من النخبة المنتِجة إلى النخبة المنتَجة- نُذر الذكاء الاصطناعيّ
(يحاول هذا المقال الإشارة إلى آخر مستجدّات اللصوصيّة في مجال الإنتاج العلمي والفكري العربيّين من خلال الاستعانة بالتقنيات الحديثة ولا سيما آخرها الذكاء الاصطناعي)
من البداهة بزمان ومكان أنْ لا أحد ينكر أنّ الصفة اللازمة للنخبة هي شرطيّة الإيجاب الإنتاجيّ، أي التحوّل من النمط الثقافيّ المستهِلك إلى المستوى الفكريّ المنتِج. وهذه لازمة شرطيّة ومتعالية لا تاريخيّة، فهي لا تخضع لظروف التاريخ وحركته من ناحية الوجود، وإن كانت تتفاوت من مثال إلى آخر، بشريّاً وزمانيّاً ومكانيّاً، أي هي تختلف نوعاً وكمّاً بين واحد وآخر، وليست تختلف وجوداً، ولا تقبل ثنائية: الوجود والعدم، إلّا على نحو مجازيّ تهكّميّ، كما هو الحال في ثنائية الحياة والممات، اللتين لا يمكن اجتماعهما في كائن واحد إلّا على بيان مجازيّ، على نحو ما قال شوقي في الشعراء:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحيائي
وافتقاد هذا اللازم الشرطيّ الوصفيّ الوجوديّ، قد كان عبر التاريخ محصوراً في حالات استثنائيّة نادرة، حالات فرديّة تتلقّطها العيون العلميّة الفاحصة، ويشار إليها بالبَنان النقديّ الجارح؛ فمتى وُجد نخبويّ مشكوك في امتلاكه هذه الصفة واكتمالها وخلوصها من الانتحال والتدليس والافتراء والزعم المكذوب، تجد أنّه مرصود في عيون محيطه النخبويّ مكشوف على ذوي الخبرة والمعرفة والإتقان؛ فهو محطّ ازدرائهم وحرصهم على تحاشي التفاعل معه ومع نتاجه، مخافة نقض طهارةَ المكانة العلميّة لهم، وإبطال صحّة الصلاة في جامع البيان والتبيين، كالمحراب الذي لا يجوز لجُنُب أن يقوم فيه إماماً ولا بين صفوف المصلّين مأموماً.
وقد كان افتقاد هذا اللازم الشرطيّ لمن يتصدّى للعلم والبحث، أي ملكة الإنتاج والقدرة عليه وما يتبعه من اكتساب أدواته ومتطلّباته، وتحوّل من حالات نادرة إلى ظاهرة ملحوظة عبر تسهيل هذا الشرط، كان في عرف الأوّلين من الخيالات المحالة الوقوع، أو بتعبير علماء المنطق وأهل الأصول هو احتمال منطقيٌّ متصوّرٌ عقلاً محالٌ واقعاً؛ إذ تحوّله إلى حقيقة واقعة في أمّة من الأمم لا يعني تدهور العلم وحسب، بل يعني- أيضاً- تسميم منبع الأخلاق في هذه الأمّة. وذلك أنّ مَن افتقد هذا الشرط، وزعمَه كذباً، فلا بدّ أن يمتهن الكذب بوصفه معادلاً موضوعيّاً وهميّاً للِازِمِةِ الإنتاج الفكريّ والمعرفيّ.
وقد فرّق العلماء قديماً وحديثاً في الثقافة بين المستهلِك والمنتِج، تفريقاً نوعيّاً، بوصفهما صنفين متمايزين، فجعلوا الاستهلاك الثقافيّ حالة ثقافيّة سلبيّة مقارنة بالحالة الإنتاجية التي وصفوها بالثقافة الإيجابيّة؛ وعليه، فربّ مثقّفٍ وقارئ نَهِم لو استظهر ما في صدره لأبهر وأعجز، لكنّه يعجز عن إنتاج شيء يسير ممّا يستهلِكه. ولهذا فقد وُجدت عند أسلافنا علم الأصول وحقوله التي تشرّع أسس العلوم المتعلّقة بها وتضبط قوانينها ومناهج بنائها [تفرّع عن علم الأصول في تراثنا العربيّ ثلاثة حقول اشتهرت دون غيرها، وذلك لأهمّية العلوم التي اشتغلت عليها، وهي أصول النحو، وأصول الفقه وأصول الحديث، علماً أن لكلّ حقل معرفيّ أصوله المرعيّة التي يعرفها أهل كلّ تخصّص].
وأمّا في عصرنا الحديث فقد وُجِدت الأكاديميّات التخصّصيّة الخاصّة بهذا المجال، فصار ما يعرف بعلم المنهج وصناعته. وهو امتداد حديث لعلم الأصول الذي ابتدعه القدماء. وقد حقّق هذا العلم المنهجيّ قفزاتٍ علميّةً مهولةً أحدثت شبه قطيعة معرفيّة ومنهجيّة مع علوم الأوائل والأصول الأولى، فبات معها شيءٌ من الشرخ المنطقيّ والفجوة النقديّة بين مَن ظلّوا على أصول الأوّلين في طرق القراءة واصطناع المناهج، ومَن أخذ بسبل المنهجيّات الحديثة والراهنة؛ شرخ وفجوة أصبح معهما التفاهم بينهما [بين النموذجين] يحتاج إلى مترجم متخصّص ضليع بلغتين منهجيّتين متباينتين ومن أسرتين لغويتين مختلفتين. وحقّاً نقول كان هذا إحدى مسبّبات التراجع النخبويّ المنتِج، وممهّداً إلى استظهار جيل من النخبويّين العاجزين عن تجاوز اجترار مضروس الماضي؛ فهم في أحسن حالاتهم وأرقاها وأميزها يجترّون مادّة ابتُسِر دسمُها، فأضحت نتائجهم شكلَ طعامٍ ولا طعامَ وشبهَ طاقةٍ ولا طاقةَ. فما كان الاجترار إلّا ضموراً وتآكلاً في الجسد الثقافيّ الذي أمسى على الطَوى من دون غذاء نافع يبني جسداً سليماً وفكراً نقيّاً.
التطور البنيوي والطبقي للنخبة العربية
لقد استطاع علماء العرب ونخبتهم، عبر تاريخهم الوجوديّ والحضاريّ، أن يحافظوا على مبادئ العلم ومعاييره المنطقيّة والأخلاقيّة، وبرعوا حتى أبدعوا في وضعهم ضوابط أصوليّة قريبة من الإحكام أو تكاد، وقتلوا هذا العلم (إلى حين) بحثاً وتأصيلاً وتطويراً، حتّى جاءت عصورٌ من الانهيار الوجوديّ المفضي إلى جمود في بنيته وعجز على تحريكه والمحافظة على مسيرته واستكمال نموّه البيولوجيّ وتطوّرهِ الفوقيّ (بوصفه بنية فوقيّة للمجتمع). وتوالت المحن والنكبات والتشوّهات المعياريّة الضابطة، حتّى صار المتَصَوّرُ عقلاً المحالُ واقعاً في الزمن الماضي، متحقّقاً عقلاً معهوداً واقعاً في يومنا هذا الذي نحياه.
فإلى زمن قريب كانت نخبتنا العربية تتميّز بالقدرة على المواصلة وتحمّل العناء ومكابدة المشقّات بحثاً وجمعاً وتمحيصاً وترتيباً وتدريباً وإنتاجاً، فكانت القدرة الإنتاجيّة مسلّمةً مأمونةً محصّنةً بالتعب والمران والأخلاق والإخلاص لها والشغف بها والصدق في صيانتها. وقد كان التفاضلُ بينهم يجري في نوع هذه المسلّمة وكمّها المتراكم؛ أذ بعضهم بزّ كمّاً وبعضهم فاق نوعاً، وآخرون تأخر بهم ميدان المنافسة في الحالين. لقد كانت ظروف هذه الطبقة وبيئتها تؤمِّن هذه المسلّمة وتنمّيها، فالقراءة والتنقّل بين المكتبات، والأدوات اليدويّة الحصريّة والوسائل العقليّة البيولوجيّة الطبيعيّة كلّها كانت مكتسبات نقيّة في بشريّتها ولا مجال للاستعاضة عنها، حالها حال الممتَحن المعزولِ في غرفة، فمحال أن يعتمد على غير نفسه وما تنتجه له من أدوات وآليّات. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه صفة (الإنتاج اليدويّ الفرديّ). وأمّا اليوم مع توافر الوسائل التقنيّة الجديدة التي ساعدت على تطوير البحث العلميّ والإنتاج الفكريّ – ولا شكّ – وقدّمت له خدمات جليلة، فلكنّها مع ذلك قد أسهمت في إنتاج طبقة جديدة من النخبة الجديدة ذات القدرات الشعبيّة العامّة، العاجزة عن أن تمتلك أدوات تحقّق الشرط الإنتاجيّ وتنمّيه، فإذا كانت المرحلة اليدوية تستلزم توافر هذه الأدوات وتحتّم تمكينها وتطويرها، كالراجِل المسافر إلى مقصده البعيد، الذي وفّرت له رحلته شرط الحركة واستلزمتها وحتّمت عليه التعويد عليها وجلبت له ما تجلبه رياضة المشي من فوائد ونتائج، حتى لو لم يكن يسير بقصد الحركة والتمرين وإنّما كان استرجاله عائداً إلى انعدام وسيلة أخرى تبلّغه مراده.
لقد حذّر كثير من المفكّرين والفلاسفة والمتخصّصين في تاريخ التطوّر البشريّ من مغبّة الآلة ومن تطوّر وسائل ما بعد الحداثة، ونبّهوا إلى خطورة تلك القفزات التقنيّة على البشر أخلاقيّاً وفكريّاً وعلميّاً [يرى بودريار أن الإنسان صار واقعاً افتراضياً بيد الآلة، وأنها حكمت على الواقع بالموت، ويقول إن الآلة لا تنتج إلا الآلة بحيث بتنا نشهد واقعاً ينعدم فيه التمييز بين الإنسان والآلة. يُنظر كتابه حياتنا تتحول إلى فضاء رقمي، كذلك المصطنع والاصطناع. وكتاب الفكر الجذري وأطروحة موت الواقع. وكتابه التبادل المستحيل]، بل إنّ منهم من أنذر وأعذر وربط بين الآلة وموت الإنسان وجعلها البديل الوجوديّ الجديد المنذِر بنهاية الإنسان وزواله [يُنظر كتاب يوفال نوح هراري العاقل، ص 481 وبعد].
الآلة الفرنكشتانية المرعبة
لقد تمكّنت النخبة الغربيّة من خلق تقنيّات علميّة جديدة، ليس أمام العقل البشريّ إلا الوقوف حيالها مشدوهاً مذهولاً. واستطاع العلماء الغربيّون بما توافر لهم من الحرّية والإيمان بالعلم، من الوصول بالتطوّر التقنيّ إلى مستويات علميّة خارقة كانت بالأمس القريب ضرباً من الخيال ونوعاً من الإعجاز. بيد أنّ العقل العربيّ بما حُرمه من لوازم الحرّية وفضائلها وبما اُبتلي به من عجز عن التقدم ونكوص وخذلان، أصبح، بعد أمس تاريخيّ مجيد، وقد وهنت عزيمته وقدرته على غير الاستهلاك والشحاذة من متجر الغرب وما جاد به للسبيل. فإذا كانت بعض نخبنا بالأمس القريب صنيعةَ الفكر الغربيّ نتيجةَ التأثّر والتداخل والارتحال إلى جامعاتهم ومراكزهم العلمية وحواضرها والنهل منها جديد العصر (صنيعة بيد أنّها منتجة وقدّمت للفكر والثقافة العربيتين الشيء الكثير)، إذا كان ذلك كذلك بالأمس فمعظم الجيل الجديد من الباحثين صار اليوم تحت سطوة الاستخدام السلبيّ والتأثير الضارّ لهذه التقنيات، أي أنه جيل تجاوز مرحلة التحاور الجدليّ مع الفكر الغربيّ ليصل إلى مرحلة يكون فيها صنيعة وسائلهم بمعنى أنّه أصبح صنيعةَ صنيعةِ ذاك الفكر ومنتجه التقنيّ؛ فما بالك بأكاديميّ نخبويّ لا يجيد ابتداع عنوان فقرة، وينكص أسلوبه عن تبيين فقرة وحياكتها، وتنقطع أنفاسه عن وصل فقرة يتيمة بأخرى تكملها ومن جنسها، وأين؟ في حقول العلوم الإنسانيّة التي عمادها الإبداع والتميّز الذاتيّين المختلفين، هذه العلوم التي كان يقال فيها: “الأسلوب هو الرجل”؛ للتأكيد على ضرورة البصمة البشريّة الخاصّة، وعلى أنّها حقولٌ جوهرُ نتاجِها هو تلك الرّوح الفرديّة التي تميز كلّ باحث عن سواه، بحيث تكون له بصمته التي لم يخلق الله بشرينِ متماثلين فيها؛ ليغدوا الأسلوب اليومَ في هذه الحقول هو التقنيّة، بعد استبدال الذكاء الاصطناعيّ الآليّ بالذكاء الإنسانيّ الخلاّق…. ماذا ننتظر من هذا الباحث وذاك المفكّر غير أن يصير الواحد منهم تحت رحمة آلة فرانكشتانيّة خبيثة، يستجديها العمل نيابةً عنه ويرتضي أن يكون تحت إمرتها وطوعَ يديها وواجهةً شكليّة أكاديميّة مزيّفة، لا تعرف مهنةً غيرَ الكذب ولا تستمرئ عذباً خلا خيانة الشرف العلميّ، حتّى يصير الحرام ديدنها، فتضيع وتضيّع أجيالاً لاحقة. والعبد رهين خالقه، وجيل باحثي اليوم أغلبه صار خلقة التقنيّة وعبداً يسبّح في محراب ربوبيّة تلك الآلة. ولا أحد ينكر فضل التقنيّة وضرورة الاستعانة بها والإفادة منها في عالم البحث الأكاديميّ، لكنْ على أنّ تظلّ وسيلةً تحت إدارة الباحث وسيطرته، تعينه على ما ينتج، لا أن يفوّض أمره إليها لتنتجه هو، ولا أن تكون أداة سرقة وسطو في هذا الفضاء التقنيّ الذي أباح المعلومة وقرّب موردها لتنميتها وتجاوزها لا لاختلاسها وتزويرها، فتكثر النخب المزيفة ويقلّ العلم الجديد النافع، بحيث نصير أمّة تنتج باحثين ولا تنتج أبحاثاً، وتقع ضحيّة عطالة ثقافيّة وبطالة عقليّة، ولا بطالة أخطر على أمّة من بطالتها العقليّة.
لقد أبدعت ثقافتنا العربية عبر تاريخها الطويل نخباً وطبقات كان لها بصماتها العلميّة والفلسفيّة الجماليّة المعتبرة، والتي أثرت تاريخنا العربيّ غنى وبهاء جمالاً وجلالاً [ولهذا كان علم الطبقات من بواكير هذا الفكر المنتِج]. واستمرّ هذا المعين الثرّ من دون انقطاع مع ما تخلّله من صعود بيانيّ بلغ ذروته [في القرنين الثالث والرابع وبعض الخامس ومحطّات من السادس] ثمّ جمد عدداً من القرون لكنّه ظلّ نابضاً بالحياة، ثمّ مرّت عليه عصور الانحدار والاسترجاع والشروح والحواشي والذيول [في العصرين المملوكي ّ والعثمانيّ]، لكنّه أيضاً لم يمت، ولم يتخلَّ العلماء فيه عن كرامة البحث والإنتاج وصدق العزيمة والمحاولة. ثمّ أعقب ذلك كلّه عصر النّهضة العربية، فانبلج فجر علميّ جديد جاد علينا بنخب أثمرت وأعطت لنا خيرة عصاراتها البحثيّة. ذهب كلّ ذلك حتى صرنا بين يدي السّاعة الراهنة، فأضحى التحصيل العلميّ الأكاديميّ ومؤسّساته البحثيّة العليا التي تتولّى إخراج الباحثين المنتجين، أضحى قوالب مكرورة في العناوين والمضامين الموهمة بالجدّة والابتكار، ولا جديد فيها يرضي ولا مورد يروي من ظمئ. شيئاً فشيئاً، حتّى بات هذا الحقل ليس أكثر من واجهات اجتماعية وزينة للمباهاة والتعالي المزيّف، وصارت السرقة والإغارة على مجهود الغير فروسية أكاديميّة وشطارة علميّة. وأصبحنا وقد جفّت منابع الفكر الوقّاد، وغابت الأسماء الفكريّة التي كانت لنا حتى أمسنا القريب منارة نهار وفنار ليل. فيبدأ هذا الباحث الجديد على استسهال النشل والانتحال، ثم يصير له عادة وديدن، وإن توهّم في بادئ بدئه أنّها مرحلة اضطراريّة طارئة وسيقلع عنها ويتجاوز موبقاتها، فإنّها لا بدّ أن تصير إدماناً وعادة وحالة دائمة، ثمّ رويداً رويداً يفقد مقوّمات الصدق وثوابت الأخلاق والنزاهة، حتّى يفقد معها إنسانيّته، ويستبدل بها توحّشاً انتهازياً في مجاله؛ إذ لكلّ حقل أخلاقيّاته وضوابطه التي تتمثّل فيها إنسانيّة هذا الحقل، ومجلى إنسانيّة الحقل العلميّ الأكاديميّ هو القدرة على الإنتاج والصدق فيه؛ متى فقدهما استحال وحشاً فاتكاً أوّل ما يفتك بصنّاعه ليعيد تشكيلهم نسخة سيميولاكريّة مزيّفة في صورة نخبة بشريّة أكاديميّة. ومحال أن تنهض أمّة كان بناة فكرها عجزةً جبناء عن التقدّم في الحرث العلميّ وإنتاجه، فهم القدوة وهم قادة الجيل إمّا إلى العلياء وإمّا إلى الانحلال والحضيض. [لقد صارت ظاهرة السطو على الرسالات والأطروحات العلميّة المنشورة على النت في حقول الدراسات العليا ظاهرة طاغية وسهلة الحصول، في الوقت الذي تكون فيه عسيرة الكشف، بل في بعض حالاتها وهي الأكثر انتشاراً والأخطر تأثيراً مستحيلة الضبط وذلك في الاعتماد على تغيير العناوين وتحويرها، وتبديل الفقرات وجمعها من مدونات متعدّدة. أي هي اليوم ظاهرة محال علاجها والحدّ منها فهي في اتساع وتطوّر دائمين مع تطّور التقنيات الحديثة، ما يعني تهميش الأساس الأخلاقيّ لهذه الحقول، ومن المفارقة أنّ هذه المرحلة صارت تعدّ مرحلة تعلّم على تطوير مهارات التعامل مع هذه التقنيات أكثر منها مرحلة إعداد الباحث لتنمية مناهجه وتوسيع مباحثه وتمكينها؛ وعليه لا أستبعد في زمن قريب أنّ يفضي هذا الحال إلى موت الدراسات الأكاديمية في الجامعات وأن يستعاض عنها بولادة حقول بحثيّة بديلة].
يروى أن البخاريّ سمع بحديث فأراد أن يستوثقه من صاحبه، وقد كان هذا في بلدة أخرى احتاج معها إمام الحديث في عصره إلى أيّام من الحلّ والترحال للوصول إليه، وأوّل ما صدفه وجده “يتستس” لفرسه [يضع لها يديه موهمها أن فيهما ما تأكله لتأتيه وهو يناديها بعبارة تس تس] فتركه من فوره دون أن يسأله أو يحدّثه بكلمة، وقال: “مَن يكذب على بهيمته لا يؤتمن على حديث ولا يوثق بعلمه”. [هذا ممّا شاع عند أصحاب الحديث، لكن الأصوليّ عبدالرحمن المعلمي اليمانيّ ذكرها ولم يحدّد أحداً بعينه بل قال إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا يستوثقون حديثاً عند أحدهم فوجدوه يوهم بغلته، فرجعوا ولم يأخذوا منه ، وقالوا: “هذا يكذب على بغلته فلا نأمن أن يكذب في الحديث”. الأنوار الكاشفة، ص90.]
لقد كان علماؤنا ونخبتهم يتفاضلون بحصيلة إنتاجهم، إذ القدرة عليها من المسلّمات التي لا تمايز فيها بينهم، واليوم عصر هذا الجيل الراهن، صار عدم الغشّ في الإنتاج علامة تميّز وتفوّق يفاخَر بها بين الأقران.
إنّ الذي اعتاد السرقة ولو بحرف سيدمنه سيرَ حياته، فما بالكم بنتاج كلّ ما فيه نسخ ولصق وذكاء اصطناعيّ. [اليوم أمسى بإمكان الباحث العاجز أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي (CHAT GPT) لصياغة عناوين الأبحاث، وكذلك لإعادة صياغة الفقرات وتنسيقها وبأكثر من احتمال، فيعطيه صياغات: فلسفية أو نقدية تحليلية أو شاعرية أدبية أو ساخرة تهكمية وهلمّ جرّا.
حين تصير الكلمة نشلاً فلا تأمن على خزائن الأخلاق والإبداع من التشويه والانتهاب والضياع، وحين تصير الثقافة نهباً من ماء الغير، فلننتظر تصحّر بيئتنا وموتنا.