
نحو حل وطني ديمقراطي لأزمة السويداء
تصلح خارطة الطريق المعلنة، والتي تعبر عن موقف الدولة السورية والموقف العربي والإقليمي والدولي من أزمة السويداء، لتكون مدخلاً للحل الوطني، لكن الحل الوطني الديمقراطي لن يستقرّ ويرسّخ بدون استعادة التيار الوطني الديمقراطي في السويداء للمبادرة، وبروز المجتمع المدني المستقل بأُطُره الاجتماعية – السياسية التي تعبّر عن انتماء السويداء وهويتها السورية العربية والمصلحة العليا والعقلانية لدروز السويداء.
لقد مثل سابقاً سلطان باشا الأطرش مثل تلك العقلانية والرؤية السياسية، وظلت السويداء بعده تسير بغالبية نخبها وتوجهات الرأي العام فيها وفق ذلك النهج الوطني التحرري.
لقد قاد التيار الوطني الديمقراطي الحراك المجتمعي – السياسي في السويداء سنة ونصف السنة ضمن شعارات الثورة السورية، وشكّل شعلة أضاءت للسوريين طريق النهوض ثانيةً بعد أن انتكست الثورة السورية وساد الظلام واليأس في نهاية حكم الطغيان والفساد الأسدي.
وحتى الأمس القريب كان ذلك التيار الوطني سائداً في المجتمع داخل السويداء، لكنه وقع مؤخراً بين نارين منذ أحداث السويداء التي انتهت بمأساتها وجراحها، وهو جراح كل السوريين.
لقد اعترفت الدولة السورية بمسؤوليتها تجاه ما حصل من ارتكابات وجرائم، ووافقت على استقدام لجنة تحقيق دولية مستقلة لتقوم بتحقيق شامل ومستقل يظهر المسؤولين والمنفذين للمجازر وأعمال الحرق والسلب وسائر الانتهاكات، كما تعهّدت وفق نص خارطة الطريق بإعادة إعمار ما تهدّم والتعويض على المتضرّرين وفتح كل الطرق وتأمين الإغاثة والدعم المطلوبين.
لكن ذلك لا يكفي لوضع الحل الوطني لأزمة السويداء على السكة بصورة راسخة؛ فلا بد للتيار الوطني الديمقراطي وللمجتمع المدني في السويداء من استعادة صوته ونفوذه داخل المحافظة، صوت العقل والروح الوطنية، صوت نهج سلطان باشا الأطرش وليس أي نهج آخر يقود السويداء نحو المجهول ضمن أحلام لا أساس لها في الواقع وأطماع بإمارة تحتمي بأسوأ دولة في المنطقة وأسوأ حكومة يدينها العالم كله اليوم.
ومثل ذلك الخيار إنما يريد خلع السويداء عن تاريخها وهويتها وانتمائها وعن المصالح العليا للأخوة الدروز، ويصطدم بأية عقلانية سياسية واعية في متاجرة بدم الشهداء وآلام وجراحات السويداء التي هي آلام وجراحات كل السوريين.
هي لحظة تاريخية إذن، ورغم ما يمثّله وجود الميليشيات المسلحة وتهديدها لكل صوت حر في السويداء، ومشاعر المرارة واليأس التي خلّفتها الأحداث الدامية، ورغم التجييش الطائفي والرقص على دماء الشهداء والنفخ بالعصبية الطائفية والدعوة للانتقام والثأر، فخيار السويداء لن يصب في النهاية سوى في طريق واحد: طريق سورية الذي يمرّ من دمشق، وليس طريق العزلة والانفصال والتبعية لنتنياهو وحكومته التي تهب اليوم ضدها كل شعوب العالم.