
تهميش دور المرأة السورية في التعيينات بوظائف الدولة العليا وأهمية تغيير النظرة إلى دورها
المرأة ليست كائناً هامشيّاً يُكمل صورة المجتمع، بل هي كيان كامل، شريك أصيل في صناعته، وباني حقيقي في نهضته. لقد أثبتت التجربة البشرية في مختلف بلدان العالم، أن تقدم الدول مرهون بمدى مشاركة المرأة الفعالة في كافة مناحي الحياة، وبخاصة في مراكز صنع القرار ووظائف الدولة العليا. ورغم أن المرأة السورية قد لعبت أدواراً بارزة في التعليم والصحة والمجال الاجتماعي، إلا أن حضورها في المواقع القيادية لا يزال محدوداً بشكل لافت، وكأن هناك جداراً غير مرئي يحول بينها وبين المناصب السيادية.
إن تهميش المرأة السورية في التعيينات العليا لا يُعد فقط إهداراً لحق أصيل من حقوقها، بل يمثل خسارة وطنية جماعية، حيث يتم إقصاء نصف الكفاءات الوطنية من التأثير في رسم السياسات العامة، والمشاركة في إدارة مؤسسات الدولة. ولا يمكن الحديث عن مجتمع عادل، أو نظام ديمقراطي، دون أن تكون المرأة فيه شريكاً في اتخاذ القرار، لا مجرد تابع تُمنح صلاحيات رمزية أو شكلية.
المرأة السورية: طاقة مهدورة علمياً وإنتاجياً
تُعد سوريا من الدول التي تتمتع بوجود نسبة عالية من النساء المتعلمات والمختصات في مجالات متعددة كالطب، الهندسة، التعليم، الفنون، والعلوم الإنسانية. غير أن هذه الكفاءات النسائية كثيراً ما تصطدم بجدار التهميش والتمييز في التعيين والترقي ضمن الوظائف الحكومية العليا. وعلى الرغم من أن الدستور السوري والقوانين تنص على مبدأ المساواة، إلا أن التطبيق الفعلي لا يعكس هذا التوجه، حيث تغيب المرأة عن المراكز القيادية، ويقل حضورها في الوزارات والمؤسسات السيادية والهيئات العليا للدولة.
لا يقتصر هذا الإقصاء على مجال معين، بل يشمل أيضاً الحضور السياسي، التمثيل البرلماني، الإدارات المحلية، ومجالس الجامعات، إذ كثيراً ما يُمنح المنصب للمرأة كـ “زينة” إعلامية، لا باعتبارها فاعلاً حقيقياً في المنظومة الإدارية. ويُعتبر هذا النمط من التوظيف المجحف، هدراً لإمكانات ضخمة كان يمكن أن تكون رافعة للتنمية الشاملة لو أُحسن استخدامها.
إذ إن المرأة السورية، عندما يُتاح لها المجال، تُثبت كفاءتها وقدرتها على القيادة والإبداع، لكنها تُقصى تحت مبررات اجتماعية، ثقافية أو حتى سياسية، لا علاقة لها بالكفاءة أو الجدارة.
أهمية وجود تشريعات واضحة تقر بحضور المرأة في سوق العمل وصناعة القرار الوطني
إن تغيير واقع المرأة السورية لا يمكن أن يتم دون تدخل تشريعي واضح وصريح، يضع الأسس الضامنة لمشاركتها في الحياة العامة، ويمنحها الأدوات القانونية للوصول إلى مراكز القرار. فمن غير المنطقي أن نتحدث عن تمكين المرأة دون أن تكون هناك قوانين ملزمة بتخصيص نسب تمثيلية عادلة لها في المؤسسات القيادية، تماماً كما فعلت العديد من الدول التي قفزت خطوات في مسار التوازن بين الجنسين.
التشريع لا يُعنى فقط برفع شعارات المساواة، بل عليه أن يُترجم هذه الشعارات إلى آليات تنفيذية، مثل: تخصيص نسب محددة من المناصب الإدارية والسياسية للنساء، ومنح الأولوية للمرأة في الترقيات إذا تساوت في الكفاءة مع الرجل، بالإضافة إلى حماية المرأة من الإقصاء التعسفي أو التمييز القائم على النوع.
كما يجب أن تتضمن هذه التشريعات سياسات داعمة للأمهات العاملات، وتسهيلات في بيئة العمل من حيث ساعات الدوام، وحضانات أطفال، وأمان وظيفي، حتى لا تُجبر المرأة على الاختيار بين العائلة والعمل، وهو الخيار الذي غالباً ما يُفرض عليها قسراً بسبب ضعف البنية الداعمة لعمل النساء.
المرأة المتعلمة والمبدعة قوة حقيقية في بناء المجتمع المتقدم
المرأة السورية المتعلمة لا تقل عن نظيرها الرجل لا في العلم، ولا في الاجتهاد، ولا في الإبداع. بل إن التجارب أثبتت أن النساء غالباً ما يكن أكثر التزاماً بالمهام، وأكثر حرصاً على الأداء النوعي. لقد أثبتت السوريات في الخارج والداخل، أنهن قادرات على العمل بكفاءة عالية في أعلى المناصب، من التدريس الجامعي، إلى رئاسة الأقسام الطبية، وصولاً إلى قيادة المؤسسات الدولية، والمشاركة في البحث العلمي والابتكار.
إن هذه القوة المعرفية التي تملكها النساء يجب أن تتحول إلى قوة تأثير داخل المجتمع، لا أن تبقى حبيسة المكاتب الثانوية أو وظائف الصفوف الخلفية. فالمجتمع الذي يهمّش الكفاءات لمجرد جنسها هو مجتمع يحكم على نفسه بالتخلف، ويُقصي جزءاً من أدوات تطوره وتقدمه.
لا يمكن تصور نهضة علمية أو اقتصادية أو سياسية في سوريا، دون مشاركة فعلية للمرأة في قيادة المؤسسات. فالإبداع لا يعرف جنساً، والمجتمع الذي يمنح فرصاً متساوية لأفراده هو مجتمع سوي وعادل ومستقر. والمرأة المبدعة لا يجب أن تُنظر إليها من زاوية اجتماعية تقليدية، بل يجب أن تُعامل بوصفها مواطنة كاملة الحقوق، يمكن أن تقود الوزارة كما تدير المدرسة، ويمكن أن تسهم في وضع الدستور كما تربي الأجيال.
نحو مجتمع متوازن لا يُقصي نساءه
لقد آن الأوان لأن يتغير الخطاب حول المرأة السورية من خطاب تعاطف إلى خطاب شراكة حقيقية. فالمشكلة ليست في قدرات النساء، بل في الحواجز المصطنعة التي تُبنى حولهن، والتي تعرقل وصولهن إلى المواقع التي يستحققنها. والتغيير لا يأتي فقط من النساء، بل يحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية شاملة تعي أهمية إشراك المرأة في كل مفصل من مفاصل الدولة.
تهميش النساء في التعيينات العليا هو تهميش لمستقبل الدولة نفسها. فكما لا يمكن لجناح واحد أن يُحلّق بطائر، لا يمكن لمجتمع أن يتقدم وهو يُقصي نصفه. إن تمكين المرأة من الوصول إلى المناصب العليا، ليس منّة من أحد، بل هو حق مشروع، واستثمار وطني ذكي، يعكس نضج المجتمع ويعزّز استقراره وتقدّمه.
نحو سوريا أكثر عدالة، وأكثر تطوراً، وأكثر حكمة.. لا بد أن تكون المرأة شريكاً كاملاً في القرار، لا متفرجة على نتائجه.