التفاهة بوصفها أيديولوجيا… صناعة الرداءة العربية من المنابر إلى المنصات

0

يقول آلان دونو في كتابه عصر التفاهة إن العالم صار يُدار اليوم بمنطق “المتوسط”: لا عباقرة ولا مبدعين ولا حتى حمقى كبار، بل مجرد كائنات رمادية تمسك زمام الأمور. الرجل كان يتحدث عن الغرب، عن الديمقراطيات التي تحوّلت إلى كارتلات بيروقراطية تُقصي كل استثناء. لكن لو مدّ رأسه قليلاً نحو منطقتنا، لابتسم ابتسامة صفراء وكتب جزءاً ثانياً بعنوان: التفاهة العربية.. من الهواية إلى الاحتراف، ومن الاحتراف إلى البطولة، ومن البطولة إلى المجد القومي.

نحن لم نعد نمارس التفاهة كصدفة، بل صارت هي المشروع الوحيد الذي نجحنا فيه، دون خطط خمسية ولا عشرية، دون دراسات جدوى، وبكفاءة لا تُضاهى.

التفاهة السياسية: مسرح بلا نص

في السياسة، لم يعد مطلوباً من الحاكم أن يعرف أي شيء. لا اقتصاد، لا قانون، لا جغرافيا. يكفيه دفتر إملاء مليء بالألقاب: “الأب القائد، سيادة الزعيم، حامي الحمى، ملهم الجماهير”. بقية التفاصيل يتكفل بها الإعلام الرسمي: يحوّل كل تفاهة إلى معجزة. إذا عطس الرئيس، قالوا “فتحت السماء بركاتها”. إذا غاب عن خطاب، قالوا “الغياب حضور أعمق”.

أما الجمهور، فدوره أهم: أن يصفق بإخلاص. من يجرؤ على كسر الصفقة ويشير إلى عورة التفاهة، يُوسم بالخيانة أو العمالة. هكذا، تتحول التفاهة إلى دين مدني، يُمارس بحماسة لا تعرف الشك.

السياسة في العالم العربي ليست إدارة شؤون الناس، بل إدارة سيرك دائم. الزعيم فيه المهرج الأكبر، والجمهور أسرى التذاكر.

التفاهة الثقافية: حين صار “المؤثر” أهم من الفيلسوف

في الثقافة، المشهد أكثر كوميدية. لم يعد السؤال: “ما آخر كتاب مهم صدر؟” بل: “من آخر يوتيوبر قلب الترند وهو يأكل ساندويش شاورما أمام الكاميرا؟”. نجيب محفوظ، محمد الماغوط، الطاهر بن جلون، صاروا مجرد أسماء باهتة أمام نجم تيك توك يقرأ بيت شعر مسروق من هاتفه في أمسية، ويُصفّق له جمهور لا يعرف الفرق بين المتنبي و”متن بيج”.

الدراما أيضاً ضحية. بتمويل فاسد، تُنتج مسلسلات فارغة، وجوه بلا موهبة تُملأ بها الشاشات، وحبكات لا تختلف عن إعلانات المنظفات: سطحية، متكررة، بلا معنى. المشاهد العربي يُستهلك كما تُستهلك البطاطا المقلية: يُضحك للحظة ويصاب بتخمة الغباء بعدها.

التفاهة الرياضية: هزائم مغطاة بـ”إعادة الهيكلة”

الرياضة عندنا مثال حي على عبقرية التفاهة. إدارات الأندية تعد اللاعبين بملايين لا تأتي، وتبرر الفشل بـ”ضائقة مالية”. الجماهير تُلهب المدرجات بالصراخ، لا حباً في اللعبة، بل تعبيراً عن عصبيات سياسية أو طائفية.

المباريات تُدار كأنها معارك انتخابية، والحصيلة دائماً واحدة: خيبة جديدة مغلفة بكلمة “التحضير للموسم القادم”. كأننا في مسلسل مكسيكي لا يعرف النهاية.

التفاهة الدينية: الفتوى “دليفري”

حتى الدين، الذي كان يُفترض أن يكون الملاذ الأخير للمعنى، دخل مزاد التفاهة. الفتوى اختُصرت إلى فيديو قصير: دقيقة فيها نكتة، ابتسامة، وكلمة “حرام” أو “حلال” سريعة. خطبة الجمعة صارت إعلاناً تجارياً: كثير من المؤثرات الصوتية، قليل من الجوهر.

الواعظ الجديد أشبه بيوتيوبر أكثر منه فقيهاً: يقيس نجاحه بعدد المشاهدات، لا بمدى وصول رسالته. والناس يتلقون الدين كوجبة ماكدونالدز: سريعة، رخيصة، تُشبع اللحظة، ثم تتركك خاوياً بعد ساعة.

الناس: حراس التفاهة بإرادتهم

قد يظن البعض أن التفاهة مؤامرة تُفرض من فوق، لكن الحقيقة أن الناس أنفسهم صاروا شركاء. كل واحد أصبح موزعاً مجانياً لها: يشارك الفيديوهات، يضحك على التافه منها، يعيد تدويرها، ثم يجلس ليتساءل: “لماذا غرقنا في هذا القاع؟”.

الحقيقة أننا مثل من يغرق في مستنقع ثم يلوم المستنقع لأنه لزج. نحن من نُبقي رؤوسنا تحت الطين وننادي: “يا ليت الحياة أجمل”.

التفاهة كمنظومة شاملة

التفاهة لم تعد مرحلة، بل نظام حياة كامل:

  • في الحكم: التفاهة = شرعية.
  • في الثقافة: التفاهة = نجومية.
  • في الرياضة: التفاهة = بطولة.
  • في الدين: التفاهة = وسطية.
  • في الإعلام: التفاهة = موضوعية.
  • في الجامعات: التفاهة = طريق مختصر إلى الشهادات.

الطالب المجتهد يُتهم بأنه “يفلسف الأمور”، بينما المتملق والمتوسط يتخرج بمرتبة الشرف.

المشكلة ليست في وجود التافهين

التافهون موجودون منذ بداية التاريخ، لكن الخطر أنهم أصبحوا معيارنا، نماذجنا، “رموزنا”. نحن من أعطيناهم الميكروفون، وصوتنا لهم في الانتخابات، وصفقنا لهم في الحفلات، وشاركنا ترنداتهم. ثم جلسنا نبكي على أطلال المعنى.

الخاتمة: وباء نرتديه بفخر

عصر التفاهة ليس مجرد توصيف ساخر، إنه وباء اخترناه بإرادتنا، المشكلة أننا لم نعد نميز بين العادي والمبتذل، بين الضروري والهامشي، صار كل شيء مسطحاً، بلا عمق، بلا ذاكرة، بلا معنى.

والمأساة أننا تعودنا عليه حتى بتنا نراه طبيعياً، بل نجرؤ أن نطلق عليه اسماً بريئاً: “الحياة”.

لكن التفاهة ليست قدراً أبدياً، إنها مثل الكولسترول: حين تدرك أنه قاتل صامت، يمكن أن تبدأ العلاج، أما إذا بقيت تضحك وتتناول المزيد، فلا تلومن إلا نفسك حين تنفجر شرايينك الفكرية والأخلاقية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني