فيروز… أم ممنوعة من البكاء

0

لم تكن جنازة زياد الرحباني مجرّد مناسبة لتوديع فنان ترك بصمته العميقة على الموسيقى والمسرح في العالم العربي، بل تحوّلت، لحظة وصول والدته فيروز إلى الكنيسة في بكفيا، إلى حدث استثنائي جمع بين التبجيل والفضول، بين الاحترام والانتهاك غير المقصود. كانت فيروز، بكل ما تمثّله من رمزية فنية وإنسانية، حاضرة في مشهد وداع أحد أعمدة عائلتها، لا بصفتها الأيقونة الغنائية فحسب، بل باعتبارها أمّاً مثكولة فقدت ابنها الثاني، بعد أن كانت قد دفنت ابنتها ليال قبل سنوات.

ما وقع في ذلك اليوم ليس جديدًا على من هم في موقع فيروز، لكنه يعيد طرح السؤال المؤلم: هل تملك الشخصيات العامة الحق في الحزن كما يملكه سواها؟ وهل يمكن للحزن أن يبقى ملكًا خاصًا في زمنٍ لا يعترف بالحدود بين العام والخاص؟

الشهرة لا تأتي بلا ثمن، وغالبًا ما يكون هذا الثمن هو فقدان المساحة الخاصة، خصوصًا في لحظات الحياة الأكثر هشاشة. لقد خرجت فيروز من عزلتها الطويلة لتشارك في مراسم عزاء ابنها، وبدل أن تُستقبل بلحظة احترام لصمتها، طُوّقت بعدسات التصوير، وكأنّ الحضور الجماهيري لم يكن يودّع زياد، بل ينتظر صورة نادرة لفيروز.

في تلك اللحظة، تبدو المعادلة مُختلّة، فبينما كانت الأم تمرّ بأصعب لحظات فقدها، كانت الكاميرات تسابق خطواتها، لا لتسجل الألم، بل لتوثّق الحضور. وهنا يتقاطع الفن مع الواقع، والرمز مع الإنسان، والشهرة مع الألم.

من المعروف أن زياد الرحباني لم يكن مجرّد نجل لعاصي وفيروز، بل كان شريكًا فنيًا في بناء هويتها المعاصرة. هو من جدّد الصوت الرحباني، ومنح فيروز، في مراحل حياتها، نبرةً مختلفة، أكثر تمردًا، أكثر قربًا من الناس. لذلك، فإن وداعه ليس حدثًا عابرًا في حياتها، بل هو انكسار جديد لامرأة صنعت المجد والغناء، وفقدت في طريقها رفيقها وشريكها وابنها، والآن تقف أمام وجع لا تُجدي معه الصيغ الإعلامية ولا الانفعالات الجماهيرية.

ما جرى يُذكّرنا بأن الفنان لا يتوقّف عن كونه إنسانًا، مهما علا في وجدان الناس. وأن الحب، حين يتحوّل إلى حصار، قد يفقد جوهره. من حق الجماهير أن تحب فيروز، وأن تبكي زياد، لكن من حق فيروز أن تبكي دون شهود. ومن واجبنا، كجمهور، أن نتعلّم احترام الفواصل بين التقدير والانتهاك.

في كل ثقافات العالم، يُمنح الحزن حيّزه، حتى في حياة الشخصيات العامة. وهناك وعي متزايد بأن الكاميرا ليست دائمًا محايدة، بل قد تكون أداة ضغط، حتى لو لم تكن النية سيئة. ما حدث يوم وداع زياد الرحباني يعكس خللًا في تصورنا لمساحة الحزن، ويطرح ضرورة إعادة النظر في دور الإعلام والجمهور في لحظات الفقد، خاصة حين تكون الشخصية المعنية قدّمت للبشرية ما يكفي لتُترك في لحظة عزائها بسلام.

قد تكون فيروز صامتة اليوم، لكنها سبق وغنّت ما يُشبه حالها “أنا الأم الحزينة”. لكن هذه المرّة، لم تكن تمثّل الحزن أو تنقله، بل كانت تعيشه، بحجم لا يمكن لعدسة أن تنقله، ولا لصورة أن تحتويه.

ولعلّ ما تحتاجه فيروز اليوم ليس تكريمًا جديدًا، ولا صورة أخيرة تحفظها الصحف، بل مساحة صامتة تحزن فيها كأي أمّ فقدت ابنها. فالتقدير الحقيقي لا يُقاس بكثافة الحشود، ولا بعدد العدسات، بل بقدرتنا على التراجع خطوة، والسماح لها أن تعيش وجعها كما تشاء، بعيدًا عن عيون لا ترأف، وعدسات لا تتوقف. احترام الحزن في لحظته هو أرقى أشكال الحب، وهو ما يليق بوجهٍ حمل صوتًا صار جزءًا من ذاكرتنا، لكنه في النهاية يبقى إنسانًا يحق له أن يحزن.

في النهاية، ليس ما نحتاجه أن نرى وجه فيروز في وداع ابنها، بل أن نتعلم أن نحفظ لها حقها في الغياب، تمامًا كما أحببنا حضورها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني