بين قسد وأسد، ما هي طبيعة قيادة بقايا فلول النظام البائد، ومشروعها السياسي؟
إذا كان واضحاً وجود “تمرّدات مسلّحة” ضد مؤسسات الدولة الجديدة على امتداد مناطق الساحل السوري والسويداء، تسعى لإخراج المنطقتين من تحت سيطرة الدولة الجديدة لصالح مشروع انفصالي، يتغطّى بشعارات “اللامركزية السياسية” و”الكونفدرالية”، وإذا كان واضحاً أنّها تضمّ بقايا مسلحين وميليشيات سلطة الأسد العسكرية والأمنية التي هُزمت خلال معارك هجوم ردع العدوان وإسقاط سلطة الأسد أو التي باتت تواجه تحدّيات مصيريّة، فإن التساؤلات الرئيسية التي يحتاج الرأي العام السوري لمعرفة إجاباتها الموضوعية في هذه المرحلة الأخطر من الصراع على مصير الكيان الجيوسياسي السوري!
مَن يموّل ويقود “فلول النظام البائد” ولصالح أي مشروع سياسي يقاتلون؟
هل يقاتلون لصالح مشروع إعادة سيطرة سلطة الأسد على الساحل السوري أم لصالح مشروع اللامركزية السياسية القسدي؟ هل تواجه السلطة الجديدة تحدّيات مشروعين سياسيين منفصلين، أم هو مشروع واحد بجناحين، لصالح نظام ملالي طهران، وتحت قيادتها العليا؟
أحاول فتح باب حوار واسع حول تساؤلات مغيّبة، علّها تجد ما تستحقه من النقاش!
تقارير “رويترز” وغيرها، تعمل على تسويق رواية مسؤولية بيت الأسد عن معارك السيطرة على الساحل السوري، وتؤكد أنّ مقربين من بشار الأسد وماهر الأسد يمولون ميليشات ساحلية لاستعادة الملك الضائع (كمال حسن ورامي مخلوف)، وبالتالي تأكيد موضوعية الرواية التي تقول بقيادة عائلة الأسد لبقايا فلول ميليشيات سلطة الأسد المهزومة التي تخوض معارك عسكرية ضد مؤسسات السلطة الجديدة منذ مطلع فبراير، وتربط معارك السيطرة على الساحل السوري بمشروع سلطة الأسد الساعية لفصل الساحل عن سوريا.
أولاً: في تقديري، ربط معارك صراع السيطرة على الساحل والسويداء بمشروع سلطة الأسد الساقطة، ووضعها في سياق سعيها لإعادة سيطرتها على الساحل (وسوريا) يتناقض مع وقائع الصراع السياسية والعسكرية، التي تبيّن لا موضوعية هذه الاستنتاجات:
1- خروج آل الأسد بشكل نهائي من معادلات السيطرة على سوريا، بتوافقات القوى الدولية والإقليمية التي رسمت المشهد السياسي السوري في سياق ونتائج هجوم ردع العدوان.. ولو كان يملك بشار الأسد حريّة تحديد مصير الساحل السوري وفرصة السيطرة عليه، لكان قد احتفظ به ولعائلته، ملكاً أبديّاً، وكان يملك القوّة العسكرية الكافية، وقد كان خَيارا مطروحا في بعض مراحل الصراع بين 2011-2015.
2- لا يمكن أن يمارس الأسد، أو أيّ من قيادات سلطته السابقة الموجودين في روسيا أيّة أدوار سياسية أو عسكرية معارضة للسلطة الجديدة دون دعم روسي، أو ضوء أخضر، وهذا يتناقض مع وجود ومستقبل مصالح روسيا في سوريا الجديدة.
كلّ مستجدّات العلاقة بين دمشق الجديدة وموسكو القديمة تبيّن أنّه حرص القيادة الروسية على بناء أفضل العلاقات مع سوريا الجديدة، قيد التأسيس، وهي تدرك ما تملكه هذه السلطة الناشئة من عوامل تعزيز سلطتها وديمومة سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، خاصة الدعم الشعبي، وتساوق مسارات مشروعها السوري مع آليات وأجندات مشروع إقليمي، تقوده الولايات المتّحدة وشريكيها الأساسيين، تركيا والمملكة العربية السعودية.
هذا الوعي الروسي المبكّر هو الذي يفسّر تجاوب روسيا مع مساعي التوصّل إلى تفاهمات والتزامات متبادلة مع قيادة ” غرفة العمليات العسكرية” ورئيسها أحمد الشرع، وتنسيق هروبا آمنا للأسدين، في إطار مصالح اقتصادية مشتركة.
هذا ما أكّدته طبيعة تطوّر العلاقات بين قيادات السلطة الجديدة وموسكو، التي بدأت بتنسيق شامل في اعقاب تحرير حماه من ميليشات الأسد الإيرانية…وقد اكّد الرئيس السوري ووزير خارجيته عقد تفاهمات وتعهّدات، وعلى التزام الطرفين السوري والروسي بتنفيذها.. وكلّ ما يحصل على صعيد تعزيز العلاقات السورية الروسية يؤكّد ذلك.
هو أيضاً ما يفسّر سب عدم مطالبة الحكومة السورية والرئيس السوري بتسليم الأسد الهارب، ولم يسعوا إلى ذلك عبر مؤسسات دولية، رغم مايشكّله عامل عدم محاكمة بشار الأسد والصف الأول من قياداته السياسية والعسكرية الموجودة في موسكو من أسباب تعثّر مسارات العدالة الانتقالية، ورغم أهميّة نجاح هذا المسار على تقدّم صيرورة العملية السياسية على جميع الصعد والمستويات!.
3- تفاصيل تقرير رويترز تكشف عمق تناقض الأفكار والمعلومات التي يقدّمها مع وقائع أحداث معارك آذار – المعركة الرئيسية للسيطرة “الفلول” على الساحل.
جاء في التقرير أنّ كبار قادة سلطة الأسد، والمقرّبون جدا، يموّلون” أكثر من 50 ألف مقاتل” وأنّ كمال حسن “يسيطر على 12 ألف مقاتل”، وأنّ مخلوف “يسيطر على 54 ألف مقاتل على الأقل”، وهو ما يتناقض مع وقائع معركة السيطرة على الساحل في آذار، حيث لم يتجاوز عدد “الفلول” المهاجمين سقف /5000/ مقاتل، كما جاء في تصريحات محافظ اللاذقية السيد محمد عثمان، لأكثر من مصدر إعلامي، منها “الجزيرة مباشر”. إضافة إلى ذلك، سرعة حسم المعركة لصالح هجوم السلطة المضاد، ولم يستغرق أكثر من ساعات معدودة، يوم الجمعة السوداء، السابع من آذار!! يضاف إلى ذلك ما أظهره محافظ طرطوس السيد أحمد الشامي، وفقاً لما جاء في التقرير، من عدم أهميّة دور “المخابئ والمخزن” – “حقيقية لكنها لا تشكل خطراً يذكر.. هذه المراكز ضعفت بشكل كبير بعد التحرير… ولا يوجد قلق من استمرار وجودها”!!
4- انفجر غضب العلويين تجاه الحكومة الجديدة في 25 نوفمبر تشرين الثاني عندما خرج الآلاف إلى شوارع حمص ومدن ساحلية للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي، والإفراج عن المعتقلين، وإعادة نساء مختطفات، وشكّلت هذه الاحتجاجات أول مظاهرات معارضة للسلطة واسعة النطاق تشهدها سوريا منذ سقوط الأسد، ولم يكن مخلوف أو حسن وراء هذه الاحتجاجات، بل رجل دين طائفي، ويتحالف مع قسد، ودعا الناس مباشرة للمطالبة بالفدرالية!!
ثانياً: بخلاف ما عملت على تسويقه وكالة رويترز، وربطت الصراع على الساحل بمشروع إعادة سيطرة بشار الأسد عبر مواليين مقربين، كما ربطت تقارير سابقة معارك آذار بماهر الأسد عبر قيادة “غياث دلا” أبرز قادة الفرقة الرابعة، لما سميّ “المجلس العسكري في الساحل” وتمويل “محمد جابر” المزعوم.
التساؤل الذي يطرح نفسه: من هو المستفيد من ترويج رواية وقوف ” قادة الأسد ” والمقربين منه، الموجودين في روسيا، خلف معارك السيطرة على الساحل؟
كلّ ما أتى في تقرير رويترز يصب في خدمة أجندات قسد، ويغيّب حقيقة دورها ومسؤوليتها في معارك السيطرة على الساحل والسويداء، وهو، علاوة على ذلك، يتوافق مع رواية الحكومة السورية حول طبيعة الصراع على الساحل والسويداء!!
1- في التفاصيل، لا يمكن لقسد إلّا أن تكون فاعلة، وطرفاً رئيسياً في معارك السيطرة على الساحل السوري والسويداء، عبر السعي لتجنيد بقايا “فلول النظام”[1] في معاركها العسكرية، وتحشيد رأياً عاماً علويّاً، شعبياً وسياسياً، لصالح مشروعا السياسي، الساعي لإقامة أقاليم منفصلة في الساحل والسويداء تحت يافطات اللامركزية السياسية والفدرالية وهي، وشريكها النظام الإيراني، أصحاب المصلحة الرئيسية في تعزيز شروط تقسيم سوريا، عبر فصل الساحل والسويداء عن الدولة السورية الجديدة!.. فهل يستطيع أحد أن ينكر حقيقة أنّ نجاح مسارات العملية السياسية الانتقالية، بما تتضمّنه من إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة وحصر امتلاك السلاح بيد مؤسسات دولة مركزية موحّدة، يتناقض بشكل جذري مع مصالح قيادات قسد والنظام الإيراني، سواء تمّ ذلك بالتوافق مع سلطة دمشق، وفقا لاتفاق آذار، أو حصل عبر مواجهات عسكرية؟ فخسارة قيادة قسد لامتيازات احتكار السلطة والسلاح والسيطرة على مناطق “إقليم شمال وشرق سوريا” (سيطرة على حوالي ثلث مساحة سوريا، وما تتضمّنه من ثروات مائية واقتصادية وبشرية، وموقع جيوسياسي إقليمي، ومزايا علاقات خارجية مستقلة)، لا يمكن أن تعوضه امتيازات أي حل سياسي أو عسكري مع سلطة دمشق الشرعية! التحديات المصيرية التي واجهت قيادة قسد بعد إسقاط سلطة الأسد، العمود الفقري لمشروع التقسيم الذي كان يوفّر مظلة الحماية الأمريكية والأسدية معا، دفع قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” لتبنّي استراتيجية شاملة، تستهدف تفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية وتخوض معارك فصل الساحل السوري والسويداء[2].
بعد مرور نحو 3 أشهر على توقيع اتفاق العاشر من مارس/آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، لم تصل المفاوضات الى اتفاق حول قضايا الخلاف الرئيسية، المرتبطة بحصر امتلاك السلاح ووحدة السيادة والجغرافيا.
وتعليقاً على الأنباء الواردة حول تحديد فترة زمنية بـ 30 يوماً لدمج قوات “قسد” في هياكل وزارة الدفاع السورية، أوضح أبجر داود المتحدّث الرسمي باسم قسد أنّه “في ظل التوترات المستمرة في سوريا وارتفاع وتيرة العنف وتهديدات تنظيم (داعش)، من المستحيل أن تسلم قوات (قسد) أسلحتها”!
2- منذ سقوط النظام، بدا الساحل “متروكاً” بلا ظهير سياسي أو اجتماعي، وذلك خلافاً لما حظيت به مناطق أو مجموعات أخرى، من مثل الدروز في جنوب البلاد أو الأكراد في الشمال والشمال الشرقي، ولم يظهر هذا التفاوت خلال أحداث آذار الدامية فحسب، بل تواصلت فصوله تباعاً مع استمرار مسلسل “القتل على الطائفي”، ومثله حالات الخطف التي لا يكاد يمرّ يوم واحد من دون الإعلان عن شيء منها، وسط تصاعد خطاب يحمّل “الطائفة العلوية” وزر ممارسات النظام السابق، وكانت أجندات قسد الساعية إلى تحشيد العلويين الطرف الوحيد المستفيد.
3- بعيداً عن الأحزاب التقليدية التي تشرذمت وتقلّصت أحجامها، يمكن القول إن أبرز التجمعات السياسية التي ظهرت في الساحل عشية السقوط ونشطت بعده، (وتنحصر في مجموعات مرتبطة بمشروع مسد! ينطبق ذلك على ما يسمّى “الحركة المدنية الديمقراطية”- مجموعة من التنظيمات والمبادرات والتيارات المتأثّرة بتجارب سابقة مثل “إعلان دمشق 2005، أو التي ارتبطت خلال 2011 بـ “هيئة التنسيق الوطنية” مثل “التجمع الوطني الديمقراطي” و”التيار المدني الديمقراطي”، وترفع شعارات العلمانية والدولة المدنية الديمقراطية، هي بالمجمل مرتبطة بأجندات قسد ومسد وتتبنّى رؤيتها السياسية حول “اللامركزية السياسية” وتمارس نشاطها بالكامل مع جهود مسد لتعزيز حضورها في الساحل السوري.
ينطبق ذلك نشاط القيادات الطائفية العلوية، والمجلس الإسلامي العلوي بقيادة غزال غزال، و”حركة الشغل المدني” بقيادة المحامي عيسى إبراهيم، والجهود التي قادها في مرحلة ما بعد السقوط والمجازر، تكلّلت بظهور كيان جديد، في آب الفائت، أطلق عليه اسم “المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا”، و”التيار السوري المدني الحر”، الذي أُعلن عن تأسيسه في كانون الثاني 2025، كمنظمة اجتماعية مقرّها الولايات المتحدة، تدعو إلى تبنّي نهج شامل لإعادة بناء الدولة على أسس وطنية ومدنية وديمقراطية، وترفع شعارات “اللامركزية السياسية”، ومجموعة “الكتلة الوطنية” التي تصدّر مقاعد مؤتمر تأسيسها في واشنطن الدكتور سمير التقي، أبرز مروّجي ثقافة مشروع اللامركزية السياسية والجغرافيا، وضرورة الاستفادة من “البرجوازية الوطنية” مشيراً إلى أهمية أن يتجاوز المشروع سقفه الطائفي.
ثالثاً: قد يتساءل بعضهم، ومن حقّه: ألا يتوافق تقرير رويترز مع توصيف مؤسسات السلطة الجديدة لطبيعة الصراع على الساحل والسويداء، وقد حرصت على تحميل “فلول الأسد” المسؤولية المباشرة؟
الجواب: نعم!!وهو ما يطرح تساؤلا آخر: هل هذا التوافق يؤكّد موضوعية ما ورد في التقرير، رغم تناقضها مع الوقائع التي ذكرتها؟
التوافق يؤكّد فقط تقاطع مصالح وسياسات السلطة مع رواية تحميل فلول الأسد المسؤولية[3].
كيف ولماذا؟ لسببين:
لم يكن من مصلحة السلطة حتى الآن أن تفتح جبهة صراع مباشرة مع قسد، ولم يكن من أولويات سياساتها في هذه المرحلة، وقد ركّزت على جهود هزيمة مشروع قسد ميدانياً، دون الدخول في مواجهات إعلامية مباشرة ومفتوحة. لماذا لم يكن في أولويات السطلة خوض حرباً شاملة ضد قسد، رغم إدراكها بطبيعة مخاطره الراهنة والاستراتيجية؟
إذا كان في رأس أولويات السلطة السورية الجديدة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإطلاق مسارات العملية السياسية الانتقالية، في سياق فك العزلة السياسية والاقتصادية الدولية، من خلال توفير شروط إعادة تموضع سوريا جيوسياسياً في شبك العلاقات والمصالح والسياسات الإقليمية والدولية، وإقامة افضل العلاقات مع واشنطن وباريس ولندن، بما يضمن رفع العقوبات الاقتصادية، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية، فكان من الضروري أن تأخذ بيعين الاعتبار القصوى طبيعة شبكة مصالح حكومات أوروبا والولايات المتّحدة السابقة مع قسد، وما وضعته من شروط قيام حل سياسي توافقي للصراع، عبر تفاهمات واتفاقيات سياسية، وقد كان في “تأجيل” المواجهات العسكرية أيضاً مصلحه سوريا خاصة، لانّه يجنّب السلطة الوليدة مخاطر مواجهات عسكرية شاملة مع قسد، قد تستجرّ تدخلات إقليمية، وتفتح الأبواب لتحويل سوريا إلى ساحات صراع كبرى، وقد أشار الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة إلى أهميّة إنجاز تجنبها في مسارات هجوم ردع العدوان!.
إدراك طبيعة العوامل السابقة، يفسّر موافقة السلطة لعدم احتكار قرار الحرب ضد قسد، وإخضاعه لنتيجة التوافقات مع تركيا والولايات المتّحدة، كما تجسّد في اتفاق العاشر من مارس وفي لقاء وزراء خارجية الدول الثلاث الذي أعقب مباشرة لقاء القمّة السوري الأمريكي في البيت الأبيض.
بمعنى، قيام السلطة الجديدة بفتح جبهة ميدانية ضد فلول مشروع التقسيم التي تقودها قسد والعمل على هزيمتها عسكرياً، دون الدخول في حرب مفتوحة، مثّل أقل الخّيارات تكلفة، لأنه يتوافق مع مصالح السلطة والسوريين في توفير شروط إقامة افضل العلاقات مع الوسطين الإقليمي والدولي، وتجنيب سوريا الجديدة، شعباً وحكومة، مخاطر تحوّل سوريا إلى ساحة حروب إقليمية واسعة النطاق!
من المؤسف أنّه قد أدى” تكتيك” تحميل فلول الأسد المسؤولية إلى ربطها بالعلويين كطائفة، وحملّها أوزّار العواقب، خاصة ما نتج عن تعزيز الشكل الطائفي للصراع وتفاقم أشكال التحريض والمواجهات الطائفية، كان فيها العلويون والسلم الأهلي الخاسر الأكبر، وهو لم يكن سيصل إلى هذه المستويات لو أخذ الصراع مساره الحقيقي ضد قسد!!
فهل تدرك السلطة مخاطر ما حققته من نجاحات عدم الدخول في حرب شاملة ضد قسد، وقد فاقم إلى درجات خطيرة أشكال الصراع الطائفية، وعزز مصداقية بروباغاندا قوى مشروع التقسيم حول موضوعية ومشروعية مطالبها بالفدرالية، وهدد السلم الأهلي، وقوّى جبهة قسد الانفصالية.
عند غروب الشمس تقريباً في يوم السادس من مارس آذار، تعرضت نقاط تفتيش ومواقع أخرى تابعة لجهاز الأمن العام في محافظتي اللاذقية وطرطوس لهجوم، مما أسفر عن مقتل العشرات من عناصر الأمن.
ووفقاً للحكومة الجديدة وسكان، كان المهاجمون يقودهم ضباط لا يزالون موالين للأسد. وانضم إلى الضباط شبان فقدوا سبل عيشهم عندما فصلت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين العلويين وفككت أجهزة الأسد الأمنية، وفقا لمقابلات مع السكان، بمن فيهم زعيم محلي وصف الأمر بأنه تحرك عفوي من أشخاص يائسين.
ووفقاً لروايات مختلفة، ساورت المخاوف الحكومة السورية الجديدة من فقدان السيطرة على منطقة الساحل خلال انتفاضة أنصار الأسد، وأصدرت أوامر قاطعة في السادس من مارس آذار بسحق محاولة انقلاب من “فلول” النظام السابق، وكان عدد كبير من الرجال الذين تلقوا الأوامر انضموا إلى صفوف قوات الأمن الحكومية الجديدة منذ شهور قليلة، ويتبنون تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية.
وفي ذلك اليوم الأسود، اندفع بعضهم ليفسر كلمة “فلول” على أنها تعني كل العلويين الذين يحملهم كثيرون في سوريا مسؤولية جرائم عائلة الأسد التي تنتمي زوراً لهذه الطائفة.!!
[1]– لقد قدّمتُ ما اعتقد أنّه مشروع متكامل لإعادة تصويب مسارات العملية السياسية الانتقالية، في ضوء منظور محدد لطبيعة الصراع على سوريا بعد الثامن من ديسمبر يرتكز على وقائع وجود سلطتين منفصلتين، تمتلكان برنامجين متناقضين لمستقبل سوريا، وتتصارعان على الشرعية والسلطة السورية، وبيّنت أنّ فشل مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية قد بدأ في مخرجات مؤتمر النصر 29 يناير، وما بُني على أرضيته من مؤسسات سياسية وتشريعية، أخذت طابعا طائفيا وقوميا من لون واحد وإقصائياً، خاصة في الاعلان الدستوري و تشكيل الحكومة الانتقالية ومؤسسات الدولة الجديدة الأمنية والعسكرية وفي إدارة المحافظات السورية، كما بيّنت أنّه من الأسباب الرئيسية التي دفعت القيادة السياسية للذهاب على مسارات الإقصاء هو فشل المفاوضات بين أحمد الشرع بواقع كونه رئيس السلطة المؤقّتة وبين مظلوم عبدي، قائد قسد، ورئيس “إقليم شمال وشرق سوريا”، وأنّ سبب الفشل هو إصرار مظلوم عبدي على التمسّك بشروط غير قابلة للتحقيق من منظور السلطة الجديدة لانّ تنفيذها يشرعن وجود سلطتين سورتين متناقضتين، منفصلتين ومتصارعتين على السلطة والشرعية السورية ويفتح أبواب قيام كيانات انفصالية في الساحل والسويداء.
[2]– في 17 تشرين الثاني، الإثنين، وفي حديثه إلى “الأخبار”، يكشف مدير: المرصد السوري لحقوق الإنسان” رامي عبد الرحمن، أبرز المصادر الإعلامية الداعمة لأجندات تحشيد العلويين طائفيّا كأداة لتحقيق “اللامركزية السياسية” القسدي، أنّ “نحو أربعة آلاف مقاتل من الجيش السابق انضموا إلى “قوات سوريا الديمقراطية”، وأن “حالات مشابهة، وإن بأعداد محدودة لا تزيد عن العشرات، ظهرت في السويداء”، كما ادّعى المرصد، يوم الأربعاء السابق، بأن رجل الأعمال، رامي مخلوف، أوقف فجأة “كل أشكال الدعم المالي للعسكريين والأمنيين والإعلاميين العلويين المقرّبين منه، سواء داخل سوريا، أو الفارّين إلى لبنان”!
[3]– بعد مزيد من التحقيق حول جريمة تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق الذي وقع يوم الأحد 22 حزيران 2025، وادّعى المسؤولية عنه انتحاري تابع لتنظيم “الدولة الإسلامية”، كشفت وزارة الداخلية أنّ منفذ الهجوم على الكنيسة، والعنصر الذي حاول استهداف ضريح السيدة زينب، كانا معتقلين سابقاً في مخيم الهول شمال شرق سوريا. لكنّ رواية القيادة السياسية أصرّت على تحميل “فلول النظام السابق” المسؤولية، حرصاً على عدم تفاقم “التوت” مع قسد!
ليس خارج السياق، تمّ تجاهل الشهادات الإعلامية التي قدّمها الشيخين سليمان عبد الباقي وليث البلعوث حول أشكال تورّط قسد المؤكّدة في معارك “فلول النظام” ضد مؤسسات الدولة الجديدة!!
وقد أكّد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، الثلاثاء، أن الخلية التي تقف وراء تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بالعاصمة دمشق، تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي، ولا تمت بأي صلة لأي جهة دعوية… “وأنّ” أفراد الخلية الإرهابية قدِموا من مخيم الهول”.