
إذن واشنطن للرئيس السوري «أحمد الشرع» بدخول الولايات المتحدة: مؤشر لتغيير خريطة العلاقات السورية والدولية
منح الولايات المتحدة تأشيرة دخول للرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع تمهيداً لزيارته لنيويورك وإلقاء كلمة باسم سوريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بين 21 و25 أيلول/سبتمبر الجاري، وهي خطوة أعلنت عنها وسائل إعلام ومصادر دبلوماسية محلية ودولية.
تبدو البادرة إجرائية من ناحية “تسهيل حضور زعيم دولة إلى جلسة للأمم المتحدة” لكنها في حقيقة الأمر تحمل حمولة سياسية ورمزية كبيرة. حضور رئيس انتقالي لسورية إلى «أسبوع القادة» في الأمم المتحدة لأول مرة منذ عقود يضع دمشق على مسرح دبلوماسي لا تُمنح له الفرص بسهولة، ويأتي بقبول عملي ولو مبدئي لشرعية هذا الكيان السياسي من قبل قوى دولية كبرى. بعض التقارير اعتبرت أن هذه الزيارة ستكون الأولى لرئيس سوري أمام الجمعية العامة منذ زمن طويل، ما يمنح الخطاب بعده التاريخي والرمزي.
لفهم دلالات الخطوة يجب أن نعود إلى سياق تولي الشرع للسلطة وتحوله من قائد فصيل فاعل على الأرض إلى رئيس انتقالي يسعى لشرعنة مؤسسات جديدة وإعادة تسويق سورية على الساحة الدولية. تعيينه وانتقاله إلى منصب الرئيس الانتقالي كان حدثاً لافتاً أثار كثيراً من الجدل الداخلي والإقليمي حول مشروعه السياسي ومصادر شرعيته. هذه الخلفيّة تحدد أن منح تأشيرة دخول من واشنطن ليس مجرّد إجراء لوجستي بل إقرار ضمني بأن التعامل مع هذا الشكل من الحكم بات أقرب إلى واقع الميدان والدبلوماسية.
سياسياً، هذه الخطوة قد تعني أموراً متوازية: أولاً، احتمال وجود تسوية إقليمية أو دولية تُريد إعادة دمج سورية ضمن آليات التعامل الدبلوماسي العادي بعد سنوات من العزلة والاقتتال. ثانياً، إشارات إلى رغبة أمريكية في ضبط الملف السوري من خلال قنوات رسمية بدل الاعتماد فقط على شركاء إقليميين أو على التدخّلات العسكرية المحددة. وثالثاً، إمكانية استغلال منبر الأمم المتحدة لمعايير جديدة، إذ يمكن للشرع استخدام المنصة لطلب دعم دولي لسورية، أو لجذب اعترافات سياسية ومساعدات إنسانية، أو لعرض خارطة طريق سياسية حقيقية. هذه السيناريوهات ستواجه على الأرجح مصالح متقاطعة من روسيا، تركيا، والدول الخليجية التي لا تزال لها مصالح ومخاوف في سورية.
على الصعيد الداخلي، وصول الشرع إلى منبر الأمم المتحدة سيؤثر على توازن القوى والشرعية لدى جمهور الداخل والخارج: أنصاره سيعتبرونها نصراً دبلوماسياً يؤسس لمرحلة جديدة، ومعارضوه سيحاولون استثمار أي تراجع شعبي أو تناقض لنسف مشروعه السياسي. كذلك سيفتح الحديث الدولي عن سورية أبواب نقاش حول المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد الساقط، عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار” وهي مواضيع قد تُستخدم كورقة ضغط أو تفاوض”.
أخيراً، لا يجب قراءة منح التأشيرة على أنه «طريق مسدود» للتطبيع الكامل، فهو خطوة تكتيكية قد تقابلها شروط ومطالب سياسية واقتصادية وأمنية. النجاح الحقيقي لِمَسارٍ دبلوماسي جديد يعتمد على ما إذا رُبط هذا الحضور بتفاهمات إقليمية، وضمانات لخرائط طريق داخلية تقبل بها فاعلون متعدّدون، واحترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي. وفي كل الأحوال، جعل سورية جزءاً من منبر الأمم المتحدة بهذه الصيغة يغير قواعد النقاش الدولي حول بلد انهكته سنوات طويلة من الحرب ويعيد رسم ساحات النفوذ والمصالح “ليس على مستوى واشنطن ودمشق فحسب، بل في خريطة إقليمية أوسع”.