
مجلسٌ في لحظةٍ مفصلية
مجلس الشعب الجديد لا يدخل ساحة التشريع بوصفه مؤسّسة بروتوكولية فحسب، بل باعتباره قنطرةً بين واقعٍ مثخن بالجراح وطموحٍ محفوفٍ بالمخاطر. فهو أول برلمان يُشكَّل بعد سقوط النظام البائد، ما يمنحه رمزية خاصة تتجاوز الشكل إلى المضمون، إذ إنّ دخوله الفعلي إلى العملية التشريعية سيُقيَّم على مقياسين متوازيين. أولاً، مدى استجابته العاجلة لآلام الناس وحاجاتهم اليومية، وثانياً مدى التزامه ببُنى دستورية وقانونية راسخة تُؤسس لاستقرار طويل الأمد. وهذه الحقيقة السياسية ليست مجرّد تنظير، بل ترتبط مباشرة بآلية اختيار الأعضاء وترتيب الصلاحيات داخل المجلس، الأمر الذي سيحدد ما إذا كان البرلمان الجديد سيُكرّس القطيعة مع ماضٍ استبدادي أم سيعيد إنتاجه بأشكال مغايرة.
ماذا ينتظرُ الناسُ فعلاً؟
المواطن البسيط لا يطالب بالخطابات البراقة، بل ينتظر نتائج ملموسة تعيد بعضاً من استقراره، فهو يريد عملاً يضمن لقمة العيش، وأماناً يوقف دوامة الخوف، وقوى سياسية منظمة قادرة على التفاوض والمساءلة. وفي ظل الواقع السوري الراهن، تبرز الأرقام القاسية لتؤكد حجم التحدي، إذ تكشف المؤشرات الرسمية وغير الرسمية عن نسب بطالة مرتفعة للغاية، فيما تتحدث التصريحات الوزارية نفسها عن تجاوزات كبيرة في معدلاتها. ومن هنا يصبح مطلب التشغيل ليس مجرد قضية اقتصادية عابرة، بل أولوية وطنية ملحّة لا تحتمل التأجيل، لأنها تمثل الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة بين المواطن والدولة.
قوانين الأحزاب: بناءٌ للشرعية أم إعادة إنتاج للهيمنة؟
القانون الخاص بالأحزاب ليس نصّاً إدارياً، بل هو الإطار الذي يحدّد من يشارك في صناعة القرار السياسي وكيف يُمثَّل المواطنون داخل السلطة. الإعلان الدستوري الأخير رسم مبدأً جوهرياً يمنع تأسيس أحزاب على أسس إقليمية أو طائفية، لكنه ترك للمجلس التشريعي مهمة صياغة التفاصيل في قانون واضح ومتكامل. وهنا تتبدّى الإشكالية: فغياب هذا القانون يشكل في الوقت نفسه فرصة ومخاطرة، فرصة لبناء مشهد حزبي حديث وفاعل، ومخاطرة لأن غياب الضوابط الشفافة قد يفتح الباب أمام أحزاب شكلية تخدم مصالح ضيقة وتعيد إنتاج الهيمنة.
ولكي يتجاوز التشريع هذه الهوة، يجب أن يتضمن قواعد عملية متينة تضمن تسجيل الأحزاب وفق معايير واضحة وعادلة، بحيث لا تتحول العملية الحزبية إلى مساحة محصورة لفئات محدودة أو منقادة لمصالح ضيقة، مع اشتراط شفافية كاملة في التمويل والتبرعات تخضع لرقابة مستقلة وموثوقة، والحرص على إقامة ديمقراطية داخلية حقيقية تتيح انتخابات حزبية ولوائح واضحة ومحاكم داخلية لحسم النزاعات. هذه المتطلبات هي شروط أساسية إذا أردنا مشهداً حزبياً يرسّخ الشرعية ويبني معارضة قادرة على التحول إلى شريك مسؤول في عملية إعادة بناء الدولة.
لماذا البرلمان هو اللاعب المحوري
ليس من الحكمة أن يتعامل البرلمان مع البطالة كرقم إحصائي فحسب، لأن النمو السياسي والاجتماعي لا يتأتى إلا من خلال خلق فرص عمل مستقرة وطويلة الأمد. فالدراسات المحلية تشير إلى وجود فائض كبير في القوى العاملة، ما يجعل من الضروري أن تكون البطالة محور أولويات الميزانية والسياسات الاقتصادية، سواء الصناعية أو الزراعية. ولتحقيق ذلك، يجب على البرلمان وضع برنامج وطني متكامل يركز على تشجيع المشاريع الصغيرة والريادية، واستثمار جهود إعادة الإعمار لتوظيف اليد العاملة المحلية، إضافةً إلى تحفيزات للاستثمار المحلي والخارجي مشروطاً بخلق فرص عمل، وتطبيق أنظمة حماية اجتماعية مؤقتة تضمن كرامة المتعطلين وتحافظ على توازن المجتمع.
كيف يحمي التشريع الحقوق دون تقييدها؟
يعد موضوع الإرهاب والأمن من أكثر القضايا تعقيداً، إذ يسعى المجتمع للحصول على حماية من العنف، لكنه يرفض في الوقت نفسه أن تتحول التشريعات إلى أدوات قمع سياسي. فقد أظهرت الدراسات المقارنة أن التعريفات الواسعة والمبهمة لـ«الإرهاب» تفتح الباب أمام الانتهاكات أوسع. لذلك، يقع على عاتق البرلمان مسؤولية صياغة تشريع لمكافحة الإرهاب يكون متوازناً ودقيقاً، يتضمن تعريفات محددة، ويؤسس لآليات قضائية مستقلة، ويشمل برامج لدمج الأفراد الذين أفرج عنهم من السجون المرتبطة بالعنف، مع اعتماد إجراءات تعاون إقليمي واضحة تحمي سيادة القانون وتضمن الحقوق الأساسية. وتوفر المراجع الدولية والقانونية نماذج عملية لكيفية التوفيق بين مكافحة الإرهاب وحماية الحريات.
ما الذي يجب أن يثير القلق اليوم؟
إذا كان تركيب المجلس يتيح لجهة تنفيذية اختيار ثُلث الأعضاء، وإذا كانت صلاحياته محدودة أو غير مرتبطة بآليات مساءلة فعلية، فإن هذا لن يحوّل المجلس إلى منصة للإصلاح بل إلى ركنٍ تشريعي يُكسب مشروعيةَ شكلٍ فقط. انتقاص صلاحيات البرلمان أو تحييده عن ملفاتٍ مفصلية كالموازنة، الأمن، والقوانين الحزبية يجعل منه أداةً ليست إلا. لهذا السبب يجب أن تكون الأولوية الأولى للمجلس الجديد هي استعادة أدوات الرقابة والمساءلة.
ما الذي يطلبه الشعب من المجلس الجديد؟
ما يطلبه الشعب من المجلس الجديد هو أن يتحول من مجرد هيئة رسمية تمسك بالقلم، إلى مؤسسة تملك رؤية وطنية واضحة وخطة تنفيذية عملية. عليه أن يجعل من قانون الأحزاب أداة للتمثيل الحقيقي لا مكاناً للانغلاق، ومن قانون مكافحة البطالة خارطة طريق لاقتصاد يوفر فرص عمل ويحمي كرامة المواطنين، ومن تشريعات مكافحة الإرهاب وسيلة لحماية الناس دون المساس بحقوقهم الأساسية. في النهاية، الأمل الذي ينتظره المواطن لا يقاس بالشعارات، بل بالأفعال اليومية التي تمس حياة الناس: عمل، أمان، ومساءلة واضحة، وهذه هي القواعد الحقيقية لسيادة تستحق أن تُسمى كذلك.