هل يمكن تجنّب الصراع العسكري على مناطق سيطرة قسد؟

0

أعتقد أنّه من مصلحة جميع السوريين في السلطة ومعارضاتها، وعلى الصعيد السوري العام. وبما يصب في خدمة حماية السلم الأهلي، ومقوّمات الأمن القومي السوري، أن تتوافق قيادات سلطة دمشق الشرعية مع سلطة قسد على أهداف وخطوات تسوية سياسية شاملة، قد تشكّل خارطة طريق انتقال سياسي وتحوّل ديمقراطي.

بناء على ذلك، أطرحُ أمام الرأي العام السوري، الشعبي والنخبوي والرسمي بعض خطوات خارطة طريق تسوية سياسية وطنية مع قسد، آمل أن تؤدّي في حال حسنت النوايا وخرج الجميع عن تخندقاته الخاصة إلى تعزيز مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، وتمنع انتقال بؤر المعارك إلى تخوم وداخل مناطق سيطرة قسد.

تبدأ بخطوة إعلان واضح وصريح عن تخلّي قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” عن مشروع “اللامركزية السياسية” والتوقف عن دعم قوى وأذرع ونزعات المشروع الانفصالية في الساحل السوري والسويداء، مقابل خطوات سياسية حكومية عملية ومباشرة، يمكن أن تستهلّها السلطة الجديدة بتغيير حكومي، يُعيد بناء مؤسسات الدولة السورية في ضوء وقائع زوال أخطار التقسيم التي كانت قسد تشكّل محرّكها ومحرّضها الرئيسي، وبمشاركة فاعلة وحقيقية من تيارات وأحزاب وشخصيات سياسية قومية ووطنية كردية سورية، ودور قيادي فعّال لمظلوم عبدي، ويكون أولى مهامها تفكيك هياكل الفصائل التنظيمية، ودمج سلاحها وعناصرها في مؤسسات دولة مركزية موحّدة، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانيات وفرص اللامركزية الإدارية الذاتية.

في التفاصيل:

1- إعادة اجتماع القوى والتيارات السياسية الكردية التي أعطت في كونفراس 26 نيسان قسد الشرعية القومية الكردية السورية لمشروعها السياسي الكردستاني عندما تبنّت أطروحة مسد الرئيسية حول “اللامركزية السياسية”[1]، من أجل إعادة تقييم الموقف السياسي، وإعلان التخلّي عن مشروع اللامركزية السياسية ووقف جمع علاقات التنسيق والدعم مع قواه في الساحل والسويداء.

2- تصحيح مسارات العملية السياسية الانتقالية التي أطلقتها السلطة الجديدة في حيثيات ونتائج وأهداف مؤتمر النصر 29 يناير، عبر تشكيل حكومة جديدة بمشاركة شخصيات سياسية وطنية وقومية كردية، تعمل على توفير شروط إطلاق مؤتمر وطني تأسيسي، يشكّل القاعدة السياسية والتشريعية لبناء مؤسسات الدولة المركزية.

3- تكليف السيد مظلوم عبدي بوزارة الدفاع السورية الجديدة أو أي منصب وزاري عسكري سيادي، للعمل وفقاً لآليات تفكيك جميع الفصائل العسكرية، التابعة للهيئة أو لـ قسد والجيش الوطني ولـ حكمت الهجري أو في الساحل، وإعادة دمج سلاحها وعناصرها في هياكل وزارة الدفاع السورية وفقاً لقاعدة الانتساب التطوّعي، غير الإلزامي، مع استثناء جميع العناصر والقيادات غير السورية، وتقديم التعويضات المناسبة.

أعتقد أنّ البديل لنجاح هذه المسارات هو ذهاب الجميع إلى الحرب، وذهاب قسد إلى الحضن الإسرائيلي، دون الحد الأدنى من فرص النجاة، وقد نقلت واشنطن مظلّة الحماية الأمريكية من قسد إلى السلطة السورية الانتقالية، وتسعى تل أبيب إلى تفاهمات سياسية شاملة مع دمشق.

العواقب ستكون كارثية على الجميع، لكنّ سيكون الكرد، وحقوقهم السياسية والثقافية القومية، الضحية الأولى.

من المؤسف أنّه ما تزال النخب السياسية الكردية والسورية المرتبطة بمشروع قسد تتجاهل ضرورة رؤية جميع جوانب مشهد الصراع، وتركّز خطابها على ما يجب على السلطة فعله، متجاهلة طبيعة الصراع، وضرورة مبادرة قسد للتخلّي عن أهداف وأدوات مشروع “روجافاي كردستان” الانفصالي[2].

من الجدير بالذكر والاهتمام وجود تيارات وأحزاب سياسية كردية سورية وطنية، غير مرتبطة بأجندات بالمرجعيات الكردستانية الإقليمية، وتقدّم خطابات كردية وطنية يستحق كلّ الاهتمام من قبل الرأي العام السوري والحكومي[3].


[1]– بناء على استنتاج عام ورؤية كردية وكردستانية مشتركة بإمكانية وضرورة تثبيت إنجازات مشروع قسد في ظل الظروف والتحديات المعقدة التي تواجهها السلطة الجديدة وتمنع إعادة بناء مؤسسات سلطة نظام سوري مركزي، تداعت تيارات وأحزاب “المجلس الوطني الكردي”، بدعم من مرجعيتها الكردستانية في إقليم العراق، وقيادة قسد، بدعم من قياداتها الكردستانية التركية، ودعم فرنسي في أواخر أبريل/نيسان الماضي إلى عقد كونفرانس “وحدة الصف الكردي”، في “قامشلو”. تبنت رؤية مؤتمر “وحدة الموقف والصف الكردي”، التي لم تأت فقط تحت سقف مشروع قسد، ورؤية قيادتها الساعية لحماية مكتسبات “إقليم شمال وشرق سوريا” بل وحددت طبيعة هويته السياسية الكردستانية، باسم “روجافاي كردستان”، مطلب “توحيد المناطق الكردية لتشكل وحدة إدارية وسياسية” في إطار دولة “اللامركزية” (السياسة، بالطبع!!)، وقد اعتبر بيان الرئاسة السورية أن “مخرجات المؤتمر تتعارض مع الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، مشدداً على أن “وحدة سوريا أرضاً وشعباً خط أحمر” مؤكدة رفضها محاولات فرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة دون توافق وطني. كما أعربت عن قلقها من أية توجهات لإجراء تغييرات ديمغرافية في بعض المناطق “ومحذرة من محاولات تعطيل مؤسسات الدولة واحتكار الموارد”. وأكد على حقوق الكرد على قاعدة المواطنة والمساواة، دون تدخل خارجي”.

[2]– يتجاهل الوعي السياسي والثقافي النخبوي الموالي لقسد طبيعة الصراع على شكل السلطة ومصير الكيان الجيوسياسي، وما يجب على قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” فعله أولاً لإعادة إطلاق مسارات عملية سياسية انتقالية وطنية، ويركزون على ما يجب على السلطة القيام به!

في أحدث قراءة للصديق العزيز، الكاتب والمحلل السياسي المتميز والقيادي في تيار مستقبل كردستان سوريا، أحد أبرز قوى “المجلس الوطني الكردي” التي تحالفت مع قسد في مخرجات كونفرانس نيسان، وتحت عنوان “سوريا: خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة.”

“وسط الخراب السوري المتراكم، واستمرار حالة التشظي السياسي والانقسام المجتمعي، تبدو الحاجة إلى مشروع إنقاذ وطني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لم يعد أمام السوريين سوى خيار واحد: التفاهم الداخلي على خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة، تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية وتنتهي بوضع دستور جديد عبر جمعية تأسيسية.

إن حكومة الوحدة الوطنية هي المخرج السياسي، التي تفرضها ضرورات مرحلة ما بعد الأسد لإعادة توحيد الدولة السورية المتشظية، وإنهاء تعدد السلطات والمجموعات المسلحة، وتوفير سلطة تنفيذية انتقالية تحظى بشرعية داخلية وتفاهم إقليمي ودولي. بحيث تتشكل هذه الحكومة على قاعدة التمثيل الوطني، وأن تضم شخصيات من مختلف القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية، مع مراعاة التوازن بين المكونات القومية والدينية، بحيث تكون التعبير الحقيقي عن إرادة السوريين وليست عبر تفاهمات غرف التفاوض المغلقة.”. لماذا يتجاهلون ما يجب على قسد فعله، لكي يصبح ممكنا إعادة إطلاق المشروع الوطني؟ هل يجب أن تكون السلطة إلى هذه الدرجة من السذاجة السياسية لكي تطلق مشروعاً وطنياً بمشاركة قسد وتياراتها السياسية القومية دون التخلي عن مرتكزات السلطة والسلاح على ما يزيد عن ربع مساحة الجمهورية السورية.؟

[3]– كتبت السيدة سكينة حسن، عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، “نحن في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) نؤكد بكل وضوح وصدق أننا كرد سوريون نناضل من أجل سوريا حرة متقدمة دولة يسودها العدل والمساواة خالية من الظلم والتمييز مع الاحترام الكامل لخصوصية الشعب الكردي وجميع مكونات الشعب السوري.

ننطلق في نضالنا من الهوية الوطنية السورية ونستند إلى تاريخ طويل من الكفاح تؤكده أدبيات الحزب ووثائقه ولسنا بحاجة إلى شهادات من أحد لقد شاركنا في ثورة الحرية والكرامة منذ لحظاتها الأولى ووقفنا مع الشعب السوري في مواجهة نظام الأسد الإجرامي في كل الظروف رغم التحديات والتضحيات.

انعقد مؤتمرنا الثاني عشر قبل أربعة أعوام تحت شعار:

القضية الكردية في سوريا قضية وطنية بامتياز.

ونحن نرفض أي تدخل خارجي في مصيرنا وشؤوننا الداخلية.

لقد كنا:

أول حزب كردي يصدر بياناً تأييدياً لعملية “ردع العدوان” في يومها الأول، وأول حزب كردي يؤيد مؤتمر النصر بشكل مباشر في رئاسة الأخ أحمد الشرع رئيساً للبلاد، والحزب الوحيد الذي رفض نتائج كونفرانس القامشلي بين قسد وبعض الأحزاب الكردية، مؤكدين أن نتائج الكونفراس لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد، ما يعنينا هو سوريا ووحدة أراضيها لا أجندات ضيقة أو مشاريع مشبوهة.

كما كنا في أحداث السويداء الجهة الكردية الوحيدة التي أصدرت بياناً داعماً لموقف الدولة في بسط سيطرتها على كامل التراب الوطني مع تسجيل بعض الملاحظات الضرورية.

ونحن كذلك الطرف الوحيد الذي وقف بوضوح ضد ممارسات قسد ومسد وما تسمى بالإدارة الذاتية والتي تعمل على دفع الكرد إلى مواجهة مفتوحة مع الشعب السوري وضرب وحدة البلاد ومصالحها العليا.

على مدى أربعة عشر عاما دفعنا ثمن هذه المواقف الوطنية الشجاعة في الساحة الكردية وحتى من بعض الجهات الرسمية التي تتجاهل تاريخنا ودورنا الوطني ومواقفنا الشجاعة تجاه الوطن.

نؤمن أن بسط سيادة الدولة السورية على كامل التراب الوطن هو ضرورة وطنية وواجب مقدس وأي محاولة لتجزئة البلاد أو تقويض سيادتها جريمة بحق الوطن والشعب.

هذا غيض من فيض من مواقفنا الثابتة وسنظل كما كنا نرفض كل المشاريع المشبوهة ونعمل من أجل سوريا ديمقراطية موحدة تحفظ كرامة الجميع.”

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني