
الإعلامي والسياسي بشّار عبّود لـ نينار برس: إدارة الرئيس الشرع ورثت عن نظام الأسد تركة ثقيلة.. جرحها لا يزال غائراً في النفس السورية
بشار عبود إعلامي وسياسي سوري، يحمل درجة الليسانس في الإعلام من جامعة دمشق، وماجستير من جامعة بوردو الفرنسية. عمل في صحيفة عكاظ السعودية لسنوات، لاجئ في فرنسا.
تركة نظام الأسد ثقيلة، وهذا يستدعي الدفع باتجاه تغيير عميق في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، سيّما إن نهاية نظام الأسد لم تأت وفق سياقات متأملة من قبل قوى الثورة والمعارضة الديمقراطية.
نينار برس وضعت أسئلتها أمام الإعلامي والسياسي بشّار عبّود، وحاورته صحفيّاً، فكان هذا الحوار.
نينار برس
بعد مرور ستة أشهر ونيف على سقوط نظام الإبادة الأسدي. ما الذي تغيّر في سوريا خلال هذه الفترة على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية؟
سقوط نظام الأسد والتحوّلات الجديدة
يجيب الإعلامي والسياسي السوري بشّار عبّود على سؤالنا الأول فيقول:
بعد نصف عام، يمكن القول إن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الفراغ المُركّب. بمعنى أن نهاية الأسد ونظامه لم تكن بداية واضحة لمرحلة الاستقرار الذي كان ينتظره كل السوريين. وهذا مفهوم من حيث المبدأ نظراً للتّرِكة الثقيلة التي ورثتها إدارة الرئيس أحمد الشرع من النظام الأسدي البائد، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تحولات عميقة، بعضها إيجابي ومبشّر، وبعضها لا يزال هشاً ومعقّداً.
ويضيف عبّود:
هي، كما أراها، لحظة حرجة بين الفوضى والتحول إلى التنمية والازدهار، بين تصفية الحسابات وبناء المستقبل للدولة والشعب. لحظة سقوط الأسد، كشفت عن جرح غائر في النفس السورية ككل، ونحن أمام مخاطر عديدة، لكن الخطر الأكبر اليوم لا يكمن في عودة الاستبداد، فهذا مُستبعد، من وجهة نظري على الأقل، وإنما يكمن في أن يتحول هذا الفراغ إلى أرض خصبة لصراعات الهوية والطائفية والقومية والمصالح الضيقة في ظل من يسعى لتغذية هذه الصراعات من الخارج. هذا كله، يحتاج أن يُلجم بالعقل وأن يُدار برؤية وطنية تتجاوز ماضي القمع الأسدي الطويل وتبني على ما تم تحقيقه في ظل الإدارة الجديدة لا سيما فيما يتعلق برفع العقوبات عن سوريا والبدء بإعادة الإعمار الذي سوف يساعد الناس في الذهاب باتجاه العمل والبحث عن الرزق، وأيضاً سوف يساعد ببناء مستقبل واعد للسوريين وهادئ مع شعوب ودول المنطقة.
الشعور الأمني الأسدي انكسر
ويتابع عبّود إجابته على سؤالنا في الشقّ الأمني منه فيقول:
على الصعيد الأمني، انكسر الشعور الثقيل الذي خنق السوريين لعقود، انكسر الخوف من الأجهزة الأمنية من الشبّيحة. شوارع سوريا بدت أقل قمعاً وأكثر تنفساً، وكأن البلاد تستعيد حواسها بعد سنوات طويلة تحت ركام الصوت الواحد. لكن هذه الحريّة الأمنية لم تأتِ، مع الأسف، مقرونة بالاستقرار، بل كشفت عن هشاشة البنى الاجتماعية والعسكرية بين المكونات السورية. سقطت القبضة الأسدية نعم، لكن لم تولد بعد دولة قوية قادرة على حماية كل الناس. فنحن أمام سلطة جديدة تتشكل الآن، والسلاح خارج إطار الدولة لا يزال منفلتاً في كثير من المناطق السورية.
كلّ الأصوات خرجت إلى الضوء
وعلى المستوى السياسي، يرى الإعلامي والسياسي بشّار عبّود:
إن المشهد بدا وكأنه تفجّر دفعة واحدة. الأصوات التي كانت مختنقة، والمواقف التي كانت تتلوى في المنافي أو تُهمس سراً، خرجت فجأة إلى الضوء. في المجالس المحلية، على المنصات الرقمية، في مقاهي المدن التي بدأت تستعيد عافيتها، يدور الحديث عن شكل الحكم، عن الكرامة المعيشية، عن علاقة الدين بالدولة، عن سؤال المصالحة والعدالة الانتقالية. لكن هذا الانفتاح لم يُنتج حتى الآن، قوى سياسية واضحة. فالمعارضة التقليدية، التي عاشت لسنوات خارج الزمن السوري الحقيقي، بدت مرتبكة أمام هذا المشهد الجديد، ولم تتمكن حتى اللحظة، من إعادة تشكيل العمل السياسي في البلاد بعد سقوط الاستبداد.
بلدٌ شبه مدمرٍ مع سقوط الأسد
لكنّ الإعلامي والسياسي بشّار عبّود أوضح ما حدث اقتصادياً بعد سقوط الأسد:
أما اقتصادياً، فلم يكن سقوط النظام نهاية للجوع، ولا بداية للرخاء. سلطة الأسد التي كانت تحكم الخبز والماء بـ “البطاقة الذكيّة”، انهارت، لكن ما تركته خلفها كان بلداً شبه مدمَّر، مفلساً، ممزقاً، ومرعوباً من الغد. لكن يمكن القول وبثقة بأن الأسواق تنفّست قليلاً، وظهرت مبادرات صغيرة من التجار المحليين، ومن بعض العائدين من الخارج، غير أن الغلاء لا يزال مستمراً، والبطالة خانقة، والبنية التحتية منهارة. مع ذلك، ظهرت إشارات، ولو أنها خجولة، على بدء دوران عجلة الحياة من جديد: بائعو الخضار عادوا إلى زواياهم، الأفران بدأت تنتظم شيئاً فشيئاً، وشباب في الضواحي أطلقوا مشاريع صغيرة بدعم أهلي، في محاولة لترميم ما يمكن ترميمه من كرامة الحياة.
التساؤل الذي ينتظر إجابة
عبّود الذي عمل مع صحيفة عكاظ الأسبوعية يتساءل قائلاً:
وسط كل هذه المتغيرات يثور السؤال الأهم وهو: هل نحن أمام ولادة وطن جديد، أم فقط نهاية مرحلة وبداية فراغ؟ سوريا بعد الأسد لا تزال تبحث عن شكلها، عن بوصلتها، عمّن يُمسك بيدها ويقول: هذه بداية الطريق، لا نهايته. لا شك أن المرحلة هشّة، لكنها ممكنة، واللحظة الفارقة بين أن تنحدر البلاد إلى صراعات ما بعد السلطوية وبين أن تنهض من ركامها كدولة لجميع أبنائها يعتمد اليوم على وعي السوريين بأن ما بعد السقوط لا يقل خطورة عن زمن السقوط نفسه. وأنا أمام كل هذا، أشعر بالتفاؤل وبأمل أن يعيد السوريين بناء حياتهم الطبيعية من جديد، وبقدرتهم أن يكونوا جزءاً من نمو المنطقة وازدهارها.
نينار برس
لا تزال قوى المعارضة الديمقراطية السورية مشتتة وضعيفة. وهناك من يقول إن الأسباب ذاتية تتعلق بهذه القوى وموضوعية يقف خلفها عدم وجود قوانين تنظم حرية العمل السياسي. برأيك ما سبب ضعف القوى الديمقراطية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وكيف يمكن عملياً تجاوز حالة الضعف هذه؟ هل الأمر يتعلق بضرورة وجود قوانين صادرة عن برلمان وطني مؤقت؟ هل ستذهب الحكومة الانتقالية إلى خيار استحداث قانون أحزاب جديد؟ هل تتوقع وضع معوقات ضمن هذا القانون لإضعاف تشكّل أحزاب قوية وفاعلة ومنافسة؟
ستة أشهر لا تكفي للخروج من الهشاشة
يقول الإعلامي والسياسي بشّار عبّود في إجابته على سؤالنا الثاني:
ضعف قوى المعارضة الديمقراطية في سوريا، حتى بعد سقوط نظام الأسد، ليس مسألة طارئة أو وليدة لحظتها، بل هو نتاج تراكم طويل من عوامل بنيوية، ذاتية وموضوعية. ولا أعتقد أنه بمرور ستة أشهر فقط على التحرر من العهد البائد، يمكن لقوى المعارضة الديمقراطية السورية أن تخرج من هشاشتها بعد هامش التجمّد الطويل الذي فرضته على نفسها، وأيضاً بعد ما فُرض عليها لعقود، في بلد لم يعرف من العمل السياسي سوى نسخته الأمنية الحزبية ـ حزب واحد، صوت واحد، زعيم واحد، وقانون صُمّم كي يُجهض أي مبادرة للتعدد، حتى قبل أن تولد.
بيئة سياسية جديدة
ويضيف عبّود:
حين سقط النظام، وانهار هيكل القمع الذي طالما صادر الحياة السياسية في البلاد، كان من المفترض أن تشارك القوى الديمقراطية في هذا الحدث، بالنظر إليها كحاملة لمشروع وطني جامع، وأيضاً باعتبارها ممثّلة لصمت التغيير الذي يبحث عنه معظم السوريين. لكن ما جرى كان عكس ذلك تماماً. فقد أربك الرئيس أحمد الشرع ورفاقه في قوات “ردع العدوان” هذه القوى الديمقراطية والسياسية السورية، التي وجدت نفسها أمام مواجهة مباشرة مع بيئة سياسية جديدة لم تعهدها من قبل، فتعطّلت قواها ولا تدري ما الذي عليها القيام به، أو من أين تبدأ، خصوصاً وأن معظم القوى الديمقراطية تحمل إرثاً عالياً من التشرذم والإقصاء المتبادل وانعدام كبير في بناها التنظيمية. وهذا ما يمكن تصنيفه على أنه من الأسباب الذاتية لضعف القوى الديمقراطية في سوريا، أنها بدت عاجزة عن التجدّد والانفتاح على الطاقات الشابة، وأن سلوكها النخبوي سرعان ما ينزلق إلى صراعات داخلية تستنزف وقتها وصدقيّتها لدى الشارع السوري.
مناخ انتقالي غير مستقر
ويرى عبّود: إن أبرز الأسباب الموضوعية، فيمكن وضعها في المناخ العام الذي وجدت فيها هذه القوى نفسها بعد سقوط نظام الأسد، من حيث أنه مناخ انتقالي غير مستقر، حيث لا يوجد ـ إلى الآن، قانون ينظّم العمل الحزبي، وبالتالي لا توجد أرضية واضحة تسمح للسياسة أن تكون جزءاً من الحياة اليومية حتى اللحظة. كل هذا لم يساعد القوى الديمقراطية أن يكون لها دور في المشهد السياسي السوري حتى الآن.
مضيفاً: من الطبيعي والحال كذلك، أن يتم طرح النقاش حول ضرورة إصدار قانون جديد ينظّم العمل الحزبي والسياسي في سوريا. لكن السؤال الأهم، من وجهة نظري، هو هل تقتصر عودة الحياة السياسية إلى المجتمع السوري المتصحّر سياسياً بإصدار قانون للأحزاب فقط؟ ربما من حيث المنطق يمكن القول بأن تشريع العمل الحزبي ضمن إطار قانون عام ووطني، يضمن التعددية والشفافية، ويمنع إعادة إنتاج السيطرة، يمكن اعتباره بمثابة الخطوة الأولى المهمة لعودة السياسة إلى المجتمع. لكنها بكل تأكيد غير كافية. وهنا يأتي دور القوى السياسية الديمقراطية في أن توسع دائرة عملها ليس فقط مع القوى السياسة التي تشبهها، وإنما مع السلطة الحالية أيضاً. أعتقد أنه عليها أن تتوجه إلى الإدارة الجديدة وتفتح معها حواراً وطنياً واسعاً وشاملاً حول الكثير من القضايا التي تهم السلطة وتهم الدولة السورية والمجتمع.
المعارضة وضرورة إعادة إنتاج تجربتها
ويتابع الإعلامي والسياسي بشّار عبّود بيان رؤيته لوضع المعارضة الديمقراطية فيقول:
ولا أعتقد أن إدارة الرئيس أحمد الشرع ترفض مثل هكذا مبادرات وطنية. فإذا أرادت القوى الديمقراطية أن يكون لها حضور في المشهد السياسي المقبل لسوريا، عليها أن تعيد إنتاج تجربتها على ضوء الواقع الجديد، وعلى ضوء موازين القوى المحلية والإقليمية، حيث من المستحيل الآن، أن تفصل بين القضايا في منطقة الشرق الأوسط، جميعها متعلقة ببعضها البعض. أنظر إلى ما يحدث في السويداء مثلاً أو القضية الفلسطينية، أو حتى القضية الكردية. هل يمكن معالجتها على سبيل المثال دون الأخذ بالاعتبار للدور التركي ورضاها؟
موضحاً أكثر:
الرئيس أحمد الشرع أعلن عن البدء بإجراءات تشكيل مجلس جديد للشعب السوري خلال فترة قريبة، وبالتالي يمكن للإدارة الحالية أن تؤجل إصدار قانون الأحزاب إلى حين تشكيل البرلمان، بحيث يتخذ أعضاؤه الجدد هذا القرار. أنا أرى هذه المرحلة، أي قبل إصدار أي قانون يتعلق بالأحزاب، هي بمثابة الفرصة المهمة للقوى الديمقراطية السورية كي تستفيق من حالة الانتظار، وتبدأ العمل على بناء أدواتها التنظيمية بصبر وعقلانية ورؤية متوازنة للداخل والخارج، وأن تنفتح على الناس من قلب قضاياهم اليومية. وقبل كل هذا أن تمتلك هذه القوى الإرادة السياسية والجرأة على النقد الذاتي لكل ما سبق. هذه القوى اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل حضورها في سوريا شريطة ألا تقع في فخ النخبوية كما كانت في سابق عهدها.
نينار برس
القوى الديمقراطية السورية بدون إطار تحالفي. هل تعتقد أن هكذا إطار ضرورة؟ وهل يمكن إيجاد صيغة تحالفية بين القوى الديمقراطية؟ ماذا تقترح نقاط برامجية لهذا التحالف؟
التحالف الديمقراطي شرط وجود
يقول السيد بشّار عبّود في إجابته على سؤالنا الثالث:
منذ سنوات، وربما منذ ولادة الحركة الوطنية السورية الحديثة، لم تعانِ القوى الديمقراطية من شيء كما عانت من غياب الإطار التحالفي الجامع. واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، تبدو هذه الحاجة أكثر إلحاحاً، بل أشبه بشرط وجود حقيقي لها وليس مجرد خيار سياسي. فالقوى الديمقراطية، المتعددة بطبيعتها، لا يمكنها أن تتحول إلى قوة فاعلة في الواقع السوري الجديد ما لم تنتقل من حالة التشتت إلى حالة التكتل، ومن المنافسة الفوضوية إلى التنسيق المؤسسي الواعي. لأن غياب الإطار التحالفي للقوى الديمقراطية يعتبر بمثابة المأزق السياسي، فهو يعني عملياً تفويت فرصة التأثير في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يتم فيها طرح مشاريع متضاربة في انقساماتها. وسط هذا التشظي، لا يمكن لصوت ديمقراطي متناثر أن يُسمع، ولا لمشروع وطني تعددي أن يُبلور نفسه في الشارع إلا إذا وُضع ضمن إطار تحالفي حقيقي، يوفّر الحد الأدنى من التنسيق والتمثيل والتأثير في شريحة واسعة من الجماهير.
ضرورة التخلّي عن الأنا المريضة
وحول إمكانية التحالف يتساءل السيد بشار عبود:
هل التحالف ممكن؟ نعم، لكنه مشروط بالجرأة على التخلي عن أوهام الأنا المريضة، وعن منطق امتلاك “الحقيقة المطلقة” الذي عطّل كل محاولات التنسيق السابقة. المطلوب الآن ميثاق تحالفي سوري واسع عابر للإيديولوجيا، يقوم على أساس برنامج سياسي مشترك، تتفق فيه القوى الديمقراطية على ما هو جوهري وتبحث من خلاله على القواسم المشتركة والمصالح.
البرنامج الواضح البسيط الصلب
ويعتقد عبود أن:
البرنامج الذي يمكن أن يُشكّل قاعدة لهذا التحالف يجب أن يكون بسيطاً وواضحاً، وقابلاً للفهم الشعبي، لكنه في الوقت ذاته عليه أن يكون صلباً في مبادئه السياسية. ويمكن أن تكون خطوطه العريضة، أولاً بصياغة دستور توافقي جديد لسوريا يعبّر عن روح الثورة السورية، ويُنهي إلى الأبد زمن الدساتير المفصلة على قياس الفرد. ثانياً بالعمل على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية كمستقبل لسوريا، تكفل المساواة بين المواطنين، وتحترم التعدد الثقافي والديني، وتضمن التداول السلمي للسلطة. ثالثاً بالإسراع نحو تطبيق واعٍ لمسألة العدالة الانتقالية والمحاسبة، حيث لا سلم أهلي ولا استقرار بدون عدالة. رابعاً بإيجاد صيغة لقبول وتعزيز مفهوم اللامركزية الإدارية وهنا لا بد من التمييز بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية، حيث اللامركزية الإدارية يتم فيها تعزيز صلاحيات المجالس المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة، بما يمنع الانفصال ويضمن في الوقت نفسه المشاركة المجتمعية في صنع القرار. والأهم من كل ذلك، هو إنشاء جيش وطني عقيدته حماية البلاد لا حماية السلطة، ويكفل وضع السلاح كله بيد الدولة ويمنع تداوله خارج سلطتها.
هذا التحالف، إن تشكّل، وهو بلا شك ضرورة وطنية عاجلة، يمكن أن يكون منصّة تُعيد السياسة إلى المجتمع وتُعيد عجلة الحوار على أسس مغايرة لما ساد على مدار نصف قرن.
نينار برس
الوضع في المنطقة يتجه لشكل من أشكال الهيمنة الاسرائيلية عسكرياً والتي ستستثمر سياسياً لمصلحة شرق أوسط جديد تقوده اسرائيل. هل سوريا ستكون ضمن هذا التوجه؟ هل يمكنها مقاومة الهيمنة الاسرائيلية وكيف؟ هل تنفيذ هيمنة اسرائيل على سوريا يرتكز على تنشيط دعوات انفصالية أو فيدرالية أو مناطق إدارة ذاتية؟
وضع سوريا هشٌ
يقول عبود في إجابته على سؤالنا الرابع:
تحليل مستقبل سوريا في سياق التوجه نحو هيمنة إسرائيلية على الشرق الأوسط يتطلب تفكيك عدد من العوامل الجيوسياسية، الإقليمية والداخلية. ففي السنوات الأخيرة، بدأت ملامح مشهد جديد تتشكل في الشرق الأوسط، يقوم على بروز إسرائيل كقوة مهيمنة ليس فقط من الناحية العسكرية، بل سياسياً واستراتيجياً أيضاً. وهنا، يجب أن نعترف جميعاً بأن إسرائيل لم تعد مجرد كيان محاصر من دول رافضة لوجوده، بل تحولت تدريجياً إلى دولة إقليمية فاعلة تفرض شروطها وتوسّع نفوذها بأدوات ناعمة وصلبة على حد سواء. هذا التوجه لا يظهر من خلال الحروب المباشرة، وإنما عبر سلسلة من التحولات: من اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية التي كسرت الجدار النفسي والسياسي في المنطقة، إلى السيطرة الجوية على مجمل المجال السوري، إلى الشراكات الأمنية والتكنولوجية التي رسخت وجود إسرائيل كطرف “طبيعي” في معادلات الأمن الإقليمي.
ويضيف عبود:
وسط هذا السياق، تبدو سوريا في وضع هشّ يجعلها بيئة مثالية للتغلغل الإسرائيلي غير المباشر. فمنذ عام 2011، انزلقت البلاد في حرب طويلة دمرت بنيتها التحتية، وأنهكت مؤسساتها، وفتّتت نسيجها الاجتماعي والسياسي. ولم تعد سوريا “الأسد” دولة موحدة كما كانت، بل تحولت إلى أراضٍ موزعة النفوذ بين قوى دولية وإقليمية ومحلية: من مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية بدعم روسي وإيراني، إلى مناطق خاضعة للنفوذ التركي في الشمال، إلى شرق البلاد الواقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً، فضلاً عن الجيوب الجهادية في إدلب، ووجود إيراني مقلق لإسرائيل في الجنوب السوري.
إسرائيل وسوريا الجديدة
وفي جانب رؤية إسرائيل للوضع الجديد في سوريا يقول عبود:
إسرائيل لم تتدخل بشكل مباشر في الصراع السوري، لكنها تعاملت معه كفرصة استراتيجية. فقد حرصت على أن تبقى هذه الحرب مشتعلة بالقدر الكافي لمنع الدولة السورية من النهوض مجدداً، وواصلت تنفيذ ضربات جوية ممنهجة ضد مواقع إيرانية ومخازن سلاح تقول إنها تشكل تهديداً لأمنها. وهكذا، فرضت إسرائيل معادلة ردع أحادية الجانب داخل سوريا، دون أن تواجه رداً فعلياً من نظام الأسد أو حتى من داعميه. فتحوّلت سوريا، عملياً، إلى ساحة مفتوحة للطيران الإسرائيلي، مما يعني أن قرارها السيادي طيلة فترة حكم بشار الأسد بات مشلولاً في أحد أهم مجالاته، وهو الدفاع.
ويضيف:
الآن، وبعد سقوط الأسد، هل يمكن أن تكون سوريا إحدى الساحات التي تسعى إسرائيل إلى إدخالها ضمن مشروع هيمنتها الإقليمية، لا سيما في ظل الحرب المشتعلة الآن بين إسرائيل وإيران؟ الإجابة الأرجح هي: نعم، لكن بشكل غير مباشر. فالسيناريو الإسرائيلي لا يتطلب بالضرورة فرض سيطرة مباشرة على الأرض، بل يكفيه إضعاف الدولة السورية، ومنع إعادة توحيدها أو استعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها. الجنوب السوري مثال واضح على هذا التوجه. فإسرائيل تنظر إلى هذه المنطقة كخاصرة رخوة، وتفضل أن تكون تحت سيطرة مجموعات محلية لا تخضع للدولة السورية، وهذا يخدم من حيث النتيجة مصالح إسرائيل الأمنية والاستراتيجية.
مقاومة الهيمنة الإسرائيلية
ويتابع عبود كلامه:
أما عن إمكانية مقاومة الهيمنة الإسرائيلية، فالجواب يعتمد على إرادة السوريين وقدرتهم على تجاوز لحظة الانقسام والتشرذم التي يعيشونها الآن. وهذا يحتاج إلى مشروع وطني سوري جامع، يعيد بناء الدولة على أساس عقد اجتماعي جديد، يضمن مشاركة جميع المكونات، ويكسر الارتباط التابع مع الخارج. مشروع يقوم على المصالحة والتعددية، لا الإقصاء. مشروع يؤسس لخطاب إعلامي وطني لا تمييزي. جميعنا شاهد أثر التجييش الطائفي وخطره على النسيج السوري والمجتمع السوري. أما بقاء الوضع على ما هو عليه، فهذا يعني تسليم سوريا إلى الفوضى طويلة الأمد، وهي البيئة الأكثر ملاءمة لتغلغل النفوذ الإقليمي، بأقل كلفة ممكنة. ومن هنا، يمكن القول بأن مستقبل سوريا مرهون بقدرتها على تجاوز جراحها الداخلية، واستعادة قرارها السيادي، والتعامل بمرونة وواقعية مع لحظة إقليمية شديدة التعقيد.