من يوميات شاعر بعثي

0

كان رجلاً عفيف النفس، كثيراً ما يَشتم الفاسدين الذين جعلوا البلاد بلا مُستقبلٍ أو أمل، خاصةً عندما تصيبه الحَكَّة في قَدميه نتيجة تَشقَّقَ جِلدِهما لكثرة ما كان يَكدح ويعمل نهاراً، ثمَّ يَطوف على المُلتقيات والمَهرجانات الشعريَّة والثقافيَّة مساءً، مما جعل الطبيب يمنعهُ من ارتداء الحذاء ريثما تُشفيان.

ذات يوم، وصل إلى المركز الثقافي بعد أن سار في حرِّ الصيف ساعةً كاملة. كاد يَترنَّحُ بجسده الهزيل الذي عَصَرَهُ الحرُّ حتَّى فاض العَرق من كلِّ مساماته. أخرج مِنديلاً وظلَّ يُجفِّف به عَرقهُ حتَّى استحال المنديل كقطعة قطنيَّة صغيرة تتفتَّتُ كيفما حَرَّكها.

حاول أن يُدخِلَ لسانه المُتدلي من فمه وأن يَسُدَّ حَنكه ويوقف لُهاثه، ثمَّ تفقَّد علبة السجائر خاصَّته فوجد فيها سيجارة واحدة. عندما شَرع بتدخينها، تذوَّقَ طعماً كأنَّه طَعم القُمامة فَرَمَى بها ولعن شركة التبغ.

صعد إلى المنبر وقد استقام في مشيته ونفخ صدره، وشكَّلَ من تقاسيم وملامح وجهه ما يظنُّ أنَّه يَبعث على الهيبة والاعتداد. ثمَّ ألقى قصائده الطويلة التي تتناول الشموخ والإباء وسائر الشعارات، منظومة ومُقفَّاة على أكمل وأجمل وجه. أكَّدَ في قصائده أن سوريا ستنهض من تحت رمادِها في ظلِّ قياداتها الحالية التي لابدَّ أنها ستنتصر، ثمَّ نزل عن المنبر، ودَّعَ أصدقاءه وغادر.

رأى حافلة، فاستجمع كل قواه، وكسبع من تلك التي نراها في الوثائقيات التي تتناول الحيوانات البريَّة، طارد الحافلة، وبَلَغَها ولكنَّه أخطأ حين بالغ في اقترابه من الباب الخلفيِّ المُغلق. ما إن فُتح الباب حتَّى دفعه ضغط التدفق البشريِّ بعيداً، وعندما استعاد توازنه لم يُوفَّق في تلاطم الموج البشريِّ الصاعد، ففاتته الفرصة. نظر إلى طريق العودة الطويل إلى المنزل، إلى الحافلات الأشبه بعلب المياه الغازيَّة “المَخضوضة” المضغوطة حدَّ الانفجار، رؤوس الناس فيها، كأنها حُبيبات الهواء.

شَعر بوهنٍ شديد يَسري في أطراف جسده، فهو لم يتناول وجبة فيها لحم أو بروتين ومُكونات مُغذيَّة منذ زمن. فالتعويضات المالية التي يقبضها لقاء مُشاركته في أمسية شعرية بالكاد تكفي ثمن بعض أقراص الفلافل ورغيف واحد. جلس في زاوية مُهملة، وأخذ يلهث، حتى جَفنا عينيه السفليان كانا مُتهدلان، وكأنَّه سيلهثُ من عينيه أيضاً، كأن مُقلتيه المُتعبتين ستتدليان كما يتدلّى لسانه.

شاهد كلباً يدنو منه وهو يُصدرُ صفيراً حزيناً شفقةً عليه، وضع الكلب أمامه قطعة لحمٍ فاسدة كانت في فمه. ما لبث الكلب أن هرب بعد أن اقترب رجلٌ أشعثٌ ضخم رثُّ الثياب، طرد ذلك الأشعث المُتَسوِّلُ، شاعر الياسمين من الزاوية وهو يُلوِّحُ بقبضته مُهدِّداً: “هذه منطقة تسولي أنا. اذهب وجِد منطقة أخرى تتسوَّل فيها، وإياك أن تعود إلى هنا، هل تفهم؟”

هرب شاعر الياسمين وقد خانته الكلمات، سرعان ما لاحظ أنَّ “فردة الشحاطة” بقيت في ذلك الرُكن، ولسوء حَظِّه لاحظها المتسوِّل أيضاً ورماها عالياً على سطح مَخفر الشرطة المُجاور.

سار شاعر الياسمين وهو يَعرج من شِدَّة الألم في قدمه، ثمَّ وجد على قارعة الطريق شريطاً بلاستيكيَّاً نحيلاً. نظر إلى ديوان أشعاره الوطنية الذي يتأبَّطه، ثمَّ سارع إلى تمزيقه وأقصى منه كلَّ القصائد والحواشي والهوامش التي تزيد عن مساحة مَوطئ قدمه، ثقب الديوان ومرَّرَ الشريط البلاستيكيَّ فيه صانعاً منه نَعلاً. شَعَرَ لأوَّل مرَّة أن الوطن مُريح جدّاً وأنَّه قادرٌ أن يُبعد عنه الأذى ويرفعه، انطلق شاعر الياسمين بخفَّةٍ غير مَسبوقة باتِّجاه منزله.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني