
رواية 1984 لجورج أورويل.. أشهر الروايات السياسية في القرن العشرين (2-2)
لو طلب أحدهم منك أن تقدم له تصوراً عن النظام الديكتاتوري، وكيف يمارس أركان هذا النظام من أفراد ومؤسسات وأجهزة الحكم، وكيف يعيش الناس ويتعاملون مع بعضهم ومع الدولة، وماذا يقدّم هذا النظام للناس؟ وماذا يأخذ منهم؟ وأي حياة يعيشها الفلاحون والعمال والنساء والأطفال؟ وكيف يستمر النظام القمعي لفترات طويلة؟
ربما يحتاج شخص يعيش في مجتمعات ديمقراطية إلى خيالٍ خصبٍ لكي يصف هذا النظام، أما من يعيش في بلاد مثل بلادنا فإنه لن يجد صعوبة في توصيف حالات الظلم والقهر والخوف والإجرام والقتل وانعدام القانون، وربما أصبح جميع السكان يعرفون ما يقوم به النظام الديكتاتوري، والذي يقوم بكل الأعمال والأفعال المشينة التي تخالف طبيعة البشر، فهو يفرّق بين الزوج وزوجه، وبين الأب وابنائه.
في هذا النظام يفتقد الناس للجمال والطيبة والشجاعة والإبداع وكل الأشياء الجميلة، فالطيبة والعفوية مثلاً من أهم ميزات البشر، ولكن عندما يتآمر الشخص على أهله وعلى أبناء مجتمعه ووطنه عندئذ من الصعب أن يشعر الإنسان إنه يعيش في مجتمع إنساني، وتتحول حياته إلى جحيم.
أحداث رواية جورج أورويل 1984 تدور في عاصمة الدولة المفترضة أوقيانيا المحكومة بحزب أوحد وزعيم أوحد، ويتحكّم بمصائر شعبها، نظام قاسٍ لا يعرف الرحمة، وفي هذه الدولة الديكتاتورية المفترضة لا تتوقف الحروب على أرضها، حروب داخلية وأخرى خارجية، وتلك سمات الأنظمة الديكتاتورية، حيث أوقيانيا تحارب أوستاسيا وأوراسيا، فإذا توقّفت الحرب مع أوراسيا فإن الحرب تبدأ مع اوستاسيا، ولا يمكن أن يستمر النظام الديكتاتوري بدون حروب مع الآخرين، وحروبٍ مع عامة الشعب.
أما جورج أورويل فلم يتناول التعذيب والقتل والخطف والخوف الذي يملأ القلوب والعقول ويحوّل الناس إلى مجرد أرقام تافهة لا تعني شيئاً، إنما يعطي صورة متكاملة عن النظام الاستبدادي، وعن الحزب الحاكم، وعن الأشخاص الذين يؤدون الأدوار داخل هذا النظام، وعن التاريخ الذي يتمّ تزويره، وعن الماضي الذي يتمّ محوه، وعن المستقبل الذي لا أمل لأحد فيه.
نظام يختصر التاريخ والجغرافيا والمستقبل والحاضر والماضي بشخص واحد هو الحاكم الفرد، أسماه في روايته الرائعة الأخ الأكبر.. وهو محور روايته وأساسها، فمن أجله تقام المناسبات ومن أجل تمجيده تقام الاحتفالات، وأيام الكراهية لأعدائه، لمن أسماهم جماعة الأخوة التي يتزعمها. غولدشتاين الوحيد الذي تجرأ على مهاجمة الأخ الأكبر الذي من أجل بقائه تموت الأمة وتفنى الأسر والأشخاص والعائلات، ويتمّ التضحية بكل شيء من أجل الأخ الأكبر، بالناس والثروات، فلا قانون يعلو على تعاليم وأوامر الأخ الأكبر، ولا سلطة في البلاد إلا سلطة الحزب الواحد، الذي يديره مجموعة من الأشخاص المحيطين بالأخ الأكبر، ومن بينهم أوبراين، وهو صديق وزميل لبطل رواية 1984، السيد ونستون الذي يعمل في وزارة الحقيقة وينتهي به المآل إلى السجن،
أكثر ما يثير الانتباه في كتابة أورويل هو قدرته على حمل القارىء معه حيث يشاء دون اعتراض فاللغة التي يستخدمها كانت مؤثرة ودقيقة وشديدة الوضوح وقد جسد البطولة عضو الحزب ونستون الشاب الطموح والمثقف الذي كان يفكر في داخله بشيىء ويضمر في داخله شيىء اخر فكان بارعا في التفكير المزدوج او ما نسميه (كولكة ) فهو بينه وبين عدد من أصدقائه وصديقته في الحزب جوليا التي تنتمي الى رابطة الشبيبة لمحاربة الجنس مع انها تغتنم كل فرصة للقاء ونستون لممارسة الجنس في مكان سري في غرفة نائية ولكن حتى هذه الغرفة كانت المخابرات تراقبها وأخيرا أوقعت ونستون وجوليا وتم اعتقالهما وسجنهما بتهمة الخيانة….
كان ونستون يعمل في مبنى وزارة الحقيقة وهو بناء هرمي ضخم من الإسمنت الأبيض اللامع وعلى الحائط الأبيض كتب شعار الحزب بالأحرف الكبيرة من جمل ثلاث…الحرب هي السلام…. الحرية هي العبودية… الجهل هو القوة.. كانت وزارة الحقيقة من ثلاثمائة غرفة فوق الأرض ليس في لندن الا ثلاث بنايات شبيهة لها وكانت تضم هذه البنايات اربع وزارات تشكل الجهاز الحكومي فوزارة الحقيقة تختص بشؤون الاخبار ووسائل اللهو والإحتفالات والتعليم والفنون الجميلة ثم وزارة السلام تعنى بشؤون الحروب ثم وزارة الحب وهي المسؤولة عن حفظ النظام وتطبيق القانون ثم أخيرا وزارة الوفرة وترعى الشؤون الاقتصادية….
كان أعضاء الحزب يحضرون اجتماعاتهم و يستمعون الى الأخ الأكبر ويهتفون بشعارات الحزب… الحرب هي السلام والحرية هي العبودية الجهل هو القوة كما لو انها لازمة مستمرة ترافقهم او ترنيمة تتغنى بحكمة الأخ الأكبر وكان هذا شكلا من اشكال التنويم المغناطيسي وحالة من تغييب الوعي من خلال الايقاعات الرتيبة وكان أعضاء الحزب ومنهم ونستون يشارك رغم البرد في حالة الهيجان الحزبية العامة…يصور اورويل ببراعة حالة المواجهة والعنف اليومي والقهر حيث يتم تفريغ كامل القدرات والطاقات الكامنة في البشر في مواضيع لا تخدم أي قضية سوى التخويف من الأخ الأكبر فالقتل والسجون والاعتقالات هي عمل هام وكبير ورئيسي في الدولة بالإضافة الىالحرب الداخلية المشتعلة بين الناس البسطاء العاديين وبين السلطة الحاكمة فالشعب يموت ويجوع وهو يهتف للزعيم وسط نيران الحروب في الداخل مع الخصم الذي هو غولدشتاين الزعيم الذي انشق عن الحزب وشكل حزبا اخر لاوجود له في الحقيقة هو حزب الاخوة ولا يظهر غولدتشتاين الا في احتفالات وأدبيات السلطة الحاكمة التي تحرض ضده باعتباره خائنا اما في ع الخارج فلا وقت للإستراحة الحروب مشتعلة اذا لم يكن ثمة حرب مع اوستاسيا فانها حتما ستكون مع اوراسيا لا تتوقف الحروب في النظام الدكتاتوري…….
الجبن الفكري في بريطانيا هو أسوأ عدو يواجهه الكاتب أو الصحفي ولا يبدو لي أن هذه الحقيقة قد حصلت على النقاش الذي تستحقه.. كانت هذه المقولة جزءاً من مقدمة كتبها جورج أورويل لكتابه مزرعة الحيوان في العام 1945، لم تطبع تلك المقدمة وظلت مجهولة حتى نشرتها مجلة نيويورك تايمز العام 1972 بعنوان حرية الصحافة… في هذه المقدمة ينتقد اورويل ما أسماه بالجبن الفكري في بلده بريطانيا ويعده أسوأ عدو يواجه الصحفي أو الكاتب.. أما السبب الحقيقي لهذا الانتقاد فكان بسبب رفض العديد من دور النشر طباعة كتاب مزرعة الحيوان الذي ينتقد فيه الاتحاد السوفييتي والشيوعية بطريقة ساخرة.
ومع أن أحداث الرواية المفترضة حدثت في لندن إلا أن من يعيش في بلادنا لا يجد صعوبة في فهم كل أحداثها، فالشرطة العادية لم تكن ترهب الناس وهي تطوف الشوارع كما ترهبهم شرطة الفكر أو الاستخبارات التي تحولت مقراتها إلى مراكز تعذيب وهو ما حصل لعضو الحزب والقيادي في وزارة الحقيقة ونستون، الذي خضع للتعذيب والسجن من قبل صديقه في الحزب، أيضاً، كانت صورة الأخ الكبير أو الرئيس في كل مكان وكل زاوية.. كان ذلك الوجه ذو الشارب الأسود يطل محدقاً في وجوه المارة بالإضافة إلى ملصقات عبارة إنجسوك الاشتراكية الإنكليزية كانت في كل قاعة وفي كل شارع، شاشة للرصد تسجل كل شيء وهو جهاز يرسل ويستقبل في آن واحد إذ لاوجود للحياة الخاصة لأحد، كانت شرطة الفكر تخترق حياة الجميع في أي وقت وترصد الناس في كل الأوقات دون انقطاع وكان الناس بحكم العادة يعرفون أنهم تحت المراقبة صوت وصورة من خلال شاشات الرصد وشرطة الفكر، هنا في المجتمع الذي يحكمه النظام الدكتاتوري تغيب الحقيقة.
أحداث رواية 1984 التي شغلت الناس ولا تزال تحظى باهتمام كبير تدور حول شخصين صديقين ونستون الرجل الذكي الذي يحب المعارضة ولهذا اختار أن يكون في الصف الآخر مع غولدشتاين مع العلم أنه عضو في الحزب الحاكم ويعمل في وزارة الحقيقة التي تطبل وتزمر طوال العام للأخ الأكبر، أما أوبراين فهو الرجل الذي لا قلب له والقيادي في الحزب الحاكم والذي كانت مهمته أن يكتشف الأشخاص ويحلل أفكارهم وتصرفاتهم إذا ما كانوا مع الأخ الأكبر أم مع غولدشتاين، وقد استطاع أن يوقع معظم زملائه في العمل ويقودهم إلى زنزانات التحقيق والتعذيب وكان منهم صديقه ونستون الذي يتعرض للتحقيق والتعذيب مع صديقته جوليا التي كانت معه في الحزب ولكن الجميع كانوا يعملون بدون قناعة مع الحزب وكانوا يشاركون بشكل غير مباشر نتيجة جبنهم وخوفهم في إبقاء سطوة الأخ الأكبر الذي يجعل الناس يعيشون برعب دائم وبخوف يزداد كلما ارتقى الشخص في منصبه فيتحول المجتمع بأسره إلى مجتمع مريض حيث أن المطلوب أن يتعلم الناس كل شيء كاذب وغير حقيقي ففي أماكن الاعتقال 2 زائد 2 لا تساوي أربعة وفي أقسام التحقيق الشمس لا تشرق من الشرق وتلك حقائق يعيشها المعتقل تحت التعذيب. وقد استطاع أوبراين من خلال أجهزة وأدوات التعذيب أن يجعل صديقه ونستون يعتقد بأنه كان على خطأ وأن الأخ الأكبر دائماً على صواب بعد أن استدرجه إلى منزله ذات يوم وتحدث معه طويلاً عن مظالم وجرائم الأخ الأكبر وعن مزايا وصفات خصمه المفترض حيث كانت جماعة غولدشتاين تظن نفسها معارضة عنيدة للأخ الأكبر الذي تنتشر صوره في كل مكان وبخاصة على شاشات المراقبة التي تسجل كل شيء وهم في الحقيقة جزء من كل، كانوا يسيرون باتجاه قهر الناس ومنعهم من أي تقدم عبر تزوير التاريخ والحقيقة وكتابة التاريخ وفق رؤية الحزب ووفق رؤية الأخ الأكبر الذي تتوزع صوره في أوقيانيا في كل مكان كما لو أنه الإله الذي على الجميع أن يقدم له الطاعة بل العبادة، ويستطيع أورويل من خلال شخصيتين افتراضيتين هما الأخ الأكبر الزعيم الدكتاتور الذي يهابه الجميع حد الموت والشخص الآخر غولدشتاين ولكنه في النظام الديكتاتوري يقوم بمهمة تكاملية معه بعد أن ينشق عن الحزب وينتقد الأخ الأكبر بقوة فإذا بهذه اللعبة تنطلي على الجميع ولا تغير شيئاً في واقع الحال ويبقى الأخ الأكبر بصوره وشعاراته في كل مكان حيث يوجد غولدشتاين أيضاً صورة أخرى فيما يموت الناس بين الصورتين وتفنى البشرية في هذا العالم المصطنع الذي تغيب فيه الحقيقة.