من الدولة المدنية إلى سلطة الغلبة: تناقضات المرحلة الانتقالية في سوريا

0

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة شديدة التعقيد، تجمع بين آمال التغيير وأهوال الانهيار. الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي جاء إلى الحكم إثر حركة مسلحة أنهت عقوداً من الاستبداد، تعهد منذ اليوم الأول ببناء دولة مدنية تعددية تحفظ حقوق جميع مكوناتها. إلا أن هذا الوعد سرعان ما بدأ يتآكل تحت وطأة التحديات الأمنية والاجتماعية والسياسية المتصاعدة، وفي طليعتها أحداث السويداء، والتوترات العشائرية، والمواقف الإقليمية والدولية المتضاربة، وصولاً إلى تصريحات المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التي حاولت بث نبرة تفاؤلية حذرة.

في ظل هذا المشهد، بدا أن خطاب الشرع عن المدنية والمواطنة يتعرض لاختبارات متكررة. فالاشتباكات الدامية في السويداء كشفت عن هشاشة بنية الدولة الجديدة، وعن استمرار دور الميليشيات والهويات الفرعية في صياغة المشهد الأمني. وكانت تصريحات المبعوث الأميركي توماس برّاك، التي سبقت الأحداث الأخيرة، كانت قد دقت ناقوس الخطر، محذرة من أن عدم تبني نهج شامل وجاد في الحكم قد يؤدي إلى فقدان الدعم الدولي وتفتيت البلاد. برّاك طالب الشرع بمراجعة هيكلية للجيش وفتح الباب أمام دعم أمني إقليمي، مشدداً على أن سوريا الجديدة لا يمكن أن تبنى بنفس الأدوات التي هدمت الدولة السابقة.

غير أن التطورات الميدانية، وعلى رأسها ما حدث في السويداء، توحي بعكس ذلك. فبدلاً من اتخاذ إجراءات إصلاحية جذرية، فضّلت السلطة الجديدة في دمشق الحفاظ على هيكل القوة التقليدي، مستفيدة من «الفزعات العشائرية» التي أتت من مناطق سنية تحت شعارات إسلامية، وشكرها الشرع في خطابه الأخير، ما زاد من المخاوف حول توجهات النظام الجديدة. هذه الفزعات، التي جاءت على شكل حشود مسلحة من ريف درعا ودير الزور وغيرها من المحافظات باتجاه محيط السويداء، أعادت إلى الأذهان أدوات الحشد الطائفي التي لطالما استخدمها النظام السابق، ولكن بعناوين جديدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاشتباكات التي وقعت بين الفصائل الدرزية ومسلحين بدو في 13 يوليو/تموز لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل شكلت إنذاراً حقيقياً عن عمق الشرخ بين مكونات المجتمع السوري. وبرغم تدخل واشنطن لفرض وقف إطلاق نار مؤقت، فإن الوقائع على الأرض تُظهر أن الأزمة أبعد من أن تُحلّ بتفاهمات أمنية عابرة. المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، أشار في تصريحاته الأخيرة إلى “مؤشرات إيجابية” باتجاه الحل، لكن هذه المؤشرات تبقى شكلية ما لم تقترن بإجراءات ملموسة تشمل تمكين سياسي للمكونات، وتفكيك الميليشيات، ومحاسبة جدية لانتهاكات حقوق الإنسان.

في السياق ذاته، تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث اللاذقية جاء ليزيد من تعقيد المشهد، إذ أظهر استمرار انتهاكات مُمأسسة بحق المدنيين، في وقت يفترض أن البلاد طوت صفحة القمع مع سقوط النظام السابق. حيث أن اللجنة أوصت بإطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة، تشمل محاسبة مسؤولين من النظام القديم، لكنّ استجابة الشرع ظلت شكلية ومقتضبة، ما أضعف مصداقية مشروعه الإصلاحي، وأثار تساؤلات حول نواياه الحقيقية.

إسرائيل، من جانبها، استغلت الفوضى في الجنوب السوري لشن غارات جوية قالت إنها تهدف إلى حماية الدروز، وسط تزايد ضغوط من الطائفة الدرزية داخل إسرائيل نفسها. تل أبيب لم تُخفِ قلقها من صعود قادة في دمشق وصفتهم بـ “المتشددين”، وتخشى من تحول الجنوب إلى ساحة مواجهة جديدة، رغم تطمينات الشرع في بداية حكمه بأن إسرائيل ليست عدواً، وأنه لا يمانع تطبيع العلاقات في الوقت المناسب. واشنطن حاولت التوسط كـ “وسيط نزيه” لتبديد مخاوف إسرائيل، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن شكل الدولة السورية المستقبلية يحدده السوريون أنفسهم، شريطة أن تكون موحدة، عادلة، ومستقرة.

أمام هذه التحديات، فإن أخطر ما يهدد مستقبل سوريا ليس الانفجار العسكري أو الانهيار الاقتصادي، بل غياب الرؤية السياسية الشاملة. فحتى اللحظة، لم تقدم السلطة الجديدة أي تصور واضح لمستقبل الدولة، يطمئن المكونات المختلفة، ويقدم عقداً اجتماعياً جديداً يعلو على الولاءات الطائفية والعشائرية. بل إن السلطة الحالية تبدو في كثير من الأحيان كمن يراهن على إدارة الأزمة لا على حلّها، وعلى توازن الرعب لا على توازن الحقوق.

الفجوة تتسع بين خطاب الدولة المدنية وممارسات السلطة الفعلية. فمن جهة، يرفع الشرع شعارات الشمول والعدالة، ومن جهة أخرى يكرّس أدوات السيطرة التقليدية، معتمداً على ولاءات مناطقية ودينية وعشائرية، ويكاد يعيد إنتاج البنية السلطوية السابقة بوجه جديد. هذا التناقض يظهر جلياً في تعامله مع ملف السويداء، إذ بدلاً من فتح حوار حقيقي مع قيادات الجبل، وتفكيك أسباب الغضب الشعبي، اكتفى بإرسال وفود عشائرية مسلحة مدفوعة بخطاب ديني، تحت ذريعة حفظ الأمن.

الخشية الكبرى أن السلطة الجديدة لا تسعى فعلاً إلى بناء دولة مدنية تعددية، بل تعيد إنتاج مشروع هيمنة بلبوس جديد، مستفيدة من التعبئة الدينية والعشائرية، ومستخدمة خطاباً مموّهاً عن الوحدة الوطنية. فحتى اليوم، لا يوجد ما يدل على وجود مشروع سياسي متكامل، ولا مؤسسات مستقلة، ولا قضاء نزيه، ولا إعلام حر. وحتى المبادرات التي طرحتها بعض قوى المعارضة الداخلية والمهجر لم تلقَ أي تجاوب يُذكر.

أما المجتمع الدولي، فرغم التحذيرات المتكررة من خطر الانزلاق إلى فوضى أشبه بما حصل في ليبيا أو أفغانستان، فإنه يبدو متردداً في ممارسة ضغط جدي، مكتفياً بالبيانات والتصريحات الدبلوماسية. وحتى الدعم الأميركي للسلطة الحالية يبدو مشروطاً، وأحياناً ضبابياً، كما في حالة الغارات الإسرائيلية التي لم تُدان بشكل واضح، رغم تأثيرها على الاستقرار الداخلي.

إن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم ليس التهديد الخارجي، بل الانقسام الداخلي الحاد بين مكونات المجتمع، والذي تفاقم بفعل غياب رؤية وطنية جامعة. لا يكفي أن يُقال إن النظام الجديد جاء ليحارب الاستبداد، بل يجب أن يُثبت بالأفعال أنه قادر على بناء دولة قانون ومواطنة، لا دولة شعارات وولاءات فرعية.

ختاماً، فإن أحمد الشرع، إذا أراد أن يُسجل اسمه في سجل قادة التحول الديمقراطي لا في خانة الزعامات العابرة، فعليه أن ينتقل من منطق القوة إلى منطق التوافق، وأن يُظهر استعداداً فعلياً لتقاسم السلطة، لا احتكارها. عليه أن يفهم أن “الطاقة التي جاءت به إلى الحكم”، كما قال برّاك، قد تتبدد إذا لم تتحول إلى مشروع وطني حقيقي يُعطي لكل سوري مكاناً في سوريا الجديدة. فبغير ذلك، لن يكون سقوط الأسد نهاية الاستبداد، بل مجرد استبدال لوجه بآخر، واختبار فاشل آخر في رحلة السوريين نحو وطن يتّسع للجميع.

غير أن فهم تعنّت السلطة الجديدة لا يمكن أن يتم خارج السياق الأعمق الذي تشكلت فيه هذه السلطة: فهي، وإن جاءت على أنقاض نظام سقط، لم تولد من رحم عقد اجتماعي جديد، بل من رحم انهيار وتفكك واصطفافات ما قبل وطنية. لقد أفرزت لحظة ما بعد الأسد قوى مشبعة بروح الانتقام والشك، أكثر منها مؤمنة بالتحول الديمقراطي. وهذا يفسر لماذا لم تكن السلطة مستعدة للتجاوب مع الدعوات المحلية والدولية للحوار والمشاركة، لأنها ببساطة لا ترى في هذه المبادرات تهديدًا لبقاء الدولة، بل تهديدًا لاحتكارها للسلطة. إن المشروع الفعلي الذي تدفع به السلطة اليوم ليس مشروع الدولة المدنية، بل مشروع “إدارة التفكك”، عبر إعادة توزيع السيطرة على أساس هوياتية، وعبر هندسة تحالفات مرنة مع الخارج لا تعكس رؤية سيادية متماسكة. فالحل في سوريا لن يأتي من مقاربة أمنية أو عشائرية أو دينية، بل من الاعتراف أن لا أحد يمكنه حكم البلاد منفردًا بعد الآن، وأن شرعية أي نظام مقبل ستقوم على التشاركية لا على الغلبة. فبغياب هذا الاعتراف، فإن البلاد ماضية في إنتاج أزماتها، مهما تغيرت الوجوه والعناوين.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني