
كيف نفهم طبيعة سياسات روسيا تجاه سوريا الجديدة، التي أطلقت خطواتها زيارة وزير الخارجية السوري السيد أسعد الشيباني في نهاية تموز؟
الأفكار الرئيسية التي تساعدنا على فهم أبعاد المسألة هي أولا إدراكنا لوجود مشروع سيطرة إقليمية أميركية رئيسي حاكم، حددت وتحدد أهدافه وأدوات تحقيقها عوامل السياق التاريخية والراهنة لطبيعة الصراعات السياسية المحلية والاقليمية وأشكال النظم السياسية، وترسم مآلاتها المستقبلية[1].
إضافة إلى ذلك، ثمة “مشروع إسرائيلي”، شبه مستقل، قد تتقاطع أهدافه وادواته في سياقات محددة، لكنها تتناقض في محطات رئيسية مع بعض أهداف وأدوات المشروع الأمريكي، وقد وصلت سياسات الحليفين في عواقب هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2032 إلى درجات غير مسبوقة من التناقض حول قضايا استراتيجية-على صعد التسوية السياسية للقضية الفلسطينية ومشروع التطبيع الإقليمي واستراتيجية ترامب الجديدة تجاه سوريا!.
على أية حال، بخصوص طبيعة سياسات روسيا الإقليمية التاريخية، القراءة الموضوعية لطبيعة السياسات الروسية الحديثة في سوريا وعلى الصعيد الإقليمي تبين ليس عدم وجود مشروع سيطرة إقليمية روسي فحسب، بل وليس لروسيا استراتيجية روسية مستقلة في سوريا أو كامل منطقة الشرق الأوسط، وهي أبرز حقائق الصراع على سوريا التي يمكن البناء عليها لمعرفة طبيعة السياسات الروسية الجديدة – وقد غيبتها ثقافة نخب المعارضات السياسية، كما غيبت حقائق أهداف وطبيعة أدوات سياسات السيطرة الإقليمية الأمريكية، خاصة مشروع التقسيم الأمريكي بين 2014-2015! .
على صعيد السياسات الواقعية الروسية الإقليمية والسورية في مسارات تحقيق أهداف مشروع تقسيم سوريا الأمريكي/الإيراني، كان لروسيا دورا رئيسيا في ترتيب ظروف وقائعها الميدانية والسياسية من خلال سياساتها المعززة لشروط الخيار الميليشياوي في مواجهة الحلول السياسية في أعقاب حراك ربيع 2011 السلمي، وبعد تدخل جيشها في صيف 2015، وقياداتها مسار آستانة مطلع 2016، ومن غير الممكن، خاصة في ظروف استمرار الصراع العسكري على أوكرانيا، أن تخرج سياسات موسكو عن السقف الأمريكي.
أولاً: في صراعات مواجهة تحديات ثورة ربيع 2011 الديمقراطية، لم تتجاوز سياسات روسيا البوتينية سقف أهداف وإجراءات مشروع السيطرة الأمريكية (الإسرائيلية)، عندما تكاملت مع سياسات وجهود دفع الصراع السياسي على السلطة على مسارات الخيار العسكري الطائفي الأسدي، كما كانت سلطة النظام الإيراني الشريك الميداني الرئيسي لسياسات إدارة أوباما، كما كانت في حروب تفشيل العراق وتقسيمه!
فقد دخلت إدارة أوباما الديمقراطية الصراع على سوريا في ربيع 2011، لتحقيق هدفين مركزين، مترابطين جدليا، تتكامل النتائج والأدوات في قطع مسارات الانتقال السياسي السلمي والتحول الديمقراطي، كمقدمة لتفشيل الدولة وتقسيمها.
خلال المرحلة الأولى، حتى صيف 2014 عندما تدخلت واشنطن عسكريا، عملت سياسات واشنطن وشركائها على تعزيز جهود دفع الصراع السياسي على سوريا على مسارات الخيار العسكري الميليشياوي، وكان الهدف تفشيل مؤسسات الدولة السورية، وهي البيئة التي وفرت شروط وبررت تدخل الجيش الأمريكي ليقود بشكل مباشر حروب تحقيق هدفها الثاني.
الهدف الرئيسي الثاني للولايات المتحدة تمحور حول إعادة توزيع مواقع وحصص فصائل الثورة المضادة الميليشياوية، بما يؤدي موضوعيا الى إعادة تقاسم مواقع السيطرة الجغرافية وطبيعة مهام الفصائل، وقد تبلورت في مطلع 2020 سلطات أسد وقسد والهيئة والجيش الوطني!! ضمن هذا السياق الأمريكي العام، تمحورت أهداف وإجراءات مشروع التسوية السياسية الأمريكية الجزئية اللاحقة (نظرية “RAND” حول توفير شروط اللامركزية السياسية)، حتى صبيحة 27 نوفمبر، على توفير شروط إعادة تأهيل تلك السلطات الميليشياوية وتحويلها إلى حكومات مستقرة نسبيا، تُثب مرتكزات مشروع التقسيم، وكانت” حكومة الأسد” العمود الفقري، والمظلة الشرعية…
وهنا التساؤل: هل خرجت سياسات روسيا عن سقف أهداف المشروع الأمريكي حتى صبيحة هجوم رد العدوان؟
في المرحلة الأولى، صبت جميع جهود ونشاط موسكو السياسية والعسكرية في تيارات دفع الصراع على مسارات الخيار العسكري الميليشياوي، عندما نسقت مع واشنطن جهود تفشيل الحلول السياسية، ودعمت سياسات وجهود الأسد الإيرانية، ولم تقم بخطوة واحدة لفرض مسار سياسي معاكس، وكان بإمكانها، مثلا، دعم مشاريع الحلول السياسية التي قدمتها نخب سورية داخل النظام، وفي صفوف المعارضات الداخلية، أو دعم حقيقي لخطط التسوية السياسية العربية التي قدمتها المجموعة العربية نهاية 2011 على العكس من ذلك، نعرف جميعا استخدام روسيا والصين للفيتو “المزدوج” في مجلس الأمن بتاريخ 4 شباط 2012، وقد أسقط الإنجاز الروسي الصيني “خطة السلام العربية الثانية” التي كانت تملك آليات واقعية لقطع مسارات الحرب، وتطالب بتكليف نائب الرئيس بمهام الرئاسة لقيادة عملية المرحلة الانتقالية، ودق المسمار الأخير في نعش آمال قيام تسوية سياسية، تقطع مسارات التدمير اللاحقة.
في المرحلة الثانية، نسقت واشنطن “وتل أبيب “مهام التدخل العسكري الروسي المباشر خلال صيف 2015، وتمحورت سياسيا وعسكريا حول إعادة توزيع حصص السيطرة الميليشياوي لرسم خارطة تقسيم سوريا… وقد قادت موسكو ما عُرف بـ “مسار آستانة” لينفذ عبر سياسات “خفض التصعيد” وإعادة تموضع الفصائل إجراءات وخطوات إعادة توزيع حصص السيطرة، وقد وضع الاتفاق الروسي التركي والإيراني في 5 آذار 2020 الخارطة النهائية لحصص مشروع التقسيم الأمريكي، وبلور سلطاته… وقد بقيت حدود خارطة السيطرة مستقرة حتى صبيحة 27 نوفمبر 2024، رغم محاولات جميع القوى المتصارعة على النفوذ ومناطق النهب، خاصة الهجمات العدوانية الجوية الروسية، لتحريك خطوط سيطرتها الميدانية!!
الذي سمح بتغيير خارطة حدود تقاسم سوريا المستقرة منذ آذار 2020 هو صاحبها الأمريكي، صبيحة 27 نوفمبر، في سياق استراتيجية أمريكية جديدة، ولن تخرج سياسات جميع القوى الفاعلة عن سقف المشروع الأمريكي الجديد.. وقائع السياسات الأمريكية الجديدة تجاه سلطة دمشق، في حيثيات إسقاط سلطة الأسد وتفكيك شبكة السيطرة الإيرانية في الثامن من ديسمبر على يد هيئة تحرير الشام وسيطرة حكومة الإنقاذ، تبين وجود استراتيجية أمريكية جديدة، تتناقض مع أهداف وأدوات استراتيجية أمريكية سابقة، كانت قد أطلقتها إدارة كارتر/بريجنسكي في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، ونجحت في تفشيل دول الإقليم وتقسيمها، بأدوات الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني.
ثانياً: طوال سنوات الحروب المتنقلة لتفشيل سوريا وتقسيمها، وتحت سقف اهداف المشروع الأمريكي (الإسرائيلي)، وفي سياق عوامله، سعت موسكو جاهدة لرسم معادلات توازن صعبة في علاقاتها مع مصالح وسياسات الدول الإقليمية المتصارعة على الحصص ومناطق النفوذ، (شركاء مشروع السيطرة الإقليمية الأمريكية التاريخية، أنظمة السعودية وتركيا وإسرائيل وإيران)، ونجحت إلى درجات كبيرة بفعل التنسيق مع واشنطن، وقد بات يتوقف نجاحها في مقاربتها للعلاقات الجديدة مع سلطة النظام السوري الجديد على قدرتها على تعزيز سياسات التوازن في معادلات العلاقات الإقليمية السابقة، والأخذ بعين الاعتبار تراجع الدور الإيراني، وتقدم التركي والإسرائيلي والسعودي، وطبيعة تناقضات أو تقاطعات مصالح وسياسات تلك الدول في سوريا!!.
علاوة على ذلك، يتوجب على السياسات الروسية أن تدرك وتعمل في ضوء المتغيرات التكتيكية والإستراتيجية التي تعمل عليها إدارة ترامب الثانية في تحديثها لأدوات ونهج سياسات الولايات المتحدة السابقة في سوريا، وما تتركه من آثار على مصالح وسياسات الدول الإقليمية المركزية، خاصة على سياسات السيطرة الإسرائيلي.
في حيثيات وعواقب إسقاط سلطة الأسد، ومسارات تحول حكومة الإنقاذ إلى سلطة سورية شرعية، سقط العمود الفقري لمشروع التقسيم الأمريكي وشبكة قاعدته الإيرانية، بدأت تتبلور ملامح استراتيجية أميركية جديدة متناقضة مع استراتيجية أمريكية تاريخية ومع استراتيجية إسرائيلية راهنة، وهي العوامل الرئيسية التي تحدد طبيعة شروط الصراع الجديدة على سوريا ومآلاته، وترسم الخطوط العامة لدور روسي مختلف!
طبيعة السياسات العدوانية الإسرائيلية تجاه المتغيرات النوعية في سوريا منذ صبيحة الثامن من أكتوبر، تكشف وجود استراتيجية إسرائيلية مختلفة، تسعى لقطع مسارات وصيرورة المشروع الأمريكي التركي والسعودي التوحيدي الجديد، وتعمل على تثبيت مرتكزات مشروع التقسيم السابق، في تقاطع واضح مع سياسات قسد وأذرعها السورية، وقد وصلت درجات المواجهات العسكرية إلى أوجها في صراعات السيطرة على السويداء، عشية زيارة وزير الخارجية السوري إلى موسكو[2].
ثالثاً: الدور الروسي المتوقع في مآلات الصراع على الجنوب والجزيرة:
إذا كانت قد دخلت روسيا صيف 2015 الحرب في سوريا كشريك في مشروع التقسيم الأمريكي، وبالتنسيق الكامل مع حكومة الكيان، فإنها تعود اليوم كشريك في مشروع التوحيد الأمريكي، وبالتنسيق مع واشنطن، وفي تناقض مع سياسات حكومة الحرب اليمينية الإسرائيلية، كما تبين ظروف معارك السيطرة على السويداء!
وكما كان نجاح سياسات موسكو يتطلب في سياقات مشروع التقسيم دعم سلطات التقسيم- أسد وقسد، يتطلب اليوم دعم وإسناد سلطة التوحيد في دمشق، وهي تواجه في ذلك تحديات السياسات الإسرائيلي المتناقضة.
في السياق العام، يبقى التحدي الرئيسي الذي يواجه سياسات روسيا الجديدة هو القدرة على خلق معادلة توازن في العلاقات المتناقضة بين سياسات إسرائيل ووكلائها في السويداء والجزيرة السورية، قسد والهجري، من جهة، وبين سياسات التحالف الأمريكي الإقليمي الجديد في سوريا، من جهة ثانية، التي تعمل السلطة الجديدة على تحقيقها في مسارات العملية السياسية الانتقالية، وبما يتوافق مع مصالح الأمن القومي السوري والإقليمي!!
فيما يخص الصراع على أوكرانيا، لابد أن تصب سياسات روسيا الجديدة، الداعمة لسياسات التحالف الإقليمي الأمريكية في سوريا، أهداف استراتيجية الحرب في أوكرانيا!!
على أية حال، خطاب وزير الخارجية الروسي في أعقاب زيارة الشيباني، وتمهيدا لزيارة الرئيس الانتقالي، أكد على استمرار دعم روسيا لحقوق الكرد السوريين وعلى وحدة سوريا وسيادتها، وهو يتقاطع في هذه المبادىء المعلنة مع الخطاب السياسي الرسمي السوري، الذي يؤكد على ضمان حقوق الكرد القومية، كجزء أصيل من الشعب السوري، في سياق إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة وحصر امتلاك السلاح، وبناء مؤسسات الدولة السورية الموحدة، وحوق المواطنة المتساوية. في نهاية المطاف، تبقى طبيعة سياسات موسكو مرتبطة بمآلات الصراع حول مصير الكيان الجيوسياسي السوري:
أ- في حال ذهبت التناقضات على مسارات تسويات سياسية، تضمن بالدرجة الأولى سيادة الدولة المركزية، وعبر المخرج الواقعي الممكن في السير على خارطة طريقة تسوية سياسية شاملة “سورية إسرائيلية”، تتضمن بالضرورة تراجع إسرائيل عن دعمها لقوى مشروع التقسيم وتتكامل مع تخلي قيادة قسد عن شروطها “التقسيمية” للانخراط الحقيقي في مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، يكون في هذه الصيرورة الدور الروسي متكاملا مع أدوار واشنطن والعواصم الإقليمية المعنية، كداعم وضامن ومظلة حماية، وبما يتعامل ويتوافق مع سياسات مشروع التطبيع الإقليمي الأمريكي، الساعي إلى نزع بؤر الصراعات الداخلية في سياق توفير شروط استقرار محلي وإقليمي.
ب- في حال استمرار التصعيد الحالي في السويداء ومناطق تخوم قسد، في محاولات فرض شروط التقسيم، واستمرار الدعم الإسرائيلي، لن تخرج سياسات موسكو عن سقف سياسات واشنطن المواجهة، وستجد موسكو واشنطن، بالتنسيق مع أنقرة والرياض، افضل الوسائل لمحاصرة قوى مشروع التقسيم وتفشيلها وتعزيز جهود مسارات العملية السياسية الانتقالية.
يبقى التساؤل المشروع:
إذا كانت قد ساهمت ثقافة ووعي النخب السياسية والثقافية المعارضة منذ ربيع 2011 في تغيبب حقائق سياسات روسيا وطبيعة أهداف وأدوات ونتائج مشروع التقسيم الأمريكي، وشاركت في صناعة رأي عام شعبي ونخبوي غير واقعي، عزز انقسام السوريين، وتفتيت جهودهم، فهل ستقوم اليوم، في ظل انحياز بعضها “الديمقراطي” لمشروع قسد، بواجبها الوطني
في تنوير الرأي العام بمخاطر مشروع التقسيم، وتشارك في تخفيف آلام مخاض ولادة سوريا الموحدة الجديدة؟
[1]– تاريخيا، ومنذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، بدأت تتبلور ملامح استراتيجية أميركية جديدة، تمحورت أهدافها حول احتواء السياسات السوفياتية، وقطع صيرورات التحولات الديمقراطية لدول الإقليم، واستغلال التناقضات والصراعات الناتجة لتفشيل دول الإقليم وتقسيمها…. وبأدوات وأذرع الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني، وقد لعبت ميليشات القاعدة أدوارا رئيسية إلى جانب سلطة الملالي في طهران وأذرعها الإقليمية الحشدية والقاعدية، وباتت قسد أكثر قوى الكردستانية الإقليمية تمكينا في سياقات وصيرورة مشروع التقسيم منذ منتصف 2012.
[2]– تتكشف ميدانيا وسياسيا منذ مطلع فبراير طبيعة تحالف قوى مشروع التقسيم:
من الطبيعي أن تواجه خطوات وإجراءات العملية السياسية الانتقالية التي تقودها السلطة الجديدة بدعم كامل من واشنطن وانقرة والرياض بشكل خاص، سياسات وجهود مضادة من قبل قوى مشروع التقسيم السابق التي تخسر امتيازاتها في سياقات تفكيك سلاح الفصائل وإعادة توحيد الجغرافيا، وهي تمثل طيفا واسعا من شبيحة وفلول سلطة الأسد الساقطة، خاصة في الساحل والسويداء، وكان من الطبيعي أن تقود” سلطة قسد” المنافس الرئيسي لسلطة دمشق، وبما تحوذه من عوامل قوة سياسية وعسكرية واقتصادية وعلاقات دعم خارجية، جهود الجميع، وكان من الطبيعي أن تشكل “حكومة الحرب الإسرائيلية المجرمة”، الساعية لفرض شروطها التسووية على دمشق، مظلة الحماية والدعم.