تعيين الرئيس الشرع لثلث أعضاء مجلس الشعب وأهميته في ملامح المرحلة الانتقالية

0

تُعد خطوة الرئيس أحمد الشرع بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب واحدة من أكثر القرارات حساسية وأهمية في مسار المرحلة الانتقالية، إذ ستعكس هذه التعيينات ملامح النظام السياسي الجديد ورؤيته لبناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع. فاختيار الشخصيات التي ستشغل المقاعد المعينة لا يتعلق فقط بالوجوه، بل بالاتجاه الذي ستسلكه البلاد نحو دولة مدنية حديثة، أو بالعكس، نحو إعادة إنتاج النمط القديم بوسائل جديدة.

من المرجح، وفق مؤشرات المرحلة وخطابات الرئيس، أن يتجه التعيين نحو مزيج متوازن من ثلاث فئات رئيسية تمثل ركائز المرحلة القادمة: الكفاءات التكنوقراطية، النساء والشباب، وممثلي الأحزاب والتيارات ومنظمات المجتمع المدني.

أولاً: التكنوقراط – عقلانية الإدارة ورؤية الدولة الحديثة

يُعد إشراك التكنوقراط (أصحاب الاختصاص والخبرة الإدارية والعلمية) في تركيبة المجلس ضرورة لا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة الحساسة. فالبلاد الخارجة من أزمات سياسية واقتصادية تحتاج إلى قرارات تستند إلى العلم والمنهج لا إلى العاطفة والشعبوية. وجود هذه الفئة داخل المجلس سيُسهم في إعادة بناء المؤسسات العامة على أسس مهنية، وسيدعم ملفات محورية مثل إصلاح التعليم والإدارة العامة، وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

هؤلاء يشكلون العصب الإداري للدولة الجديدة، ويضمنون انتقال العمل التشريعي من منطق الولاء السياسي إلى منطق الكفاءة، ما يُكسب المجلس طابعاً عقلانياً وقدرة على إنتاج سياسات واقعية قابلة للتطبيق.

ثانياً: النساء والشباب – رمزية التغيير وبذرة المستقبل

إن إدخال النساء والشباب إلى مجلس الشعب لا يحمل بعداً تمثيلياً فحسب، بل هو رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن الدولة الجديدة تريد كسر أنماط الإقصاء القديمة وإتاحة المجال أمام فئات طالما همّشتها الأنظمة السابقة.

التمثيل النسائي بنسبة لا تقل عن 10% سيكون خطوة رمزية مؤثرة، تعبّر عن توجه الدولة نحو الانفتاح والمساواة، خصوصاً في ظل الدور المتنامي للمرأة في المجتمع والتعليم وسوق العمل.

أما الشباب، فإن إشراكهم يعني ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، وإدخال طاقات قادرة على التفكير خارج القوالب التقليدية. فالشباب هم الفئة الأكثر تضرراً من الأزمات السابقة، والأكثر تطلعاً للتغيير والإصلاح. وجودهم يمنح المجلس شرعية مستقبلية ويعزز التواصل مع الشارع.

ثالثاً: ممثلو الأحزاب والتيارات والمجتمع المدني – الجسر بين الدولة والمجتمع

هذه الفئة تُعتبر الأكثر حساسية من الناحية السياسية، لأنها تحدد ما إذا كان المجلس سيكون صوت المجتمع أم مجرد امتداد للسلطة التنفيذية.

إشراك ممثلين عن الأحزاب، التيارات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني يعني أن المرحلة الانتقالية تتجه لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة والتعددية لا على الإقصاء. فالمجتمع المدني هو الذي يعبّر عن نبض الشارع، وعن القضايا اليومية للمواطنين، ووجوده داخل المجلس يمنع تحوله إلى مؤسسة بيروقراطية معزولة.

كما أن هذه الخطوة ترسل رسالة طمأنة للشارع بأن السلطة لم تعد حكراً على فئة محددة، وأن المشاركة أصبحت ممكنة في صنع القرار، وهو ما يعزز الثقة العامة ويعيد اللحمة الوطنية.

الخلاصة: معادلة دقيقة بين الكفاءة والشرعية

نجاح الرئيس أحمد الشرع في تحقيق توازن بين هذه الفئات الثلاث سيحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة القادمة. فإذا تمكن من الدمج بين الكفاءة والتمثيل الشعبي، فسيكون المجلس المقبل أكثر توازناً وشرعية من أي مجلس سابق، وسيساهم في ترسيخ أسس دولة مدنية حديثة قادرة على الاستمرار والاستجابة لتحديات المجتمع.

لكن في المقابل، إذا غلبت على التعيينات المحاصصة السياسية أو الولاءات القديمة، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج ذات التجارب التي أوصلت البلاد إلى أزماتها السابقة، ولكن بوجوه جديدة فقط.

وعليه، فإن اختبار المرحلة الانتقالية الحقيقي لن يكون في صياغة القوانين أو إعداد الدساتير فحسب، بل في كيفية اختيار من يشرّع ويمثل. فالمجلس الجديد هو مرآة النظام المقبل، وإذا نجح في أن يكون صوتاً حقيقياً للشعب، فسيكون خطوة راسخة على طريق بناء دولة العدالة والمواطنة. أما إذا فشل، فستبقى فكرة “الانتقال” مجرد شعار مؤقت لا يغيّر شيئاً في جوهر السلطة ولا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني