زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن: تحوّل استراتيجي أم مناورة دبلوماسية؟
في تطور مفاجئ وغير مسبوق في تاريخ العلاقات السورية-الأمريكية، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من أربعة عقود. هذه الزيارة، التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول تحولات محتملة في السياسة الخارجية السورية، وتداعيات محتملة على المشهد الداخلي للجمهورية العربية السورية.
أولاً: البُعد الجيوسياسي للزيارة
منذ قيام الثورة السورية وما تبعها من تعقيدات سياسية وأمنية، دخلت سورية في حالة من العزلة الغربية، وخصوصاً من قبل الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات صارمة على النظام السوري (نظام بشار الأسد)، واعتبرت الرئيس السابق جزءاً من الأزمة لا من الحل. وعليه، فإن هذه الزيارة «بما تتضمنه من لقاءات رفيعة المستوى في البيت الأبيض والكونغرس وخطاب في الأمم المتحدة» تشير إلى وجود تغير في المزاج السياسي الدولي تجاه دمشق، ربما تدفعه الحاجة إلى إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات في الخليج، وملف الطاقة، وعودة التنظيمات المسلحة في بعض المناطق والتصعيد الإسرائيلي بقصف المناطق السورية خاصة جنوب دمشق.
من الناحية الأمريكية، قد تنبع هذه المبادرة من إدراك بأن تجاهل دمشق لم يعد خياراً واقعياً، خاصة في ظل تعقّد الملفات الإقليمية مثل الوضع في لبنان، النفوذ الإيراني الذي تحاول إيران استعادته، وملف اللاجئين الذي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية التحرك بخصوصه. وبالتالي، فإن واشنطن قد تسعى إلى “احتواء مرن” لسورية الجديدة عبر الحوار، بدلاً من سياسة العزلة والمواجهة التي اتبعتها كاستراتيجية واضحة خلال العقد الماضي ضد نظام بشار الأسد.
ثانياً: انعكاسات الزيارة على السياسة الخارجية السورية
سياسياً، تشكّل الزيارة انفتاحاً واضحاً في السياسة الخارجية السورية، التي لطالما اتخذت محور المقاومة والتقارب مع موسكو وطهران كأركان رئيسية لتحالفاتها زمن حكم حزب البعث العربي الاشتراكي. لكن زيارة الشرع (الرئيس الجديد) إلى واشنطن تشير إلى رغبة {أو على الأقل استعداد} لتوسيع هامش الحركة السياسية باتجاه الغرب، وربما الموازنة بين المحاور الدولية بدل الاعتماد الكلي على محور واحد كما كان سابقاً في عهد حكم عائلة الأسد.
وفي حال تمخضت الزيارة عن تفاهمات أمنية أو اقتصادية، فإن ذلك قد يؤسس لمرحلة جديدة من البراغماتية السياسية السورية، تعتمد المصالح لا الشعارات، والتعددية في العلاقات الدولية لا التبعية.
لكن في المقابل، فإن هذا التحول محفوف بالمخاطر، خصوصاً أن أي تراجع عن التوازن بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قد يُنظر إليه داخلياً وخارجياً كتنازل، ما لم يتم تقديمه في إطار استراتيجية وطنية واضحة تستند إلى المصالح الوطنية لا إلى الإملاءات الخارجية.
ثالثاً: التأثيرات الداخلية للزيارة
أما على الصعيد الداخلي، فإن زيارة الرئيس أحمد الشرع قد تُستخدم كأداة سياسية لإعادة تموضع النظام السياسي الجديد داخلياً، وتقديم نفسه كقيادة منفتحة على الحوار الدولي، قادرة على إعادة سورية إلى موقعها الإقليمي والدولي. وقد تمنح هذه الخطوة دفعة سياسية للرئيس أمام الرأي العام السوري، خصوصاً في ظل التدهور الاقتصادي، وتزايد الضغط الشعبي من أجل تحسين الأوضاع المعيشية، وإنهاء عزلة البلاد.
غير أن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما إذا كانت الزيارة ستُترجم فعلياً إلى نتائج ملموسة، مثل إزالة العقوبات بشكل عملي فعلي أسرع، أو إطلاق مشاريع استثمارية، أو فتح قنوات مالية مع المؤسسات الدولية وضم سورية لنظام سويفت العالمي. فبدون نتائج عملية، قد تتحول الزيارة إلى مجرد ورقة دعائية لا أكثر.
أرى أنه رغم أهمية زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن من الناحية الرمزية، إلا أن دلالاتها السياسية العميقة تكمن في قدرتها على كسر الجمود الذي ساد المشهد السوري لعقود. إنها لحظة اختبار للنظام السوري الجديد: إما أن يستغلها للانفتاح الحقيقي على العالم وتحديث بنيته السياسية (الداخلية والخارجية) والاقتصادية، أو أن يكتفي باستثمارها في كسب شرعيته خارجياً دون أي اهتمام داخلياً.
في نهاية المطاف، تبقى السياسة فنّ الممكن. وسورية اليوم تقف أمام مفترق طرق حساس. إما أن تدخل فعلياً في مرحلة إعادة بناء الدولة والعلاقات الدولية على أسس جديدة، أو أن تظل رهينة التحالفات الضيقة والسياسات القديمة التي لم تَجلب سوى الدمار والعزلة.
الخير لسورية الوطن والشعب