سياسة الترحيل الأوروبية للسوريين تتعارض مع القانون الدولي وتُغيّب المستقبل الآمن

0

في خطوةٍ مثيرة للجدل، تتجه دول أوروبية عديدة نحو تعليق طلبات لجوء السوريين وبدء عمليات ترحيلهم، متجاهلة بذلك تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية من أن سوريا لا تزال غير آمنة لعودة اللاجئين.

تجميد الطلبات ومراجعة القرارات

بعد التغيرات السياسية في سوريا، شهدت الأشهر الماضية تحولاً جذرياً في سياسات اللجوء داخل أوروبا. حيث علقت ألمانيا عشرات الآلاف من طلبات اللجوء المقدّمة من السوريين، بينما بدأت النمسا بمراجعة جميع حالات اللجوء الممنوحة سابقاً. واليونان علقت آلاف الطلبات، في حين شدد الاتحاد الأوروبي قواعد اللجوء في اتفاق الهجرة، المقرر أن يدخل حيز التنفيذ الصيف القادم.

وفي فرنسا، باشرت السلطات المختصة إجراءات تعليق مؤقت للطلبات إلى جانب مراجعة شاملة لقرارات اللجوء السابقة، إذ أوضح بيان صادر للمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية أنّ هناك نحو 700 طلب لجوء قيد الدراسة، من ضمنها طلبات مقدّمة من قاصرين.

المملكة المتحدة أوقفت البت في الطلبات “وهي تراقب الوضع”، بينما تعهد حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بترحيل أكثر من 600 ألف مهاجر غير نظامي. ولم تكتفِ بعض الدول بهذا، بل قدمت حوافز مادية للموافقة على المغادرة “الطوعية”.

وفي السياق، يوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “لا يمكننا الاستمرار في إثقال كاهل مدننا وبلداتنا، وكذلك مجتمعنا ككل، بالهجرة”. وبالنبرة المعادية للمهاجرين نفسها، صدحت أصوات اليمين المتطرف في إيطاليا وبولندا والمجر وحتى في إسبانيا والدنمارك.

ورغم الهدوء النسبي في بعض المناطق، إلا أن التقارير الدولية تؤكد أن سوريا ما زالت تعاني من أزمة اقتصادية وتُشير تقارير ميدانية إلى أن العائدين يواجهون صعوبات في الحصول على السكن والغذاء والرعاية الصحية فقد أظهرت دراسة أجرتها “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” في مارس أن العائدين إلى سوريا يعانون من معدلات فقر ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

كما أن التهديدات الاسرائيلية المستمرة لسيادة البلاد وتوغلها في الداخل السوري ووصولها الى مشارف العاصمة يزيد من حدة التوتر القائم ويزعزع المساعي نحو استقرار سوريا.

سياسة الترحيل تتعارض مع مبادئ الحماية الدولية

يؤكد خبراء قانونيون أن تجميد طلبات اللجوء بشكل جماعي، دون تقييم فردي لكل حالة، يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في اتفاقية جنيف. وقد نددت منظمات مثل “العفو الدولية” و”المرصد الأورومتوسطي” بهذه الإجراءات، واصفة إياها بأنها “غير قانونية وتضع الأرواح في خطر”.

كما أن تجاهل هذه الالتزامات القانونية، سواء بموجب القانون الدولي أو المنظومة الإقليمية الأوروبية، من خلال اللجوء إلى تعليق جماعي أو آلي لطلبات اللجوء، لا يُهدد فقط سلامة اللاجئين وحياتهم، بل يُقوّض الأسس التي يقوم عليها نظام الحماية الدولية بأكمله، ويفتح هذا المسار الباب أمام ممارسات تعسفية تُفرغ الحق في اللجوء من مضمونه، وتُضعف ثقة الأفراد في العدالة الدولية والآليات القانونية المفترض أن تحميهم.

فقد تبنى بعض السوريين بالفعل استراتيجيات غير تقليدية لتجنب الترحيل، كما في النمسا وأماكن أخرى. حيث لوحظ أن بعض اللاجئين يتعمدون الفشل في دورات الاندماج اللغوي كشكل من أشكال المقاومة السلبية، لاعتقادهم أن ذلك قد يؤخر ترحيلهم. هذه الممارسات تعكس انهيار الثقة في السياسات الأوروبية وتؤكد أن الخوف من العودة إلى سوريا يفوق الخوف من فقدان الفرص في أوروبا.

تداعيات اقتصادية على أوروبا وسوريا معاً

من جهة أخرى، يحذر اقتصاديون من أن عودة السوريين القسرية ستُحدث فجوة في سوق العمل الأوروبي، خاصة في القطاعات الحيوية التي يعملون بها كالصحة والتمريض والطاقة.

ففي ألمانيا مثلاً، أصبح اللاجئون السوريون قوة دافعة للاقتصاد ومثالاً ناجحاً للاندماج، حيث ساهموا بشكل كبير في سد الفجوات في سوق العمل الألماني. يعمل حالياً نحو 670 ألف سوري في الطب والهندسة والبناء والخدمات، مع انضمام أكثر من 213 ألف عامل جديد خلال العام الماضي فقط. وقد حصل أكثر من 83 ألف سوري على الجنسية الألمانية، ما يعكس نجاح عملية اندماجهم.

كما يساهم السوريون بشكل مباشر في الاقتصاد الألماني من خلال الضرائب التي تصل في المتوسط إلى 8300 دولار سنوياً للفرد، بالإضافة إلى دورهم في تعزيز الاستهلاك والاستثمار.

وفي المقابل، فإن سوريا غير مستعدة لاستيعاب هذا العدد الهائل من العائدين، مما يهدد بانهيار اقتصادي واجتماعي أكبر من الذي يحصل حالياً.

مستقبل مجهول

يبدو أن القرارات الأوروبية مدفوعة إلى حد كبير بصعود التيارات اليمينية وضغوطها السياسية، أكثر من استنادها إلى تقييم واقعي دقيق. هذا المنحى يهدد بخلق أزمة إنسانية جديدة، حيث قد يُجبر آلاف السوريين على العودة إلى أوضاع خطرة وغير مستقرة.

وفي المحصلة، في الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى دعم حقيقي لإعادة الإعمار وبناء السلام، تختار الحكومات الأوروبية طريقاً قصيراً ينتهك حقوق الإنسان ويتجاهل التحذيرات. فالعودة الآمنة والكريمة تتطلب استقراراً حقيقياً على الأرض، وليس قرارات ترحيلٍ تهدد مستقبل آلاف البشر وتُعقّد الأزمة بدلاً من حلها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني