
الإعلام الحكومي السوري، وقضايا الصراع على سوريا
يشكّل الخطف الحقيقي أو “التمثيلي” الذي يستهدف النساء والأطفال أخطر أشكال الجرائم السياسية تأثيراً على الرأي العام، ويشكّل مادّة تحريض سياسي وتجييش طائفي على درجة عالية من الخطورة، ومن الطبيعي أن تتصدّر قصصه صفحات وأبواق التحريض السياسي والتجييش الطائفي (بما فيها جهود مجموعات من النخب السياسية والثقافية المعارضة للسلطة، تؤدّي أدوار مشهد “التعاطف” مع معاناة الضحايا ضد “تقصير” أجهزة الدولة!)، فكيف نفسّر تكفّل إحدى حلقات “الطاولة” التابعة “للإخبارية السورية” بتأكيد الاتهام ضد طرف واحد، عندما تُغيَّب الدوافع السياسية لحالات خطف النساء العلويات، وتُوصَّف “بالسبي”، ويربطها أحد ضيوفها بثقافة المجموعات الجهادية الموجودة في إدلب!؟
إذا كان من الطبيعي أن يُغيّب المتورّطون في صناعة ثقافة التحريض السياسي والتجييش الطائفي، في وسائل الإعلام المرتبطة بمشروع قوى التقسيم ومعارضات السلطة وفي بعض قواعدها الطائفية ووسائلها الإعلامية، الطبيعة السياسية للجرائم التي تستهدف أبناء الطائفة العلوية وعناصر أجهزة الدولة، فكيف نفسّر تجاهلها من قبل أهمّ وسائل الإعلام الحكومية، التي يُفترض أنّها تمثّل سياسات الدولة الجديدة، وتعبّر عن مصالح السوريين الوطنية المشتركة؟
لنتابع إحدى حكايات المأساة السورية:
أوّلاً: الحقيقة المركزية حول الصراع الرئيسي على سوريا في حقبة ما بعد إسقاط سلطة الأسد هي أنّ الصراع السياسي الرئيسي يقوم بين السلطتين اللتين باتتا تسيطران على سوريا الجديدة: سلطة دمشق السورية، وسلطة “قامشلو” الانفصالية!
هي الحقيقة التي تواطأت جميع وسائل صناعة الرأي العام السوري، الحكومية والمعارضة، في تغييب طبيعتها وعواقبها على السلم الأهلي والأمن القومي السوري، في صراعات مصالح وسياسات السلطتين، خاصة حول الشرعية السورية، وشكل النظام السياسي، ومصير الكيان الجيوسياسي السوري!!
في قلب هذا السياق العام للصراع، تشهد مدن وبلدات “الريف العلوي” سلسلة من جرائم الخطف هزّت الرأي العام السوري وعمّقت من تمظهرات الصراع الطائفية، ووصلت ارتداداتها إلى أروقة “الأمم المتحدة”[1].
في كلّ جريمة خطف أو قتل واغتصاب، حقيقية أو مفبركة، تقوم الصفحات والأبواق والتيارات المرتبطة بمشروع التقسيم القَسَدي والمعارضة للسلطة الجديدة بنشر الأخبار وتحويل الحدث إلى قضية رأي عام، موجّهة أصابع الاتهام بالمسؤولية المباشرة لطرف واحد قبل مباشرة التحقيقات، وتكشّف الملابسات، وظهور الأدلّة، فتنحصر الاتهامات السياسية بالسلطة الانتقالية و”جمهورها الطائفي – التكفيري”، ويساهم في إعطاء المصداقية لما تدّعيه تقصير أو عجز تحقيقات الأجهزة الأمنية عن كشف اليد الخفية، ومساهمة وسائل الإعلام الحكومية السورية (خاصة برنامج “فوق الطاولة”) في عدم كشف حقيقة الأهداف والدوافع التي تدلّل على تورّط قسد، رغم وضوح حقيقة أنّ أعداء السلطة في قوى مشروع التقسيم هم المستفيدون من تجيير عواقب الجرائم سياسياً، وتحويلها إلى ماكينة تحريض سياسي وتجييش طائفي، لتصبح النتيجة تعزيز مشاعر الصراع الطائفي لدى الرأي العام الشعبي، العلوي والسني، وتغييب المسؤولية الحقيقية!
ثانياً: منذ مطلع يناير، وفي مسارات الصراع على شكل النظام السياسي ومصير الكيان الجيوسياسي السوري التي تحوّل الساحل السوري والسويداء إلى ساحات معاركها الرئيسية، الهجومية والدفاعية، تكاملت ثلاثة عوامل في تغييب طابع الصراع السياسي، وتعزيز تمظهراته الطائفية – على حساب مصالح العلويين والدروز، وشروط تقدّم مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، الساعية إلى إعادة توحيد الشعب والجغرافيا والسلطة في سياقات بناء مؤسسات الدولة السورية، وعلى قاعدة المواطنة المتساوية والقانون العادل، وفقاً لأفكار المشروع السياسي الشامل الذي قدّمه رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع.
1- من جهة أولى، تجاهل (عن وعي أو من دونه، والنتيجة واحدة!) وسائل الإعلام الحكومية وأجهزة السلطة الأمنية للوقائع والدلائل التي يمكن أن تكشف إمكانية أن يقف خلف الهجمات التي تستهدف مواقع وعناصر أجهزة الدولة الجديدة، بما فيها هجمات “آذار الأسود”، شبكات “فلول” مرتبطة مباشرة بقسد وأجنداتها السياسية (في ضوء وقائع “خروج بشار وماهر الأسد بتوافقات دولية من حلبة الصراع على سوريا والساحل السوري”، وكون قسد العدو الرئيسي للسلطة الجديدة، والساعية إلى تفشيلها بجميع الوسائل لصالح مشروع كيانات “لامركزية” انفصالية)، وكان حرصها على حصر مسؤولية الهجمات والجرائم “بفلول الأسد” يؤدّي إلى ربطها لدى رأي عام شعبي “سني” واسع بشكل مباشر بالعلويين، بما يضع “الطائفة” في دائرة الاتهام المباشر، ويغذّي لغة ومشاعر الحقد والتجييش الطائفي لدى شرائح اجتماعية “سنّية”، وصلت إلى درجة تعالي أصوات الانتقام والشتائم الطائفية في الساحات والشوارع – كما حصل في الحي اللاذقاني، ويحصل طوال أشهر على صفحات التواصل الاجتماعي – بما يتعارض مع مبادئ السياسات الوطنية التي تضمّنتها وأكّدت عليها أفكار خطب وتصريحات الرئيس أحمد الشرع منذ اليوم التالي لسقوط سلطة الأسد.
2- من جهة ثانية، وفي السياق نفسه، تعمل جميع وسائل صناعة الرأي العام السوري عموماً، والعلوي خصوصاً، المرتبطة بمشروع التقسيم القَسَدي (كانتونات لامركزية سياسية – طائفية) على تجاهل الطبيعة السياسية لما يُرتكب من جرائم خطف وقتل طائفية (حقيقية أو مفبركة) ضد العلويين، وربطها مباشرة بجمهور المتطرفين الجهاديين داخل أجهزة السلطة وفي قواعدها الشعبية، بما يعزز مشاعر الحقد الطائفي لدى غالبية الرأي العام العلوي، ويؤكّد أفكار دعايات استهداف العلويين لدوافع طائفية!
3- من جهة ثالثة، كان من الطبيعي أن يفاقم تمظهرات الصراع الطائفية لدى الرأي العام السوري بشكل عام، والعلوي بشكل خاص، وقوف نخب المعارضات السياسية والثقافية المتجددة، وفي مقدّمتها “النخب العلوية”، ضد السلطة وتكفيرها، وتغييب طبيعة أدوار قسد ومسؤوليتها، وبالتالي تجاهل طبيعة الصراع السياسي.
ثالثاً: لتبقى التساؤلات المشروعة برسم أجهزة السلطة الأمنية والإعلامية، خاصة برنامج الدكتور معاذ محارب الذي يساهم بدور رئيسي في تجاهل طبيعة الصراع السياسي، وما تضعه من مسؤوليات على قيادة قسد لكونها صاحبة المصلحة الأولى في تفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية عبر إغراق السوريين في معارك طائفية:
ألا يُعزَّز بهذه الثقافة السياسية التي يُصنَّعها ويُروَّج لها – وتتجاهل طبيعة الصراع السياسي، خاصة أهداف مشروع قسد وما يستخدمه في الصراع من أدوات – الطابعُ الطائفي للصراع؟
هل هي مسؤوليات فردية، أم للسلطة الجديدة مصلحة في تعزيز تمظهرات الصراع الطائفية؟
ألا تتناقض هذه السياسات مع مصالح السوريين الوطنية المشتركة، وتضع أجهزة السلطة وقيادتها في خانة الاتهام، وتعزز دعايات النخب السياسية والثقافية المعارضة، خاصة المرتبطة بقوى مشروع التقسيم؟
أليس من واجب القائمين على صناعة الرأي العام السوري في مؤسسات الدولة الأمنية والإعلامية معرفة وتوضيح طبيعة الصراع على سوريا، وانعكاساته على الساحل، خاصة مخاطر سعي قوى مشروع التقسيم لتحشيد العلويين طائفياً ضد السلطة، وتحشيد رأي عام سني مضاد، بما يؤشّر إلى إمكانيات أن تكون معظم حالات “الخطف” التي يتمّ فبركتها أو الحقيقية جرائمَ سياسية تستهدف بشكل خاص “نساء” من الطائفة العلوية لدوافع التحريض السياسي والتجييش الطائفي؟
أفلام “الخطف السياسي” باتت مكشوفة الدوافع، لكنّ وسائل الإعلام ما تزال تخفي طبيعة هوية المستفيد والمموّل، وما زالت حقائق الصراع السياسي تؤشّر إلى تورّط أذرع قسد، وأرجو أن تنكشف الأوراق قريباً![2].
[1]– نقلاً عن التلفزيون العربي، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، باولو سيرجيو بينيرو، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:
– “موجة العنف المتجددة تهدد التفاؤل الذي أعقب سقوط الحكومة السابقة.”
– “الخطوات الأولى نحو العدالة مشجّعة، لكن الانتهاكات المستمرة قد تُعيد البلاد إلى دوامة الصراع.”
– “أحثّ السلطات المؤقتة والدول الأعضاء على معالجة الأسباب الجذرية للعنف، وليس فقط أعراضه.”
– “تلقّينا تقارير مقلقة عن عمليات إعدام ميدانية وتعذيب وتهجير قسري بحق مدنيين علويين.”
– “الأحداث في اللاذقية وطرطوس وحماة في آذار أسفرت عن مقتل نحو 1400 مدني، بعضها على يد قوات حكومية مؤقتة.”
– “غياب المحاسبة وانتشار خطاب الكراهية يزيدان من خطر تصعيد أكبر.”
– “النساء والفتيات يواجهن أخطاراً متزايدة من العنف الجنسي والاختطاف والزواج القسري.”
[2]– لتغييب حقيقة ووقائع مسؤولية سلطة قسد، تروّج بعض نخب المعارضات السياسية لوجود “سلطة ثالثة”، منفصلة عن السلطة الجديدة، موجودة في “إدلب”، ويقودها جهاديون معادون لسلطة دمشق، وتمارس كلّ أشكال الجرائم الطائفية لحسابها الخاص!!