
الليل هادئ ليس كعادته، جسدي منهك من الضرب الصباحي، ومع ذلك أشعر بحالة من الانتعاش، لا أدري سبباً له، رائحة البطانيات العسكرية تنفث عفونتها وعطونتها على صدري وتلاحقني بكل روائح وصور مزا بل المدن التي عشت، أو تراءت لي أنني دخلتها فاتحاً يوماً ما.
وهذا اللون الداكن الذي أفقدني ما تبقى من حب الحياة، وشل أعصابي المتعبة كروحي ومع ذلك أشعر بالانتعاش!
انتظرتُ صفارة الأمان الليلية، شربت الماء، تمددت على سريري، أي سرير هو؟ قل بطانية! وتوسدت حذائي، إنه يأتي بالكوابيس، ويهرّب الجنيات، استخدمت تاء التأنيث التي انسلت من أضلعي التعبة إلى المدنية المضاءة ليلاً.
ما هذه الرائحة ليس وقتها الآن؟ هي رائحة المرحاض، اللعنة عليها! لازمت أنفي وسكنته كفتحته التي تصدني عن الخيال كلما رمشت عيني، وأغمضتهما في محاولة الهروب من هذا المكان لفسحة سماوية وأرض تتدرج تضاريسها بألوان الحياة، لكن الهجوم المباغت لهذه الرائحة الكريهة تسد عليّ ألوان الفرار الموهوم والمؤقت.
أنت َثانية أيها الصرصار العزيز! لعلك الوحيد في هذا المكان حراً وحياً! لا تنظر إلى هكذا إني، أحسدك فقط! لا تهرب مني، لن أقتلك، أتسمعني؟ أرجوك لا تضطرني لإصدار حكم بالإعدام عليك! وابتعد عن ” طاسة” الماء.
عطشان أنت؟ سأسقيك من المياه الآسنة. أنت أيضاً تحس بالأمان مثلي، لن نسمع اليوم الأصوات المقلوبة وجعاً وعويلا ا يتحول إلى العواء، أصغي معي، أتسمع الحمحمات؟.
صوت يرتل، انتظر قليلاً، لأدخن سيجارة، لقد ضحكت على السجان، وأخذت منه قداحة، انظر دخان السيجارة يشبه الغيم الأبيض، يذكرني بسماء المدينة الخريفي. الصوت يعلو، يا ترى من في المنفردة المقابلة؟.
لأحاول الوقوف! لكني متعب!!عليّ معرفة جاري الجديد.
– يا جار.. يا جار..
– من..؟
– أنا في الزنزانة المقابلة..
– ماذا تريد؟
– من أنت؟ وما هي تهمتك؟
– ولماذا تسأل؟
– لنتعارف.. أنا اسمي أيمن.. تهمتي الاشتراك في اعتصام.
– الاعتصام الذي جرى قبل أشهر!
– هو
– وأنت؟ الشخص الذي ضُرب في صباح اليوم؟
– أجل.. أنا أحمد المحمد.. تهمتي غبائي..
– كيف؟
– سلمني الأمريكان إلى بلدي هذا.. اعتقلت لزمن وعذبت، لم يثبت عليّ شيء، فأطلق سراحي، ذهبت إلى الأمن العام لأخذ جواز سفر، وأقوم بواجبي بالخدمة العسكرية، وهناك جلست مع ضابط، سألني عن إقامتي بأمريكا وحياتي هناك، وطلب لي الزهورات والقهوة، كان وجهه سمحاً لطيفاً، بدأت أتكلم عن علاقتي بتنظيم القاعدة وعن دوري في استئجار الشقق للمجاهدين، وكيف كنت أتعامل مع الأمن الأمريكي… واختراقي لبعض أجهزة الأمن. كان الضابط يصغي وملامحه تتغير أحياناً، ويطغى عليه الاستغراب، وأحياناَ الدهشة، وأخيراَ الذهول طلب لي الزهورات ثانية، كانت يده ترتجف وهو يضرب أرقام الهاتف.. شربت الزهورات، وإذ بالأمن يأتي فجأة ويعتقلني ثانية، لأعود إلى هنا مع كتاب توبيخ للضابط المحقق، وأرمى من جديد تحت التعذيب الوحشي.
– كيف تكلمت مع ذلك الضابط وأفشيت بتلك المعلومات؟ كيف؟
– كان وجهه مريحاً، وتعامله لطيف، وعندما سألني المحقق لماذا لم تعترف أمامي؟
أجبته لأن ذلك الضابط عاملني بإنسانية، سقاني زهورات في حين أنت أهنتني وضربتني.
– وصدقك؟!
– أنت لم تصدقني… هذا ما حصل.
كان صوته عميقا.. متقطعا بزفرات الم
ارتفع صوت جاري الثاني:
– لماذا اعترفت؟
وبدأت الأصوات تخرج من الزنازين… بأحرف وكلمات تتقاذفها الأفواه.
– كان عليك أن تلزم الصمت!
صوت واحد حوّل العتب إلى تساؤل
– ماذا وراءك يا هذا، وماذا أخفيت؟ ولماذا تكلمت؟ من أرسلك؟
صمتنا، والشك زحف إلينا، وأسئلة صامتة وأجوبة مكتومة تخترقها زفرات ملأت الممر، تتأهب لاستقبال وجع اليوم التالي وصمت مريب، ما وراء هذا السجين؟ ومن يكون؟ ومن قذفه هنا؟