
في طبيعة الصراع والشرعية ومهام النخب السياسية والثقافية الوطنية
أعتقد أن بناء وعي سياسي نخبوي وطني وتحديد البوصلة الوطنية لممارسة النخب السياسية يقتضي بالدرجة الأولى الواقعية السياسية، ويقوم بالضرورة على قاعدة ما تكشفه القراءة السياسية الموضوعية من وقائع حول طبيعة الصراع على شكل السلطة ومصير الكيان الجيوسياسي السوري[1]، دون تجاهل عوامل السياق التاريخية السورية والخارجية التي صنعت مسارات وصيرورة إسقاط سلطة الأسد في الثامن من ديسمبر المجيد.
في أهم جوانب إدراك طبيعة الصراع على سوريا، يأتي تقديم قراءة واقعية حول طبيعة التناقضات داخل السلطة، ومع خصومها وأعدائها، إضافة إلى تحديد مهام التيارات والاحزاب والنخب الوطنية في ضوء وعي تلك الحقائق، وعوامل قوة شرعية السلطة.[2]
أولاً: في طبيعة التناقضات داخل هياكل وقوى السلطة الجديدة
1- السلطة السياسة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تتكون بشكل أساسي من التيار المعتدل والمدني، وتضم معارضين قدامى وشخصيات مستقلة ومثقفين وإعلاميين، ونخبة من رجال الدين ومن رجال الأعمال والتكنوقراط العائدين من أوروبا والولايات المتحدة… العامل المشترك هو السعي لبناء دولة مؤسسات مدنية، تسعى لتوفير شروط انتخابات، وحريات سياسية، ومشروع نهضة اقتصادية، وانفتاح على العالم، وهي بذلك تحظى بدعم إقليمي ودولي متزايد الفعل والتأثير الإيجابي.
2- إذ يقوم على قيادتها العسكرية طيف واسع من الكوادر والقيادات الأكثر خبرة والتزاماً بأهداف النهج السياسي، وما يتطلبه على صعيد بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والحرص على توفير شروط السلم الأهلي وحماية مقومات الأمن القومي السوري، يقف في صفوف السلطة الجديدة السياسية والعسكرية، وعلى يمينها، وفي موقع المنافس والخصم، قوى التيار الجهادي السابق، الذي يشمل مقاتلين وقادة من هيئة تحرير الشام وفصائل إسلامية كانت نشطة في إدلب وشمال سوريا، وشاركت في هجوم رد العدوان، وتحتل مواقع وشرعية متزايدة الأهمية في ظروف الصراعات اللاحقة على الساحل السوري والسويداء، ومن الطبيعي أن تختلف رؤيتها عن التيار السياسي القيادي حول شكل السلطة الجديدة ومآلات العملية السياسية، وأن تسعى لدفع مسارات العملية السياسية وفقا لرؤيتها “الإسلامية” الإيديولوجية، المتناقضة مع عوامل سياق صيرورة السلطة الجديدة نظام سياسي سوري!.
3- يقف في صفوف السلطة أيضاً التيار القبلي والمحلي الديني التقليدي، ويمثل بعض رجال الدين وقادة العشائر والقوى المحلية التي انضمت لاحقاً للسلطة، بحثاً عن دور سياسي أو حماية مناطقية.
4- أعداء هذه السلطة على الصعيد السوري، هي سلطة قسد الموازية، التي تسيطر على أكثر من 25% من مساحة سوريا، وتسعى بكل الإمكانيات والوسائل لدفع الصراع السياسي على شكل السلطة على مسارات اللامركزية السياسية وإقامة أقاليم على نموذجها في الساحل السوري والسويداء لأنه السياق السياسي السوري الوحيد الذي يضمن لكيان إقليم شمال وشرق سوريا البقاء، وقيادة قسد، الحفاظ على ما حققته من امتيازات في مسارات وصيرورة مشروع تقسيم سوريا منذ مطلع 2015.
من الطبيعي أن يقف في هذا الخندق المعادي للسلطة بجميع مكوناتها وتبايناتها طيف واسع من النخب السياسية والثقافية السورية، العربية والكردية، التي كانت معارضة لسلطة الأسد، لكنها انحازت سياسياً، وارتبطت بأشكال مختلفة من العلاقات مع مسد، وباتت في سياسات الصراع ما بعد إسقاط سلطة الأسد تعول على مشروع اللامركزية السياسية القسدي، بما يجعل منها بعض أدوات تعميم النموذج، خاصة في الساحل السوري والسويداء.
ثانياً، في إشكالية شرعية السلطة الجديدة
بالمقارنة التاريخية الموضوعية، هذه القيادة العسكرية والسياسية الجديدة التي يقودها الرئيس الانتقالي، (والتي وصلت إلى السلطة في الثامن من ديسمبر بفضل توافق أهدافها وجهودها الساعية لإسقاط سلطة الأسد وتفكيك شبكة السيطرة الإيرانية مع عوامل سياق خارجية، أمريكية وتركية، بالدرجة الأولى، وبفعل تأثير عوامل صيرورة ثورة شعبية سلمية ديمقراطية غير ناجزة، ومشروع تقسيم سوريا بعد 2015، وأطلقت منذ 30 يناير مسارات عملية سياسية وشكلت حكومة انتقالية)، تحوز على شرعية تمثيل مصالح غالبية السوريين الوطنية (خاصة إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة وحصر امتلاك السلاح)، أكثر مما فعلت جميع سلطات الأمر الواقع التي كانت تحكم سوريا قبل 27 نوفمبر 2024، (سلطات الأسد والمؤقتة والإنقاذ)، وهي أيضاً أكثر شرعية وطنية وشعبية من “الحكومات الديمقراطية” (التي شكلت واجهات الاحتلال الفرنسي في مرحلة الاستقلال الأولى وكانت تمثل مصالح الطبقات البرجوازية والإقطاعية، وترتهن لأجندات القوى الخارجية)، أو حكومات الانقلابات العسكرية، بدءاً بحسني الزعيم 1949، مروراً بحركة انقلاب عبد الناصر السلمي الوحدوية، و1958، وانقلابات البعث اللاحقة منذ آذار 1936، وصولاً إلى انقلاب الأسد الأب 1970، وختاماً بالابن 2000.
ثالثاً، في طبيعة مهام وواجبات القوى الوطنية السورية
علاوة على ذلك، والأهم منه، هو أن خَيارات قيادة السلطة الجديدة قد أصبحت في أعقاب سقوط سلطة الأسد التي كانت تشكل العمود الفقري لمشروع التقسيم، تمثل الخَيار الواقعي الأفضل، (بالمقارنة مع البديل الذي يضم بقايا مرتزقة سلطة الأسد وقوى مشروع التقسيم التي تقودها قسد)، للخروج من أنفاق صيرورة تفشيل الدولة السورية وتقسيمها، ومن مصلحة السوريين المشتركة دعم جهودها لبناء مؤسسات دولة جديدة، في مواجهة الخصوم والأعداء.
في الوقائع السياسية والميدانية، إذا كانت مخاطر وتطلعات التيار الجهادي الطائفية قد باتت تتمثل بتناقض رؤيتها وتطلعات قياداتها الدينية والعسكرية مع متطلبات شروط بناء دولة مؤسسات سورية مدنية، تمثل مصالح جميع السوريين، فإن التحديات التي تخلقها ترتبط بقضايا أسلوب الحكم ونهجه وشكل النظام السياسي، ومن الحكمة التعامل الواقعي معها، عبر وعي طبيعة مخاطرها والعمل على تحييدها من خلال منظومة سياسات احتواء متعددة المستويات، خاصة تفكيك وإعادة دمجها سلاحها و”مجاهديها” في أجهزة الأمن والجيش الجديد ووفقاً لآليات وزارة الدفاع السورية قيد البناء، وإعادة تأهيل وعيها وسلوكها الدعوي والسياسي في أطر وآليات عمل مؤسسات الدولة المدنية…. وهي مسألة وقت، فإن الصراع مع قسد يأخذ منحىً مختلفا، لأن التناقضات مع مشروع قسد السياسي لا تقتصر على مسائل الصراع على شكل السلطة كما تروج الدعايات القسدية، بل ترتبط جوهرياً بمصير الكيان الجيوسياسي السوري، وهو ما يجعل من الاستحالة التوفيق والتوافق والاحتواء في مسارات العملية السياسية، دون تنازل إحدى السلطتين عن المصالح الجوهرية، السورية والخاصة: إما أن تتنازل سلطة دمشق عن أهداف إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة وحصر امتلاك السلاح بيد مؤسسات الدولة المركزية وتعترف لقسد بوقائع مرتكزات سلطتها القائمة، وتشرعن وجودها دستورياً تحت يافطة اللامركزية السياسية[3]، وإما أن تتنازل قسد عن ما تعتبره امتيازات، ترتبط بحصرية امتلاك أدوات سلطتها، وتتجسد ب “قوات سوريا الديمقراطية” و”حكومة الإدارة الذاتية”، والسيطرة على الموارد الاقتصادية والبشرية، وتتوقف بالتالي عن دعم قوى وأذرع التقسيم على الصعيد السوري العام.
المؤكد أنه كلما تعززت شروط بقاء سلطة قسد، وعوامل التقسيم في الساحل السوري والسويداء، وازدادت مخاطر صراعات مسلحة في الساحل السوري والسويداء… كلما تحسنت فرص هيمنة التيار القنديلي الانفصالي على القرار السياسي والعسكري داخل قيادات قسد، من جهة أولى، والجهادي التكفيري، على مؤسسات السلطة الأمنية والعسكرية، من جهة ثانية، وقوية شوكة بقايا شبيحة سلطة الأسد، من جهة ثالثة، بما يجعل من التيار الجهادي السلطوي وقسد وفلول سلطة الأسد القوى المستفيدة والساعية بجميع الوسائل إلى توفير شروط تفجير صراعات مسلحة، يسعى كل طرف للهيمنة على الساحل وتعزيز حضوره على صعيد سلطتي دمشق وقامشلي، وهي مسارات الصراع التي تهدد السلم الأهلي وتفشل مسارات العملية السياسية، وتهدد بالمحصلة مقومات الأمن القومي السوري..
بناء عليه، يبدو جلياً أن مهام النضال الوطني السوري، سواء داخل نخب السلطة وجمهورها، وفي مؤسسات الدولة الجديدة الثقافية والسياسية والإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعية، أو على صعيد النخب السياسية والثقافية الوطنية المعارضة لنهج السلطة السياسي، ينبغي أن تركز جهدها على مسارين، تترابط في سياقهما خطوات وإجراءات وجهود دعم وتعزيز شروط نجاح مسارات العملية السياسية الانتقالية في مواجهة التحديات المتعددة المستويات التي تمثلها قوى مشروع التقسيم القسدية والأسدية من جهة، وتيارات الإسلام السياسي الجهادي، من جهة ثانية.
الحقيقة، والسلام والعدالة، لجميع السوريين.
[1]– في طبيعة الصراع على سوريا: https://m.ahewar.org/s.asp?aid=868941&r=0
[2]– في طبيعة شرعية رئيس السلطة.
أ- هي أولاً “الشرعية الثورية” التي حصل عليها في حيثيات وخلال مؤتمر النصر الذي انعقد يوم 29 يناير2025 في دمشق، وقد شرح “قائد غرفة العمليات العسكرية” في خطاب التكليف بوضوح وبالتفصيل حيثيات وضرورات الشرعية الثورية: “….. وعندما سقط النظام عسكرياً…. كان هناك فراغٌ في السلطة في سوريا، وكان لا بد من ملئه. وقد نصحنا الخبراء القانونيون بأن الأعراف الدولية تقر بأن القوة التي أحرزت النصر للثورة هي المخولة باختيار الرئاسة. وهنا كانت القوة التي أنجزت النصر قوىً عسكرية، لذا فمن الطبيعي أن أتماشى مع هذا الواقع. أنا أيضاً كنت قائد المعركة التي أسقطت النظام، لذلك ينبغي أن أكون منسجماً مع هذا الوضع… “
ب- هي ثانياً، “الشرعية الوطنية” التي يوجبها ضرورات الأمن الوطني السوري بملء الفراغ الدستوري لمنصب رئيس الدولة الذي نتج عن تخلي الرئيس السابق عن مسؤولياته الدستورية والوطنية، إضافة إلى ضرورة حصر امتلاك السلاح بيد مؤسسات الدولة، وما يمكن أن يحصل من عواقب فوضى انتشار السلاح وسيطرة سلطات أمر واقع غير شرعية وجيوش احتلال أجنبية.
“… لأن الاجتماع كان بالأساس لإدارة العمليات العسكرية والفصائل التي شاركت في إسقاط النظام. وهكذا اخترت أن أكون منسجماً معهم في الأداء. لكن ليس المقصود بهذا أن البلد ستُدار بعقليةٍ عسكرية. إنما كان ذلك مدخلاً للاتفاق العسكري؛ لأن أحد أكبر التحديات، كما ذكرت سابقاً، هو وضع السلاح تحت سيطرة الدولة.”
ومن الجيد تحقيق ذلك بالتوافق؛ فهو يطمئن الشعب السوري بأن الفصائل المسلحة اتفقت طواعيةً على رئاسة البلاد من دون مشاكل كبيرة. كثيرٌ من الدول تتعرض للفوضى بعد انتصار الثورات بسبب صراعاتٍ بين الفصائل العسكرية. ولكن، الحمد لله، وعي الشعب السوري والوعي الثوري لدى تلك الفصائل دفعهما للاجتماع والاتفاق على البنود المهمة التي ستحدد بداية مستقبل سوريا، وملء هذا الفراغ حتى تصبح سوريا جاهزة لانتخابات حرة ونزيهة:.
ت- هي ثالثاً “الشرعية الدينية” التي عبر عنها تأكيد الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ علي محمد الصلابي، أن القرارات التي اتخذتها الإدارة السورية بخصوص تعيين أحمد الشرع رئيساً للبلاد، الذي أعلن بدوره عن خارطة طريق للتعامل مع المرحلة الانتقالية، هو خطوة في الطريق الصحيح وتلبية لطموح السوريين في الأمن والاستقرار والحرية التي دفعوا ثمنها غالياً.
[3]– امتيازات الحفاظ على جيش قسد وسلاحه وقيادته وهياكله ومرجعيته السياسية والإيديولوجية، وعلى سلطة الإدارة الذاتية، وتوزيع الثروة، هي الشروط التي وضعها عبدي في مواجهة مسار العملية السياسية الانتقالية، وقد تعهد “الجنرال” بالدفاع عنها حتى بعد توقيع اتفاق 10 آذار، وشكلت إجماع في كونفرانس 26 نيسان، رغم ما يتساوق مع هذه المسارات والإجراءات من تعزيز لجهود القوى الانفصالية التي تسعى لإقامة كانتونات سلطة ذاتية على النموذج القسدي في الساحل والسويداء، وتحظى بدعم متعدد الأشكال تحت يافطة الحرص على حقوق المكونات السياسية وحمايتها في مواجهة ممارسات القوى الجهادية، وبالتالي تعزيز شروط تفشيل الدولة السورية وإسقاط شرعية السلطة الجديدة ذاتها.