سوق الإنتاج في حلب… عودة شريانٍ اقتصاديّ إلى النبض من جديد
لم تكن عودة سوق الإنتاج في حلب حدثاً عادياً، ولا مناسبة عابرة يمكن المرور عليها سريعاً. فهذا السوق، الذي تأسس عام 1958 إبّان مرحلة الوحدة السورية المصرية، حمل على مدى عقود معنى يتجاوز كونه مجرد مساحة للعرض أو البيع. كان تاريخياً نقطة التقاء لواجهات الصناعة المحلية، ومنصة لأعرق الحرف اليدوية التي صنعت هوية المدينة وذاكرتها الاقتصادية. من أجنحة الصابون الحلبي الشهير، إلى السجاد اليدوي، إلى الحِرَف الخشبية والمعدنية التي طالما شكّلت بصمة صناع حلب وحرفييها.
هكذا بدأ السوق قبل أكثر من ستة عقود: أكشاك بسيطة تحوّلت تدريجياً إلى مركز دائم للمعارض ومتنفّس للصناعيين والتجار. ومع الزمن أصبح “سوق الإنتاج” اسماً مرتبطاً بحلب كما يُرتبط القلب بالجسد؛ لا ينفصل عنه ولا يُستبدل بسهولة.
لكن هذا الشريان، الذي ظلّ ينبض طوال سنوات طويلة، تعرّض لواحدة من أقسى محطاته خلال سنوات الثورة. إذ انتقل السوق إلى ما يشبه الغياب القسري، حين وضعته السلطة السابقة تحت إشراف الأمانة السورية للتنمية برئاسة أسماء الأسد، وأخرجته من وظيفته الإنتاجية الأساسية، محوّلةً أجزاءه إلى مقار لجمعيات النظام البائد. وبدلاً من أن تكون أجنحته محطات لإطلاق منتجات أهل حلب، صار بعضها غرفاً مغلقة شهدت عمليات فرز وسرقة وإفراغ لمواد كانت مخصّصة للناس، فتحوّل المكان من ساحة للإبداع إلى مستودع للمنهوبات.
كان ذلك المشهد صادماً بالنسبة لمدينةٍ اعتادت أن تحيا بالإنتاج. فحلب، التي لم تعرف في تاريخها الطويل سوى النهوض رغم كل ما مرّ عليها، بدت حينها كما لو أنّ جزءاً من روحها يُنتزع منها. لكن كما هي دائماً، لم تنكسر. فما إن وضعت الحرب أوزارها عن أجزاء المدينة، حتى بدأت خطوات جادة لاستعادة كل ما فُقد، بدءاً من هذا السوق الذي لم يكن مجرد مبنى، بل ذاكرة اقتصادية وثقافية لا يمكن الاستغناء عنها.
ومع التحرير، بدأت رحلة إعادة الإحياء. سارعت الحكومة السورية ومحافظة حلب إلى إطلاق مشروع واسع لإعادة تأهيل السوق، ليس فقط بترميم ما تهدّم، بل بإعادة بناء دوره الإنتاجي من جديد. فتمّ ترميم 60 محلاً قديماً وإعادتها إلى تصميمها الأصلي، مع استحداث 120 محلاً جديداً يتيح للصناعيين والحرفيين مساحة أكبر للعرض والإنتاج. كما خضعت البنية التحتية كاملة للتحديث، من الكهرباء إلى الأرضيات والخدمات اللوجستية، بحيث يعود السوق مركزاً حقيقياً للمعارض التجارية والصناعية كما كان يوماً، بل بشكل أكثر حداثة ومرونة.
اليوم، يقف هذا السوق على قدميه مرة أخرى، شاهداً على عودة المدينة إلى مكانها الطبيعي كعاصمة للصناعة السورية. وفي اللحظة التي فُتحت فيها أبوابه من جديد لاستقبال أول معرض بعد إعادة التأهيل، كانت الرسالة أوضح من أن تُفهم بتأويلات: حلب تعود، والإنتاج يعود معها.
المعرض الأول الذي انطلق بعد الافتتاح الجديد لم يكن احتفالاً شكلياً. فقد شارك فيه صناعيون وحرفيون وتجار من مختلف القطاعات، إضافة إلى أكثر من 150 شركة عرضت منتجاتها في مجالات متنوعة تشمل:
- الصناعات الغذائية
- الصناعات النسيجية
- الصناعات الهندسية
- الصناعات الكيميائية
هذا التنوع لم يكن مجرد تنسيق تنظيمي، بل هو انعكاس حقيقي لطبيعة هوية المدينة الصناعية. فحلب لطالما كانت مدينة متعددة الحرف، ذات سوق يعمل في كل الاتجاهات، بطاقات بشرية وخبرات تراكمية جعلتها في مقدمة الاقتصاد السوري لعقود طويلة.
إن إطلاق هذا المعرض في سوق الإنتاج، بعد إعادة بنائه، يحمل دلالة اقتصادية واجتماعية عميقة. إذ يشكّل إعلاناً واضحاً بأن عجلة الإنتاج التي توقفت أو تباطأت في سنوات الحرب، تعود اليوم للدوران بثقة. وأن المدينة التي استُهدفت في هويتها وبُنيتها، تستعيد الآن قدرتها على النهوض بفضل أهلها وصناعها وحرفييها.
الأهم من ذلك أنّ هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا تعاون مختلف الجهات من مؤسسات حكومية ومحلية، إلى جانب شريحة كبيرة من أهالي المدينة الذين دعموا فكرة إحياء السوق وإعادته إلى مكانته المستحقة. فالعمل الجماعي الذي رافق المشروع لم يكن جهداً تقنياً فقط، بل كان عملاً يحمل معنى المشاركة في إعادة بناء المدينة، وإعادة الاعتبار لواحدة من أبرز بواباتها الاقتصادية.
وفي الكلمات التي ألقيت خلال الحفل الافتتاحي، كان التركيز واضحاً على أن محافظة حلب ملتزمة بدعم الصناعة المحلية، وأن السوق الجديد يشكل جزءاً من خطة أوسع لإعادة بث الروح في مختلف المنشآت الاقتصادية. فالرهان اليوم لا يقتصر على عرض المنتجات فقط، بل يشمل خلق فرص عمل، ودعم الاكتفاء المحلي، وفتح أبواب جديدة للتصدير، وإعادة الثقة للبيئة التجارية التي تعد أساساً في دورة تعافي أي مدينة ضربتها الحرب.
وحين يقال اليوم إن “سوق الإنتاج يعود”، فإن العبارة لا تشير إلى مبنى من الحجر، بل إلى ذاكرة تمتد لعشرات السنين، إلى قصص الصناعيين الذين بدؤوا من ورش صغيرة ثم أصبحت منتجاتهم تُصدّر خارج البلاد، إلى الحرفيين الذين ورثوا المهنة أباً عن جد، وإلى آلاف العائلات التي كانت تعتمد في رزقها على هذه المساحة الحيوية من قلب المدينة.
حلب، التي قاومت كل محاولات إطفاء نورها، تثبت مرة أخرى أنها قادرة على استعادة ما فُقد، بل وتقديم نموذج في قدرة المجتمعات على إعادة بناء ذواتها حين تتوفر الإرادة والرؤية. وسوق الإنتاج اليوم ليس مجرد مشروع عمراني، بل شهادة على أن المدينة التي احترقت مراراً، تعود لتقف شامخة بين أهلها بصناعتها وتاريخها وثقتها بمستقبلها.
ومع اكتمال أعمال الترميم وانطلاق الفعاليات الجديدة، يعود السوق ليكون منصة للابتكار والإبداع، وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الحلبي. ومعه، تستعيد المدينة جزءاً عزيزاً من ملامحها التي طالما شكّلت مصدر فخر لأهلها.
لقد عاد سوق الإنتاج.. ومعه تعود هوية حلب الاقتصادية إلى الواجهة، أكثر رسوخاً وإشراقاً من أي وقت مضى.