
الوطنية السورية الجامعة
في زمن الانهيارات الكبرى التي أصابت المجتمعات والدول، تغدو الوطنية أكثر من مجرد انتماء جغرافي أو سياسي، بل تتحول إلى مفهوم تأسيسي يعيد إنتاج الاجتماع الوطني برمّته، انطلاقاً من حاجات الناس وتطلعاتهم الجمعية. والوطنية السورية اليوم ليست شعاراً سياسياً مفرغاً، بل سؤالاً وجودياً يستدعي الإجابة عليه بإعادة تعريف الهوية، وصياغة مشروع وطني جامع لا يقوم على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل والتمثيل المتكافئ.
معنى الوطنية
إنّ الوطنية، بصيغتها العامة، هي رابطة الانتماء السياسي الطوعي لجماعة بشرية تعيش ضمن حدود جغرافية محددة، وتؤمن بمصير مشترك، وتحتكم إلى منظومة قيم ومصالح تتجاوز الروابط الضيقة، كالطائفة أو القومية أو القبيلة. هي هوية عليا تتأسس على فكرة الدولة لا الجماعة، وعلى المصلحة المشتركة لا الخصوصية الثقافية فقط، وعلى العقل السياسي لا الغريزة الجمعية.
لكن حين ننتقل إلى الحالة السورية، نجد أن هذا المفهوم ظلّ منذ نشوء الدولة الوطنية بعد الاستقلال في حالة قطيعة مع الواقع الاجتماعي المتنوع، حيث لم تُبنَ الوطنية على أسس تعاقدية عادلة بين المكونات، بل استُخدمت كأداة إيديولوجية لفرض تصور أحادي، غالباً ما خدم السلطة أكثر مما خدم الوطن.
لقد نظرت الجماعات السورية إلى الوطنية من زوايا متباينة، نابعة من تجاربها المختلفة مع المركز السياسي. فالمجتمع الكردي رأى في الوطنية السورية مشروعاً ناقصاً طالما لم يعترف بهويته الثقافية والسياسية. والمجتمع العلوي ارتبطت نظرته بالسلطة وموقعه فيها، مما جعل بعض فئاته ترى الوطنية امتداداً لحماية مكتسبات السلطة. أما العرب السنّة، الذين كانوا في موقع الأكثرية عدداً، فغالباً ما تم استدعاؤهم كمصدر للهوية القومية أكثر من الوطنية الجامعة. وكذلك الحال مع الأقليات الدينية الأخرى، التي تعاملت مع الوطنية كملاذ مشروط بمدى احترام حقوقها ووجودها.
هذه النظرات المتباينة عمّقت الشرخ بين مكونات المجتمع، وجعلت من الوطنية مفهوماً ملتبساً، يتنازعه البعد الفكري مع البعد الأمني، ويتصارع فيه الشعور بالانتماء مع الخوف من الإقصاء.
بوتقة جامعة
لكن إذا أردنا تجاوز هذا الانقسام، فعلينا إعادة تعريف الوطنية السورية كمفهوم شامل لا يُقصي أحداً ولا يتماهى مع جماعة بعينها. ينبغي أن تكون الوطنية السورية بوتقة تذوب فيها الخصوصيات الثقافية دون أن تنصهر، فتتفاعل فيما بينها لتنتج رابطة مدنية تقوم على التعددية والاحترام المتبادل. في هذه البوتقة، لا يكون العربي أقل وطنية من الكردي، ولا المسلم أحق بالولاء من المسيحي أو الإيزيدي، بل يكون الجميع متساوين في الحقوق والواجبات ضمن دولة القانون.
وما يميز الوطنية السورية عن أي انتماء آخر، هو بعدها البنيوي الذي يتجاوز الهويات الطائفية أو العرقية. فالمكوّن الإثني أو الديني يستند إلى رابطة الدم أو المعتقد، في حين أن الوطنية تستند إلى العقد الاجتماعي الذي يصوغه المواطنون بحرية. المكوّن هو هوية سابقة على الدولة، أما الوطنية فهي هوية نابعة من الدولة وتُبنى على قواعد مشتركة. ولهذا، فإن محاولات أسطرة الانتماءات الدينية أو القومية على حساب الوطنية لا تؤدي إلا إلى تفكيك الاجتماع الوطني وإعادة إنتاج الصراع.
من هنا، فإن الحاجة إلى بناء هوية وطنية جامعة ليست ترفاً نظرياً، بل شرطاً وجودياً لإعادة تأسيس سوريا. هوية تشعر فيها كل المكونات أنها ممثلة، ومصانة، ومشاركة في القرار والثروة والرمز السياسي. وهذا يتطلب أولاً عدالة انتقالية تعترف بالمظالم، وثانياً دستوراً جديداً يضمن الحقوق، وثالثاً خطاباً وطنياً يُروّج لقيم المشاركة والتعددية لا الإقصاء والهيمنة.
لقد فشلت الدولة السورية منذ منتصف القرن الماضي في بناء هذا النموذج الجامع، بسبب طبيعة السلطة الشمولية التي دمجت الوطنية بالحزب الحاكم، وقامت بتفريغها من مضمونها السياسي لصالح شعارات جوفاء. واليوم، بعد ما تعرضت له البلاد من دمار وتفكك، لا يمكن للوطنيّة أن تعود بالشكل القديم، بل يجب أن تُبنى من جديد، بأدوات تشاركية حديثة.
تأسيس جديد
كما لا بد من الاعتراف بأن الوطنية لا تُفرض بالقوة ولا تُختزل في الولاء للدولة، بل تُصاغ من خلال الحوارات الوطنية، ومن خلال مشروع وطني يحمل مضامين العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة واحترام الهويات المختلفة. ولا يكفي تغيير الخطاب الرسمي، بل يجب بناء مؤسسات تُجسّد هذه القيم عملياً: قضاء مستقل، إعلام حر، إدارة محايدة، وسياسات عادلة في التوظيف والتعليم والتوزيع.
وفي النهاية، الوطنية السورية التي نبحث عنها اليوم ليست حالة وجدانية فقط، بل منظومة فكرية وسياسية واقتصادية تنبني على قيم مدنية، وتُعبّر عن مصالح عموم السوريين بمختلف انتماءاتهم. إنها الهوية الوحيدة القادرة على احتواء التعدد، دون أن تختزل أحداً، وعلى تأمين الاستقرار، دون أن تفرضه قسراً. هي الأفق الوحيد لبقاء سوريا وطناً لا مجرد ساحة.
وهكذا، فإما أن نعيد بناء الوطنية كهوية عليا فوق الجماعات، أو نظل ندور في حلقات الانقسام، ونخسر ما تبقى من وطن يُمكن أن يجمعنا.