مروان الخاطر ابن الصحراء الشاعر الحزين الذي رحل قبل ان يكتمل الحلم

0

حزنت مرتين على الشاعر مروان الخاطر ابن الفرات النبيل.. المرة الأولى: عندما توفي قبل سنوات، والمرة الثانية بعد أن قرأت له الأعمال الشعرية الكاملة والتي كتب معظمها في ستينيات القرن الماضي.. ولا أعرف كيف ومتى حصلت على هذه النسخة من الأعمال الشعرية

الكاملة والنسخة التي معي مهداة إلى بدور عبد الكريم وكتب الشاعر مروان الخاطر على الصفحة الأولى منها بخط يده إلى الأخت بدور عبد الكريم مع تحياتي مروان الخاطر.. دمشق 1997 وبدور إعلامية سورية معروفة.

حزنت لأنني لم أكن أتحدث مع الشاعر مروان الخاطر عن الشعر عندما كنت ألتقيه في مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أو صدفة في مشروع دمر بدمشق… كان يناديني يا ابن أخي كيف حالك وكيف حال حمدان فكنت أجيبه الحمد لله بخير كيفك أستاذنا وكيف حال وضاح..

عندما قرأت ديوانه الشعري كان يضم عنوانان من بين عشرات العناوين: حمدان في البوكمال ووضاح في صنعاء باليمن وكان الخاطر مدرسا للغة العربية وكان الديوان من النوع الشغري الثقيل والغني واحسب ان مروان الخاطر لو استمر عطاؤه كما كانت انطلاقته في الستينات لكان لدينا مكنبة ولكن لاحظت أن ما كتبه وهو صغير السن يعادل أضعاف ما كنبه أو ألّفه في الاربعين عاماً الأخيرة من حياته كان شعر مروان الخاطر متنوعاً ومتعدد المواضيع والأغراض ويضم في طياته صوراً ومصطلحات تغطي الحياة الروحية والإنسانية للمجتمع الفراتي الذي يتمتع بحضارة إنسانية عميقة ضاربة الجذور في التاريخ، فعناوين مجموعاته الشعرية التي يضمها ديوان مروان الخاطر (أغاني الفرات، نشيد الغربة، أخاف عليك فابتعدي، أصوات في سمع الزمن المقهور، حمدان، الناي الجريح ) وتحت كل مجموعة من هذه المجموعات الخمسة عناوين كثيرة (وقفة على شاطئ الفرات، الوردة الحمراء، عروس الشمس، الكوخ، أبحث عن ظلي، خزامى، قلق، أنا والحروف، خيول الفتح، مرثية الجسر السادس وتغريبة السلماس ومنها هذه الكلمات:

أيها السلماس أين الشيح

وأين خيام من ظعنوا

وما سكنوا

هذي هي الصحراء

وذاك هو الفرات إذا أردت الماء

سأبحث عن بقاياي القديمة والجديدة

أجمع الميسور منها

ثم أرحل للفرات لعلّه يرضى بتجديد الإقامة

يعرف النهر السخي بأنني المنفىّ

أبحث في بلاد الله عن قدري

وما ألقى

بلاد الله ضيقة..

عيون الناس ضيقة

وبين الضيق والضيق انتهى عمري..

كان مروان الخاطر يسجل في نهاية القصيدة مولدها وخانتها وفي قصيدة تغريبة السلماس وهو نبات من نباتات البادية كان تاريخ القصيدة دمشق 1986.

كان الخاطر يسجل حياته شعراً ومن يقرأ ديوانه وكان إنتاجه كثيفاً عندماً كان في ريعان الشباب، ولكنه على عكس كل الأدباء والشعراء أصبح خلال الثلاثين عاماً الأخيرة قليل الإنتاج الشعري وربما كان ذلك لظروف موضوعية وليست ذاتية فقد كان منزل مروان الخاطر في مشروع دمر موئلاً للأدباء والمثقفين أو لنقل منتدى لأبناء الفرات الذين يفيضون علماً وأدباً وقد جاؤوا

العاصمة ليكونوا كلمة الفرات فيها. وكان المنزل يضيق أيضاً بأبناء سورية كلها من جميع المحافظات فكان مروان الخاطر نسراً يحلق في سماء سورية وهو يسجل اللحظات الحاسمة وكانت مسحة الحزن والألم والمعاناة تطغى على ديوانه من أوله حتى أخره كان يسجل مذكراته وحياته وحياة أصدقائه شعراً ويضعهم في قلب التاريخ حيث تحتل مدينة البوكمال مسقط رأسه مكانة لم تصل إليها مدينة أخرى أبداً فهي أخت الفرات وتوءمه والشاعر كوكب يدور حولها وعشرات القصائد التي ضمها الديوان والتي بدأها بقصيدة “دوائر” وانتهى بقصيدة تحمل عنوان “أبحث عن ظلي” وعندما استعرضت عناوين القصائد في هذا الديوان الذي يقع في 447 صفحة من القطع المتوسط تكون لدي انطباع بأن أبو ظاهر الشاعر مروان الخاطر عاش حزيناً ومات حزيناً حتى وصل الحزن إلى عظامه لأنه كان يحمل في جوانحه هموم كل أبناء بلده وليس همه الشخصي فقط.. كان مروان الخاطر مدرساً للغة العربية وكان شخصية قوية ولديه أسرة من عشرة أطفال كانت دائماً تقف على حد السيف، بعض أولاده السبعة هاجر مع من هاجر خلال الثورة السورية وبعضهم الآخر محمد ووضاح وحسن بقوا في سوريا وكانوا يحملون قيم والدهم وكان المؤيدون والمعارضون على حد سواء يجدون في أبو ظاهر ملاذاً وموقعاً.. يودعه الجميع أسراره بأمانة ومحبة وثقة لأنه كان عن حق يشبه ذلك العقاب الجارح النبيل الذي اعتمدته الثورة السورية شعاراً لها وكان يمثل المواطن السوري الشريف والمثقف والأصيل بأخلاقه وشمائله العربية، أخلاق الشاعر الفارس التي يتغنى بها الشعراء العرب جميعاً. وقد فجعت الأسرة بموت واحدة من البنات الثلاثة إنها إلهام أخت خزامى وسهام، وكانت لحظات قاسية على الأسرة سجلها الشاعر مروان الخاطر في ديوانه بلوعة إنسانية وانكسار وألم. وكم تحتاج سوريا إلى هذا النوع من الأشخاص الذين ينشرون المحبة والأدب والثقافة ويعبرون عن الحرية والكرامة الإنسانية فلا يبيعون ولا يشترون بالقيم. هكذا كان الشاعر مروان الخاطر الذي لم يكن موظفاً عادياً ولا مدرساً عادياً ولا مواطناً عادياً ولا شاعراً عادياً، كان شخصية فذة ومرموقة، أسعد كل من عرفه وعاش في زمن عصيب ومضى الرجل حزيناً، وهاهو يرثي ابنته إلهام

جاءت إليّ في.. يد جريدة

وقهوة الصباح في يدها الأخرى

تقول يا أبي: أهذه قصيدة جديدة؟

أجيبها: أنت القصيدة

وأنت الروح في القصيدة

تضحك لي.. وتتركني

أتم ما بدأت لكن…

سافرت إلهام ما عادت

ولم تكتمل القصيدة

وينادي الشاعر مروان

ابنته فقيدته الشابة:

تشبثي باللحد، فالتراب أرحم من عالمنا المهين

إياك والحنين لهذه الحياة

ما متّ أنت

نحن في حياتنا الموات

في أحسن الحالات

نهرب من سجن إلى سجن..

وهاهو مروان الخاطر ينادي البوكمال مدينته.. يا أخت الفرات..

أخت الفرات تناثرت أحلامنا

وتباعدت خطواتنا في الساح

أنا عنك في منأى وأنت بعيدة

وبقية الأحباب قبض رياح

شاب الذي في الرأس ما

شاب الذي تحت الضلوع فجدّدي أقداحي

كل المدائن أغرقت سفن الهوى

ماذا لديك لعودة الملاح

في مجموعته الشعرية الأولى الناي الجريح التي صدرت في العام 1962 كان ابن الصحراء عندما أصدر هذه المجموعة لا يتجاوز عمره العشرين عاماً أما مجموعته الثانية (حمدان) فكانت في العام 1964 وكان دفق الشعر لديه كينبوع ماء صاف بكلام عربي أصيل وعميق وكان حمدان صورة الإنسان المكافح النبيل فجاء الشعر بمثابة مسرحية شعرية تتحدث عن

يوميات وليالي حمدان وتتألف من ثلاثة أناشيد النشيد الأولى الخبز والرياح ويبدؤها بحديث

شريف يقول (كادت الفاقة أن تكون كفراً)

عبثوا بلقمتنا العليلة

عبثوا بها قسراً وحيلة

فالأرض كل الأرض

يملكها القليل

والكادحون عبيد طاغية يصول..

أما النشيد الثاني من هذه المجموعة فهو يوميات حمدان وهي مسرحية شعرية تتحدث عن يوميات وليالي وهواجس حمدان من أيام السبت حتى الجمعة:

السبت: عازف الربابة، الأحد: القصر، الإثنين: الجوع والأحلام، الثلاثاء: العيد والصغار، الأربعاء: الحزن والرغيف أما الخميس: الفجر والعراف ويمكن من خلال هذه العناوين أن نتعرف على عمق تفكير الشاعر مروان الخاطر وهمومه التي لا حدود لها ويختم هذه اليوميات بالقول

لو أن عرافاً يقول

الفجر تحمله الخيول

لمددت أعصابي لها جسراً تسير

من فوقه.. ليفيق

مندهشاً صغير

ويبشر الأم الحزينة

أو يطير

صوب الجموع متمتماً.. أتت السيول

لو أن بارقة تنير دربي…

لما لعب المغول..

أما النشيد الثالث من هذه المجموعة فهو بعنوان أصوات الخلاص يقول فيها:

حمدان يا أمدي وبعدي

يا زند أجدادي… وزندي

يا رمز ملحمة تفيق من الرقاد

حمدان الرجل الصالح الفعال رمز للإنسان الذي ينشر الخير ويعمل بجد بطيبة وصفاء سريرة ورمز لجمال الروح ونقائها..

كان الأستاذ مروان الخاطر شاعراً وأديباً وكاتباً ومدرساً مرموقاً، على مدى عقود طويلة من عام 1943 حتى العام 2019 عام وكان شاعراً في طريقة حياته وفي طعامه وفي شرابه وفي علاقاته وفي كل شيء ولهذا فإنني حزين جداً لأن أبو ظاهر كان نبعاً يشرب منه الجميع وكأس ماء صافية لا كدر فيها، وكان يعبر عن حبه للحياة والناس والوطن بكلمات عربية فراتية إيمانية وإنسانية خالصة لا يستطيع غيره أن يكتب مثلها ولهذا كنت كلما قرأت له أكثر كلما كان حزني يتسع لأنه كان يجمع ولا يفرق ويحب ولا يبغض..

وفي نشيد الغربة الصادرة عام 1975 يقول الشاعر الخاطر مصوراً الواقع الذي يعيشه الناس ويصور الغربة في الوطن:

ضاقت والدرب يضيق

لا يعرف غربتنا إلا المتغرب بين ذويه

الباحث عن وطن الفقراء

الضائع بين فرات الأهل ودجلتهم

أتغرب فيك ولا أسفار

أتعذب فيك ولا أخبار

فلماذا تبخل يا وطني

ولماذا يا وطني ضاقت

بذويها الدار

كان مراون الخاطر كوكباً يدور في سماء الشعر العربي السوري وقد صدرت له ست مجموعات شعرية وأخاله لو كان معنا اليوم لكان يحتفل مع الشعب السوري بالثورة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني