المجلس التشريعي في طريق الاستكمال الوطني

0

حين أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع عن نيّته تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب القادم حسب الإعلان الدستوري المؤقت، لم يكن الأمر مجرد تفصيل إداري أو إجراء مؤقت في سياق انتقالي، بل يمكن اعتباره خطوة مفصلية في رسم ملامح المرحلة القادمة من الدولة السورية الجديدة. إنها خطوة تعكس محاولة التوازن بين الشرعية الانتخابية (من خلال اللجان) والشرعية التأسيسية، بين سلطة الصندوق وإرادة الإصلاح، بين الواقعية السياسية والطموح إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها السوريون خلال نصف قرن من حكم الحزب الواحد الذي دمر البلاد.

أولاً: البعد السياسي للقرار

في التجارب الانتقالية عبر التاريخ، كان التعيين الجزئي في البرلمانات أداةً لضمان تمثيل القوى التي يصعب أن تصل إلى السلطة عبر الانتخابات التقليدية (الثورية)، إما لحداثة تجربتها السياسية أو لافتقارها إلى بنية حزبية قوية. من هنا، فإن تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب يُعدّ ضمانة توازن سياسي تمنع انزلاق المرحلة الانتقالية إلى استقطاب حاد أو فوضى حزبية غير ناضجة.

لكن الأهم من ذلك أن الخطوة تُظهر وعياً بأن الديمقراطية لا تُبنى بالانتخابات فقط، بل بالتأسيس لمجتمع سياسي متوازن، يمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة الخلاف لا مجرد التعبير عنه.

ثانياً: التكنوقراط والبعد الإداري للإصلاح

أتوقع أن تشهد هذه القائمة التعيينية حضوراً ملحوظاً لـ التكنوقراط، أي الكفاءات المتخصصة في الاقتصاد، القانون، الإدارة، والعلوم الاجتماعية. ذلك أن السيد الشرع، الذي يعرف بدقته البيروقراطية وميوله الإصلاحية، يدرك أن المرحلة الانتقالية ليست فقط سياسية، بل تنموية ومؤسساتية كما شهدنا ذلك بتجربة إدلب سابقاً.

وجود هؤلاء سيمنح المجلس العقل التنفيذي والإداري الذي تحتاجه الدولة في سنوات إعادة الإعمار وإصلاح الجهاز الحكومي، ويضمن ألا تتحول النقاشات البرلمانية إلى مجرد سجالات أيديولوجية فارغة.

ثالثاً: تمثيل النساء… من الحضور الرمزي إلى المشاركة الفاعلة

تخصيص 15% على الأقل من المقاعد للنساء لا ينبغي أن يُقرأ كمجرد استجابة لضغوط خطاب المساواة، بل كخطوة مدروسة لدمج الطاقة المجتمعية النسوية في عملية إعادة بناء الدولة. فالمرأة السورية كانت، ولا تزال، في الخطوط الأمامية للمجتمع: في التعليم، في الصحة، في الإغاثة، بل حتى في السياسة المحلية.

وإذا ما تم اختيار هذه النسبة من نساء فاعلات في المجتمع المدني أو خبيرات في الشأن العام، فستتحول النسبة من رمز تمثيلي إلى قيمة نوعية تضخ في الحياة التشريعية قدراً من الحس الاجتماعي والبعد الإنساني الذي افتقده القرار السياسي لعقود طويلة خلال حقبة نظام الأسد الساقط.

رابعاً: مشاركة الأحزاب والتيارات ومنظمات المجتمع المدني

أما البعد الثالث – وربما الأهم برأيي – فهو إشراك الأحزاب الجديدة التي كانت تعمل في صف الثورة السورية ومنظمات المجتمع المدني والأطر الأهلية. فالتعددية لا تولد من فراغ، بل تحتاج إلى رعاية سياسية واعية في بداياتها. ومن هنا تأتي أهمية أن تشمل قائمة التعيين ممثّلين عن تيارات فكرية مختلفة، يسارية وليبرالية وإسلامية معتدلة وقومية، إلى جانب شخصيات مدنية مستقلة ذات وزن اجتماعي.

ذلك من شأنه أن يرسخ ثقافة الحوار داخل المجلس، ويؤسس لمرحلة انتقال من الاستبداد إلى التعدد، لا من استبداد إلى فوضى.

خامساً: فلسفة “الثلث المعيَّن”

إذا كان ثلث المجلس معيناً، فإن ثلثيه منتخباً عبر لجان انتخابية لصعوبة مشاركة الشعب بأكمله في هذه العملية بسبب ظروف الحرب والنزوح التي ما زالت قائمة، وهو ما يعكس مبدأ المشاركة المتوازنة: سلطة ممثلي الشعب عبر الانتخاب، وسلطة الدولة عبر التعيين.

إن هذه المعادلة يمكن أن تخلق برلماناً هجيناً، لكنه غني بالتنوع ومحصن ضد الانحرافات الشعبوية أو التكتلات المصلحية. فالمجلس سيكون مرآةً للواقع السوري الجديد: واقع يسعى إلى التوافق لا إلى الغلبة، إلى البناء لا إلى الانتقام.

أرى أن خطوة السيد أحمد الشرع ليست مجرد إجراء لتوزيع المقاعد، بل تعبير عن رؤية سياسية أعمق، تسعى إلى تأسيس دولة عقلانية، حديثة، وممثِّلة لمجتمعها بكل أطيافه.

فإذا  أُحسن اختيار الأسماء، وإذا رُوعي التوازن بين الكفاءة والتمثيل، فإن مجلس الشعب القادم قد يتحول من مؤسسة شكلية إلى مختبرٍ لبناء العقد الاجتماعي السوري الجديد، الذي طال انتظاره.

وبين تكنوقراط المرحلة، ونساء الإصلاح، وممثلي المجتمع المدني، قد تبدأ ملامح سورية جديدة.. سوريا تتنفس السياسة لا القمع، وتبني التوافق لا الولاء.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني