
دور الأيتام.. منازل الرحمة
تابعت هذا الأسبوع اعتقال مديرات دور الأيتام، وهن أكثر النساء السوريات نشاطاً في العمل الإنساني وأكثرهم عطفاً على اليتيم، وقد عملوا في أخطر الظروف وأقساها، ووقعوا تحت ضغط المخابرات وبطشهم، واختاروا الصمت والعجز!! وكانوا ينتظرون يوم الخلاص من الظلم، ولكنهم وجدوا أنفسهم وراء القضبان.
لا أحد يريد التقليل من هول الجريمة وبشاعتها، عندما كانت السجون الإجرامية للنظام البائد تعج بنساء معتقلات، منهن حوامل، ومنهن من اغتصبن في عنابر السجون الرهيبة، وحين قدمت إلى الدنيا النفس البريئة حملها السجانون بقسوة ومنحوها قيد نفوس لمجهول الهوية ثم أرسلوها إلى دور الأيتام بكتاب حكومي.
لا يوجد جريمة أكثر توحشاً ودناءة وبشاعة من هذا اللون من الجرائم.
ولكن ما هي مسؤولية دار الأيتام؟ وهل تستطيع النساء العاملات في جو العطف والرحمة أن تواجه توحشاً من هذا النوع الإجرامي؟
لقد كانت لديهن شكوك بكذب وثائق الدولة بشأن الأطفال، وأنهم ليسوا مجهولي الهوية، وإنما هم أبناء المعتقلات الصابرات، ولكن هل كان بالإمكان لأي منهن أن تذهب إلى السجون لتتأكد من صحة خطاب الدولة، وتتعرف على الأمهات الحقيقيات؟؟
نعم.. سيكون عظيماً لو أن هذه النسوة أوتين شجاعة الخنساء أو جان دارك وأحرقن أنفسهن في سبيل الحقيقة وستكون هذه النساء بكل تأكيد بطلات في التاريخ الإنساني.
ولكن هل يقع هذا في التكليف الإنساني؟ وهل كنت أنت ستفعل لو واجهت ذلك؟
لقد اخترن الصبر والقهر وقمن بما يمليه الواجب لرعاية اليتيم الذي لا ذنب له، وبالتأكيد فإن أي تصريح أو تلميح إلى شكوك بوثائق الدولة كان سيودي بهن إلى الجحيم!
كانت السيدات ينتظرن نهاية الظلم والقهر ليرفعن قهرهن أمام الناس ويساعدن في الوصول إلى الحقائق، ولكن عتاة المجرمين ركبوا الطائرات إلى روسيا ووجدت النساء أنفسهن وراء القضبان!!
والمؤلم أنهم وجدوا على الميديا شامتين يفركون كف بكف، ويلقون على كل نار زيتاً وباروداً ومكراً، وظهر في الناس طبقة جديدة من الحرس الثوري الغاضب ينشط فيسبوكياً، ويطالب بنصب المشانق، ولديه لكل متهم قصة ورواية وحكاية وصورة مخططة على قائمة مترية، يمارس الشماتة والانتقام ضد كل متهم، ومع أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولكن الحرس الثوري بات يدين الجميع ويطالب بمزيد من الدماء.
لا يعلم هؤلاء الفيسبوكيون أنهم يرسمون صورة وطن مرعب، تتم إدانة الناس فيه برغبة رئيس مخفر، ويتم تدمير حياتهم وسمعتهم ومستقبلهم قبل أن يقفوا أمام أي قاضي عدالة.!!
لا يعلم هؤلاء أنهم يدمرون مشاريع بلدهم في إعادة الإعمار وإطلاق التنمية والمشاريع الحيوية حين يشيعون جواً من القلق والخوف في وطن لم يتعاف بعد، ويرسمون صورة حكومة تتربص بالناس ولا ترحم أحداً، وتأخذ الناس على أسوأ موارد الظن؟
لقد قمنا بالتعاطف مع مديرات دور الأيتام وكتب كثيرون في ذلك، ونريد أن نحمي هذا القطاع النبيل في بلادنا قطاع رعاية الأيتام قطاع الرحمة والمحبة، ونريد مكافأة هذه السيدات بما يليق بإخلاصهن ونشاطهن وصبرهن.
يجب أن تبقى الصورة الجميلة بقطاع رعاية اليتيم صورة المؤسسة الإنسانية النبيلة التي سترعى عشرات الآلاف من الأيتام الذين قذفت بهم الحرب إلى المجاهيل، وهي بحاجة أكيدة إلى ثقة المجتمع ودعم الدولة حتى تؤدي دورها الإنساني النبيل.
وقد استجابت الدولة بالفعل وتم الإفراج عن عدد منهن، وتم تحويل الأمر من اعتقال إلى استجواب، بحيث تكون دور الأيتام شريكاً في البحث عن الحقيقة وليس طرفاً في كتم الأنساب.
قد لا يقبل بعضكم هذا التبرير ويصر أنهن مذنبات، وأن عليهن أن يتحملن نتيجة صمتهن، ولكن علينا أن نأخذ قواعد العدالة التي تقضي بدرء الحدود بالشبهات، وإعذار الناس وتقدير ظروفهن، وإذا كان عفو الثورة وغفرانها لا يصل إلى هؤلاء فمن إذن هم الذين قالت لهم الثورة: اذهبوا فأنتم الطلقاء!!
راعيات الأيتام اليوم لسن مسؤولات عن الجريمة، ولكنهن مسؤولات عن محاصرة الجريمة، والبحث عن بصيص أمل لأطفال مظلومين من حقهم أن ينتسبوا إلى بطلة مجاهدة وليس إلى مجهول.
نتعاون جميعاً من أجل هذا الملف الإنساني النبيل، ومن أجل صورة أكثر طمأنينة لبلادنا ودولتنا الجديدة.
نريد وطناً بلا رعب، بلا ذعر، يأمن الناس فيه على أموالهم وأنفسهم، ويخرجون من الماضي بروح التوبة والندم، دون أن تعلّق المشانق.
نريد عدالة تدرأ بالشبهات وتأخذ بالاعتبار ظروف الناس وفوضى المجتمع وسطوة القهر وغياب القانون.
نريد عدالة لوطن يتعافى، ويعيش أبناؤه روح التسامح والإعذار، فكلنا على مركب النقص، والكامل الله.