بعد عودتكم من الزيارات الخارجية بعرض ملخص عن إنجازاتكم المفترضة؟! إنها توابيت الأبراج العاجية التسلطية يساعدهم عليها كلمات المديح والاطراء من الأفراد الذين لم يشاوروا ولن يشاوروا، ولا قيمة لآرائهم أساساً إلا ضمن التبجيل المتملق.

وعلى أعتاب الذكرى الأولى للانتصار الذي صنعه الشعب السوري وليس الفصيل الفلاني أو الفصيل العلاني فإنه مهم أن نذكر بما يلي تأسيساً لسياسة خارجية صحيحة ذات منعكسات داخلية صائبة:

لقد دفع المصريون ثمناً محلياً باهظاً وما يزالون بسبب زيارة أنور السادات إلى القدس المحتلة ولقائه بأعداء منطقتنا وأضروا بالأمة العربية والإسلامية. ولقد خسرت القضية خسارة غير قليلة على كل المستويات بذهاب عرفات نحو أوسلو. ولقد فقدت حماس كثيراً من أسهمها بعلاقاتها الخارجية مع ملالي طهران، وأثرت سلبا على العمل المقاوم بكامل المنطقة.

صحيح أننا جميعاً قادرون على تجاوزهم وقد تجاوزناهم، لكن لماذا لا نحسن ضبط العلاقات السياسية السيادية في وقتها وظروفها المطلوبة، ونضيع جهداً وزمناً!

وارتقاء منا بالوعي الجمعي، والقدرة على التنقيح والتصويب، والخروج من حالة الاتباع غير المتماسك والولاء الطفولي، وتحصيناً للعمل السياسي السيادي السوري فإنه يحق لنا أن نسأل السوريين أولاً وتحديداً الفئة التي صنعت ثورة الكرامة الأسئلة التالية: بعد كل التجارب، وجريمة الكيماوي، وشعارات الصداقة: ما مصير كلامكم عن أميركا، وأين ذهبت توصيفاتها؟ وماذا عن إجرامها بحقنا وعلاقتها بالكيان الصهيوني اليهودي؟ هل ستتحول علاقتنا بها إلى النمط السعودي الإماراتي المصري؟

وبيّن جداً استمرار مرض “التاريخي” سياسياً واجتماعياً، ومنهما: الترويج للخطاب التاريخي، والقناعة باللقاء التاريخي، والاحتفاء بالزيارة التاريخية وهكذا عناوين مجردة من الفحوى والصحة. فلو استفسرنا أيضاً ما هو المضمون الذي يجعل من اللقاء في البيت الأبيض تاريخي؟ ماذا سيستفيد الشعب السوري من هذه الزيارة؟ من سيتكلم عن ذلك؟ من سيوضح رسمياً ويشرح؟ عشرات الأسئلة ليست مهملة، إنما مستهجنة ومطعون بها.

الزيارة واللقاء تاريخيان وانتهى!

إن السياسة التي لا تجني رصيد انتصاراتها، ولا تعلل تحركاتها لا توصف وصفاً إيجابياً، ولا تسمى سياسة أصلاً، وإذا استوضحنا ما هو الرصيد السياسي الخارجي الذي تسعى السلطة إلى تثبيته وتحصيله للشعب السوري صاحب الثورة العظيمة بناء على انتصاره المؤزر فهل من بيان؟

محمولات السؤال تفترض وجود رصيد يسعى إلى صرفه. وما نعتقده في الحركة بكل تواضع لا توجد فكرة الرصيد حكماً. ونحن جاهزون للمساعدة في ذلك من موقعنا علانية خدمة للشعب، ليس من باب المقايضة إنما انطلاقاً من المهنية الواجبة في ممارسة الأدوار العامة. فالذي لا يعرف لا يضيره أن يستشير علناً من يعرف، أو يحاول أن يجد صيغة عمل مشتركة، وإذا تعالى فالمشكلة فيه فليبحث عن حل لها.

وإن الشعب الحر السيد يحرص كل الحرص على معرفة تفاصيل السياسة الخارجية المرتبطة بمصيره مثل حرصه على الداخلية المرتبطة بمعاشه اليومي، ويسمح لنفسه دون إذن من أحد أن يبدي رأيه تصويباً وتمتيناً ومحاسبة حين اللزوم، وحينها يصدق الحكم بالإيجابية أو سواها على السياسة من حيث تواصلاتها وزياراتها ولقاءاتها.

وهذا لا يصادر دور أصحاب الصفة في ممارسة صلاحياتهم ومهامهم، بل يقويهم ويحصنهم ويجعلهم في خانة المسؤولية المقدرة.

إن العلاقات الخارجية التي تساق لا بد من ارتباطها على نحو وثيق بما جرى في سورية، فلا يعقل ولا يقبل أن تكون وفق قواعد البنية الدولية خارج أطر الرؤية التي ثبتتها الثورة السورية في دور الشعب في تقرير مصيره. فما معنى إزاحة طبقة غارقة في الاستبداد والتفرد والإجرام، ثم نخضع بنية علاقة هذا الشعب مع محيطه الإقليمي والدولي للأطر نفسها قبل الإزاحة والانتصار؟!

وأي خطأ بل خطيئة تقوم بها السلطة حين تتجاوز الشعب صاحب الثورة العظيمة وتحيده عن منظومة علاقاته الخارجية!

أكثر أمر ضاغط قول قائل: إن هذا الشعب لا.. ولا..

إنها النغمة المشروخة والنشاز في التقليل والتحقير من الشعب ومكانته ومقدراته.

سيبدي بعضهم رأياً مهماً وصحيحاُ لكنه مبتور عن سياقه الصحيح فيقول: لم نرهق الشعب بتفاصيل خارج اختصاصه؟ وهل قدمت للشعب الرؤية العامة والخطوط العريضة التي تتحرك على أساسها ليعفيك من التفاصيل؟!

والأهم هل واضح على سلوكك أنك تتعامل مع الشعب بأطر تقديرية لدوره ومكانته وثورته؟

والتركيز على اللقاءات بحد ذاتها وروعة الاستقبال، والحفاوة باللقاء، وجمالية التوديع، والعناق وتبادل الكلمات والعبارات الحارة لا يسمن ولا يغني من جوع في بناء الدول وعمرانها، والبحث عن مصالحها. وقد حرصت السلطات الحاكمة في المنطقة على التركيز على الشكل إيجابياً وسلبياً ولا يخلو ذلك من أهمية أحياناً، وما يجب الحرص عليه هو المعلومة الأساسية وعدم كتمانها، فبعد الثورة السورية العظيمة لم يعد مقبولاً من سلطة ما ألا تفصح لشعبها ماذا قالوا، وعلى ماذا اتفقوا، ومن الغايات اللازم كشفها وضوح الأهداف والمصالح عموماً.

إن أصحاب الصفات المتقدمة مهما امتلكوا من قدرات لا يمكن لهم تغيير طبيعة مرحلة تفرضها الجغرافيا والثقافة. فالعلاقة مع العدو اللدود بجعله صديقاً ودوداً ليست مرهونة بقرار، بل بذهاب آثار ومعاني الاعتداء والتسلط.

وبما يخص روسيا. ما نتائج الزيارات الرسمية، وما هي الاتفاقات التي وقعت إذا تم التوقيع على أمر ما؟ والقواعد العسكرية التي كانت تقتلنا والتي رملت نساءنا ويتمت أولادنا ما أخبارها؟ المجرمون الذين تؤويهم سنتركهم؟ سنطالب بهم؟ تكلمنا بشأنهم، أو أهملنا ملفهم حالياً إلى أجل آخر؟ لماذا؟

من هي الجهات السياسية غير الوزارية التي ستعتني بهذه الملفات من موقع مسؤوليتها؟ مجلس الشعب الذي فات على تشكيله شهران ولا يعلم متى جلسته الأولى؟ النقابات ذات الصلة التي لا نسمع لها همساً؟ التيارات والأحزاب الوهمية؟ أو جزء من الحكومة يرى ويتابع غير ما يرى الأغلب؟ وإذا لم يكن الأمر متاحاً من داخلها فمن يكون من خارجها؟

إن حركة السيادة والبناء إذ تطالع الشعب السوري وتصارحه بهذه المواضيع السياسية المهمة ستدرس خطوات عملية للتواصل مع الجهات الحكومية للحصول على المعلومات، وسوف تتحمل مسؤوليتها بما لا يتناقض مع احترام أصحاب الصفة الرسمية ودورهم. وسوف تنتهز كل فرصة متاحة لتتشارك مع شعبها الوعي والدور الممكن.

ولا يغيب عنا ونحن نتحمل المسؤولية تكميم الأفواه معنوياً ومادياً، الأمر الذي نرجو أن تكون السلطة قد تخلت عنه بعد انتصار الثورة العظيمة وذكراها الأولى، وألا تقتبس أو تستعيد أياً من الأساليب التي كانت العصابة المجرمة تقوم بها.

إن اعتبار توسيع دائرة القرار قوة يعطل المراجعة بأكملها، ويعد غياب المراجعة والإيضاح وتبيين الثغرات أكبر دليل على الحالة المرضية لفئة مجتمعية حينما لا ترى في تصرفات السلطة إلا خيراً وصواباً ورجاحة!

إن كثيرا من اللقاءات الخارجية من حيث صورتها فضلاً عن محتواها الغائب لا تعبر عن الشعب السوري عموماً، والذي صنع ثورة عظيمة خصوصاً.

ومما لا لبس فيه أن السياسة الخارجية بهذه السلوكيات وهذه الأسس فضلاً عن الداخلية والعلاقة بها والنظرة إليها لا تبني الدولة التي تتواءم مع الثورة، ومع الحد الأدنى الذي ينهض بالناس ومعاشهم وتطلعاتهم وقضاياهم بدليل ما يقوم به الصهيوني اليهودي وآخره في قرية بيت جن. وهذا لا تحب السلطة أن تسمعه لكثرة المتزلفين، وقلة ثقافتها بأهمية التشاركية والتكاملية باعتبار حالة التفرد التي ما زالت تنزع إليها وتفضلها.

فالسياسة الخارجية إضافة إلى الداخلية التي لا تنسجم مع قوة الثورة وكرامتها آيلة إلى الذل أو إلى الفشل على أقل تقدير. وعكسهما مرهون بالثقة أولا بالشعب السوري، وفئته الثورية الفاهمة لأبعاد السياسة، والسبيل الأول والاصح هو الذهاب إلى مواطن القوة المجتمعية سياسيا، والتخلي عن أوهام التفرد. فلا يليق بسلطة تريد تمثيل ثورة عظيمة أن تخاف من الثوار السياسيين وتتربص بكل خطوة من خطواتهم، وتتحرج من دعوتهم لبعض اللقاءات الشعبية، وتقصيهم عن مواقع يستحقونها.

والذهاب إلى الجامعة العربية، والأمم المتحدة، والأميركي، ومناشدتهم، ودعوتهم للقيام بدورهم لا قيمة له ولا معنى دون السبيل الأول. وتلك لهجة خبرناها عقودا من الزمن، ولم تفدنا يوما من الأيام.

الشعب ثم الشعب ثم الشعب وقوته.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني