
مبادرة المئوية.. معاً لإنقاذ وطننا وشعبنا في ذكرى الثورة السورية الكبرى
تنشر نينار برس نص بيان تحت مسمى مبادرة المئوية يتم توقيعه من النخب الوطنية السورية في المجالات كافة من أجل وقف العنف المنفلت في البلاد والعمل على جعل السيادة الوطنية هي الهدف الرئيس الذي يجتمع حوله السوريون.
وقعت سورية خلال الأيام الأخيرة في كارثة وطنية، فقد ألمَّت بشعبها فاجعة مؤلمة هي الأكبر والأشد خطراً منذ سقوط النظام البائد، من جراء ما حدث في مدينة السويداء، ضربت صميم وجدان المجتمع السوري، وخلقت ندباً عميقاً في نسيجه الوطني، وهدَّدت وحدة البلاد.
نجمت هذه الفاجعة في الأساس عن سوء إدارة السلطة السورية المؤقتة لهذا الملف، وتفرّدها بالقرار والرؤية، ولجوئها إلى الحل العسكري الأمني بدلاً من اعتماد الوفاق الوطني أساساً ومرتكزاً لأدائها، وركونها إلى “منطق الفزعة” الذي يتناقض كليّاً مع “عقل الدولة” الذي أشارت إليه هذه السلطة في البدايات ولاقى ترحيباً شعبيّاً، وتجلَّى ذلك في سماحها بدخول العشائر السورية على خط الأزمة، بما لا يتفق مع القانون ومبدأ سيادة الدولة، ما خلق تجييشاً طائفياً مهوِّلاً، وخلَّف جروحاً غائرة في النسيج الوطني، ستحتاج البلاد إلى زمنٍ وجهدٍ كبيرين لتجاوز آثاره التدميرية. ونحن إذ نسلِّط الضوء على أداء السلطة، فإنَّ هذا لا يعفي أية أطرافا أخرى شاركت في هذه الأزمة من المسؤولية، لكن من المنطقي التوجُّه إلى السلطة بوصفها الطرف الذي يملك الإمكانات والمسؤولة عن إدارة البلد.
جاء هذا المشهد الدامي في مدينة السويداء بعد الأحداث والانتهاكات المؤلمة في الساحل السوري في آذار/ مارس الماضي، وكذلك التفجير الإرهابي في كنيسة مار إلياس في 22 حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما يشير إلى عدم استفادة السلطة المؤقتة من تجاربها، وإخفاقها في تحقيق السلم الأهلي حتى اللحظة.
مع هذين المشهدين المؤلمين والمدمِّرَين، ومع احتمال تكرار النهج ذاته في معالجة الأزمات الوطنية في أماكن أخرى من بلدنا الحبيب، فإنَّ مصير الوطن السوري كله بات على المحكّ، ما يتطلَّب من السلطة المؤقتة أولاً، ومن السوريين والسوريات كلهم ثانياً، جهداً تشاركياً وطنياً إسعافياً، وإجراءاتٍ سريعةً وحازمة لا تحتمل التأخير، ولا سيَّما في ظل تربّص الكيان الإسرائيلي، وسعيه لتخريب سوريا ودفعها باتجاه الفوضى، أكان ذلك عبر العدوان المباشر والمتكرِّر، أو من خلال اللعب بنسيجها الوطني.
للأسف، جاءت هذه الكارثة ونحن على أعتاب الذكرى المئوية للثورة السورية الكبرى التي انطلقت في 21 تموز/ يوليو 1925 (1925-2025) وشاركت فيها شخصيات من جميع المحافظات، وعلى رأسها عبد الرحمن الشهبندر وحسن الخراط ومحمد العيّاش وإبراهيم هنانو والشيخ صالح العلي وفوزي القاوقجي وغيرهم، بقيادة سلطان باشا الأطرش من مدينة السويداء التي – للمفارقة – تتعرَّض اليوم لمحنة قاهرة هي محنة السوريين جميعهم في الحصيلة. ولذلك، نرى أنَّه من حقِّ السوريين والسوريات جميعهم، ومن واجبهم أيضاً، الاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة بوصفها أول عمل حقيقي يصبُّ في إطار بناء الهوية الوطنية السورية، وعدّها مناسبة لإعادة بناء هذه الهوية، كما أرادها أجدادنا قبل 100 عام، فنتجاوز جراحنا معاً ونقف بخشوع أمام الدماء المهدورة، لتكون طريقنا نحو الوطن الذي نحلم به.
نحن، الموقعين على هذا البيان، أفراداً وهيئات وقوى، نطالب السلطة السورية المؤقتة باتِّخاذ الإجراءات الآتية للمرحلة المقبلة ضمن إطار زمني واضح:
1- إتمام الوقف الكامل والنهائي لإطلاق النار في محافظة السويداء، وإدخال المساعدات الطبية والإغاثية إلى أهالي المحافظة مباشرة (المدينة والقرى والعشائر)، واتخاذ إجراءات عاجلة ومحسوسة لتعويض الجميع عن الخسائر البشرية والمادية التي ألمّت بهم.
2- تقديم ضمانات حاسمة بعدم تكرار الخروقات والاعتداءات من أي طرف على آخر برعاية مدنية، وحقوقية سورية، وعربية، وأممية.
3- إيقاف أي عمليات ترحيل لأي فئة أو جماعة سورية من أرضها فوراً، وإدانة أيِّ تغييرٍ ديموغرافيٍّ في أي بقعة من سوريّة، والإقرارُ الواضح بحقِّ كلِّ سوريٍّ في العودة إلى أرضه وبيته في أيٍّ وقت، فكلُّ ما يُفرض بقوة السلاح مرفوضٌ ومدان، وينبغي تجريمُ السلوكيات هذه كلِّها قانونياً.
4- الإقرار المبدئي العام كبادرة حسن نيّة من جميع الفصائل والجماعات المسلحة في سوريا بأنَّ كلَّ سلاحٍ خارج إطار الدولة هو سلاح غير شرعي، وتلتزم القوى العسكرية جميعها تسليمَ سلاحِها إلى الدولة السوريّة الجديدة التي هي وحدها صاحبةُ الحقِّ بحيازة السلاح واستخدامه، على أن تخضع عملية تسليم السلاح هذه، من حيث ترتيباتها وآلياتها وزمنها، لمؤتمر سوري وطني عام وشامل يُعقد في أقرب وقت ممكن.
5- تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، مؤلفة من عددٍ من الممثِّلين عن منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني السوري المعروفة باستقلاليتها ونزاهتها وخبراتها، إضافة إلى حقوقيين ومراقبين من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومن عدد من المنظمات الحقوقية العربية والدولية غير الحكومية.
تقوم اللجنة بإجراء تحقيق شامل في الكارثة المؤسفة في السويداء وأسبابها وتداعيتها، وإصدار تقريرها خلال 3 أشهر، ولائحة اتهام بأسماء مرتكبي الانتهاكات والجرائم من أيّاً كانوا ومن جميع الأطراف، وتحيلهم على القضاء المدني لاتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة. لكن هذا لا يمنع من الانتقال إلى المحاسبة مباشرة لمن يثبت تورطهم بالجرائم والانتهاكات بالدليل القاطع، لما لهذا الأمر من دور تطميني للجميع. إضافة، بالطبع، محاسبة جميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات في أحداث الساحل السوري في آذار/ مارس الماضي.
6- إجراء تعديلات سريعة في الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار/ مارس الماضي لإعطاء الخطوات والإجراءات اللاحقة شرعيتها، من خلال تكليف لجنة جديدة تأخذ في الحسبان بناء الإعلان الدستوري على أساس الوطنية السورية والمساواة الكاملة في المواطنة، بصرف النظر عن الانتماءات الأخرى، وتعديل المواد التي لا تتوافق مع هذه الفكرة المركزية (بناء الإعلان على أساس الحد الأدنى المشترك بين السوريين/ات)، إلى جانب تعديل المادة الخاصة بطريقة تشكيل مجلس الشعب، والإسراع في تشكيله من المؤهلين والأكفاء في القانون والاقتصاد والسياسة والثقافة وعلم الاجتماع، لملء الفراغ التشريعي، وليأخذ على عاتقه إصدار قوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، إضافة إلى المراسيم التشريعية الضرورية.
7- تفعيل بعض القوانين الخاصة، مثل قانون الجرائم الإلكترونية وغيره من القوانين النافذة فيما يتعلَّق بإثارة النعرات الطائفية وخطاب الكراهية، ريثما يتم إصدار مرسوم تشريعي يجرِّم الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية بأنواعه وأشكاله وطرائقه كافة، بما يضمن تثبيت قوة القانون وشرعيته واستتباب السلم الأهلي.
8- حلُّ لجنة السلم الأهلي الحالية، وتأليف لجنة جديدة من 25 عضواً موزعين كالآتي:
ممثل عن السلطة المؤقتة، ممثل عن وزارة العدل، ممثل عن نقابة المحامين، 3 ممثلين عن القوى السياسية، 5 ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، وممثل واحد عن كلِّ محافظة سورية (14). تقوم هذه اللجنة بوضع خطة استراتيجية كاملة وتنفيذها لتعزيز السلم الأهلي، ويستمر عملها طوال المرحلة الانتقالية، وتتضمن برامج وندوات وورشات عمل وفعاليات ميدانية ورعاية وتمويل مبادرات مجتمعية، تهدف إلى تعزيز التفاهم والتصالح بين المجتمعات السورية المتنوعة، ودمجها في الإطار الوطني. إضافة إلى ضرورة تعديل مرسوم هيئة العدالة الانتقالية بحيث يضمن استقلاليتها من جهة، ومشاركة المنظمات الحقوقية والمدنية التي عملت طويلاً على هذا الملف وبات لديها خبرة متراكمة من جهة أخرى.
9- تأليف لجنة دائمة لإدارة الأزمات المماثلة، تضمُّ ممثلين من الحكومة (وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وزارة الصحة، وزارة الإعلام… إلخ)، إضافة إلى ممثلين من المجتمع المدني بعددٍ مماثلٍ، على أن تكون هذه اللجنة مخوّلة باتخاذ القرارات بما يحافظ على السلم الأهلي، ويمكّنها توزيع المهمات وتنفيذها ومتابعتها بين أعضائها وفق نظام أساسي تعتمده.
10- الإعلان عن عقد مؤتمر وطني سوري عام وشامل خلال ثلاثة أشهر على الأكثر:
تحتاج السلطة المؤقتة إلى البدء من الداخل لقطع الطريق على التدخل الخارجي في سيادة الدولة، وإلى التعامل مع أحداث السويداء والساحل بوصفهما جزءاً من الأزمة السياسية في سوريا، والتي تتطلب التخلِّي بصورة نهائية عن الحلول العسكرية الأمنية، وإعادة النظر في جميع الخطوات التي اتَّخذتها السلطة منذ سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر 2024، ويأتي في مقدَّمها ضرورة عقد مؤتمر وطني سوري عام حقيقي خلال مدة لا تزيد على 3 أشهر.
على أن يكون هذا المؤتمر:
– عادلاً من الناحية التمثيلية للشعب السوري وقواه السياسية والمدنية وفئاته الاجتماعية المتنوعة دينياً وطائفياً وإثنياً، ومن الجنسين.
– أن يستمرَّ في أعماله إلى حين الوصول إلى استراتيجية وطنية توافقية واضحة الخطوات، ضمن إطار زمني معقول للمرحلة الانتقالية، باستلهام روح المؤتمر السوري العام الكبير الذي استمرت أعماله لمدة 13 شهراً تقريباً، بدءاً من أواخر حزيران/ يونيو 1919 إلى 19 تموز/ يوليو 1920.
مهمات المؤتمر:
– تشكيل مجلس عسكري أمني مؤلف من خمسين عضواً مهمته إعادة بناء الجيش السوري والجهاز الأمني على أسس وطنية، ويلتزم عقيدةً وطنيةً وحسب، بإشراف من قيادة الجيش الحالية وعددٍ من الضباط المنشقين وقادة الفصائل والجماعات المسلحة الأخرى التي ما زالت خارج الجيش، وعلى التوازي يُجمع كامل السلاح الموجود في عموم الأرض السورية، ويُسلَّم إلى الدولة/الجيش الوطني، إضافة إلى إدماج المسلَّحين الراغبين في هذا الجيش.
– وضع الإطار العام لقوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وتشكيل لجنة لكتابة الدستور، وتحديد ثوابت السياسة الخارجية ومرتكزاتها الرئيسة في المرحلة المقبلة، وتشكيل اللجنة الوطنية العليا للانتخابات (البرلمان والرئاسة) لإجراء انتخابات على مستوى الإدارة المحلية، وانتخابات لمجلس شعب جديد، وانتخابات رئاسية في نهاية المرحلة الانتقالية.
نحن الموقعين أدناه
ننظر إلى هذه المطالب بوصفها خطوات ضرورية وملحَّة ولازمة لبقاء سورية موحدة، ورأب الصدوع التي ألمَّت بمجتمعها خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية وحتى اللحظة الراهنة، ومواجهة أي تدخلات خارجية تطمح للعبث بنسيجنا الوطني، وهي مناسبة لاستعادة الزخم الشعبي الذي عبَّر عن نفسه بقوة بعد إسقاط النظام البائد في 8 ديسمبر الماضي، وفرصة للسلطة لاستعادة الشرعية الشعبية التي حصلت عليها في البدايات، وإثباتِ أهليتها في إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
نحن السوريين اليوم أمام لحظة مفصلية وحاسمة في تاريخنا، لحظة يمكنها أن تنقلنا إلى دولة ديمقراطية حديثة تتخلَّق معها الوطنية السورية، ويُعاد فيها الاعتبار لمعنى الشعب السوري، لحظة يُصبح لدينا فيها وطنٌ حقيقي نحبه ونحترمه وندافع عنه بعقولنا وأرواحنا وأسناننا، لكنَّ هذه اللحظة بمقدار ما تتطلب العقلانية والصبر، فإنَّها تتطلب أيضاً بالقدر نفسه روحاً سوريّة مُحبَّة ومسؤولة وتشاركية وحريصة، بعيداً من الأنانية والاستئثار والتبعية، وكلنا مسؤولون عن عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية والثمينة.
إننا نضع هذه المبادرة بين يدي الشعب السوري لتبنّيها واعتمادها بالطرائق الممكنة كافة، ولمنحها الزخم الشعبي والقوة اللازمة في الفضاء السوري العام.