الاختبار الأصعب: الانتخابات التشريعية السورية وتحديات الوعي الثوري

0

لم تكن الانتخابات النيابية الأخيرة في سورية مجرد استحقاق روتيني لتشكيل مجلس الشعب كما كانت عليه في عهد نظام الأسد الأب والابن، بل تحولت إلى محك حقيقي كشف عن تناقضات عميقة في الممارسة السياسية للمكونات التي انبثقت من الثورة، أو تلك التي تتبنى خطاباً إصلاحياً.

فبعيداً عن الطابع الشكلي للعملية الانتخابية برمتها في ظل ظروف استثنائية، فإن المشهد الذي تولد عنها داخل هذه المكونات يكشف عن أزمة نضج سياسي تهدد مصداقيتها ومستقبلها.

أبرز العيوب التي برزت كان “فيروس” التسابق على المقاعد، حيث تحول الهدف من دخول المعترك الانتخابي من مشروع سياسي أو إصلاحي إلى غاية شخصية ضيقة. لقد أصبح المجلس في نظر الكثيرين منصة للوجاهة الاجتماعية أو المكاسب المادية، أو بوابة للوصول إلى مراكز النفوذ، متجاوزين بذلك الهدف الجوهري لمجلس الشعب كسلطة تشريعية تراقب وتسن القوانين وتقود عملية التغيير. هذا الانزياح عن الدور الحقيقي للمجلس هو أول مكامن الخلل.

يرتبط بهذا الخلل، “مصيبة كبرى” أخرى تجسدت في طبيعة البرامج الانتخابية. فبدلاً من أن تكون برامج مرتكزة على رؤى تشريعية واضحة، أو خطط للإصلاح السياسي والقانوني، أو مشاريع لتعديل الدستور، انحدرت معظمها إلى مستوى وعود خدماتية بحتة. وعد المرشحون بشق الطرقات وتأمين مولدات الكهرباء وجلب المشاريع الخدمية، وكأنهم يترشحون لرئاسة مجالس بلدية وليس لمقعد في السلطة التشريعية. هذا اللبس المتعمد أو غير الواعي بين دور المجلس التشريعي والدور التنفيذي، ليس فقط يشوه وظيفة البرلمان، بل يغذي علاقات الزبائنية والولاءات الشخصية على حساب بناء دولة المؤسسات.

في خضم هذا التسابق الخدماتي، ضاع معيار “الأكفأ والأجدر”. لقد تراجعت الكفاءة والخبرة والتخصص إلى المرتبة الأخيرة، لتحل محلها الاعتبارات العائلية والمناطقية والطائفية، أو قوة الدعم المالي. والنتيجة هي برلمان يفتقر إلى الكوادر القادرة على صياغة تشريعات دقيقة ومعاصرة، أو ممارسة رقابة حقيقية على أداء الحكومة، ما يفاقم أزمة الحكم ويُبعد تحقيق أي إصلاح حقيقي.

ولا يمكن إغفال العيب البنيوي الصارخ المتمثل في ضعف تمثيل المرأة الذي بقي هامشياً ومحدوداً. في وقت تدعي فيه جميع الأطراف تبني خطاب الانفتاح، فإن إقصاء نصف المجتمع عن دائرة صنع القرار يشير إلى استمرار هيمنة العقلية الذكورية التقليدية، ويعيق إدماج منظور المرأة وحاجاتها في التشريعات، ما يحرم البلاد من طاقات هائلة كان يمكن أن تسهم في إعادة البناء.

في هذا السياق، تبرز فرصة حقيقية لتصحيح جزء من هذا الخلل من خلال الصلاحية الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية بتعيين ثلث أعضاء المجلس. إنها دعوة للسيد أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية، الذي سيتولى تسمية هؤلاء الأعضاء، ليكون مسؤولاً أمام التاريخ. عليه أن يستغل هذه الصلاحية لتعويض النقص الحاد في تمثيل المرأة، وليعطي الأولوية للكفاءات الوطنية المستقلة من القانونيين والسياسيين والاقتصاديين والأكاديميين والخبراء، ممن يجسدون المشروع الإصلاحي الحقيقي بعيداً عن ضجيج الوصوليات والوعود الخدماتية الجوفاء.

الانتخابات كشفت الداء، والتعيينات قد تكون جزءاً من الدواء. لكن الشفاء الحقيقي لن يتحقق إلا بوعي الناخب والمرشح معاً بأهمية الدور التشريعي، وبناء أحزاب سياسية فاعلة قائمة على البرامج لا على الأشخاص، وإعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والنزاهة كسبيل وحيد لعبور الأزمة وبناء مستقبل أفضل لسورية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني