مجلس الشعب السوري الجديد، بين الآمال المرجوّة وخيبات تحدّيات المرحلة

0

تُجرى غداً، بعد فترة “صمت انتخابية”، المرحلة الأخيرة في إجراءات تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد، حيث يتمّ اختيار أعداد محدّدة من المرشّحين داخل الهيئات الناخبة، في عملية يُراد لها أن تكون انتخابية تمثّل إرادة ومصالح السوريين.

على الصعيد الرسمي، يُنظر إلى العملية بوصفها خطوة نوعية فارقة في مسارات العملية السياسية الانتقالية، لكونها لا تترك بصمتها الخاصة على هذه المرحلة فحسب، بل على طبيعة شكل ومستقبل الدولة السورية الجديدة أيضاً.

في السياق السياسي السوري العام الذي أعقب انتصار إسقاط سلطة الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، ووصول الحكومة المؤقتة إلى السلطة، ومخرجات مؤتمر النصر (الذي مثّل استحقاق الضرورة الوطنية تجنّباً لعواقب فشل جهود عقد مؤتمر حوار وطني تأسيسي في الخامس من يناير)، و”مؤتمر الحوار الوطني” في 26 فبراير، والإعلان الدستوري في 13 آذار يأتي استحقاق انتخابات مجلس الشعب السوري في إطار استكمال خطوات بناء مؤسسات الدولة التشريعية للمرحلة الانتقالية، وبما يعزّز جهود وإجراءات تقدّم العملية السياسية الانتقالية التي أطلقت القيادة السياسية مشروعها الوطني في أعقاب مخرجات مؤتمر النصر في نهاية يناير 2025.

ضمن هذا الإطار، تمّ تنظيم خطوات وإجراءات العملية الانتخابية بموجب المرسوم رقم 66 لعام 2025 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 13 يونيو/حزيران الماضي، وقضى بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” استناداً إلى المادة (24) من الإعلان الدستوري الذي وقّعه الرئيس في 13 مارس.

في آليات عمل اللجنة العليا وتركيبة المجلس الجديد وفقاً لنص الإعلان الدستوري، تشرف اللجنة العليا على تشكيل لجان فرعية في 11 محافظة، ويتكوّن المجلس الجديد من 210 أعضاء، منهم 140 يُختارون عبر لجان فرعية وهيئات ناخبة، ويتمّ الاختيار عبر ما يُعرف بـ “الفرز المجتمعي” بالتشاور مع الفعاليات الرسمية والمجتمعية والرموز الوطنية، على أن تشمل الهيئات الناخبة ما نسبته 70% من الكفاءات وأصحاب التخصّصات المتنوّعة، و30% من الأعيان والوجهاء الذين يمثّلون شرائح اجتماعية واسعة. ويحقّ لأعضاء الهيئات الناخبة الترشّح لعضوية مجلس الشعب، وتُجرى في المرحلة الثانية عملية اقتراع حر ومباشر وسري بعد انتهاء الدعاية الانتخابية داخل الدوائر، ليُعلن فوز من ينال أعلى الأصوات وفق المقاعد المخصّصة لكل دائرة. وتتولّى اللجنة العليا الإشراف المباشر على العملية الانتخابية، وتمثّلها اللجان الفرعية في مختلف المناطق، وتشارك نقابة المحامين السوريين بدور رقابي واسع، كما يُفسح المجال للوفود الدولية والدبلوماسية والإعلامية للتغطية “الحرّة والمباشرة”.

في أبرز مهام المجلس الجديد، أن يتولّى – وفقاً للمادة (30) – مجموعة من المهام التشريعية، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام.

علاوة على ذلك، يتولّى المجلس دوراً تأسيسياً عبر تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم، يُفترض أن يُعرض على استفتاء عام عندما تتوفّر ظروف الأمن والاستقرار، وبعد اعتماده ستُجرى انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية حرّة ونزيهة ومباشرة بمشاركة الشعب السوري، تؤسّس لمرحلة دائمة ومستقرّة.

رغم الظروف السورية الاستثنائية، كان يُؤمّل على نطاق واسع أن تُعطي العملية السوريين فرصة تاريخية لاختيار ممثّلين حقيقيين، وتؤكّد على حقّهم المشروع في إعادة تأسيس السلطة التشريعية وإصلاح ما أفسدته سلطات النظام البائد من قوانين، وبناء أسس مؤسسات حرّة وشفافة.

موضوعياً وذاتياً، يبدو جلياً أنّ الشروط السورية أكثر تعقيداً؛ فإذا كانت خطوات وإجراءات تشكيل المجلس تهدف إلى تأسيس سلطة تشريعية تستمدّ شرعيتها من الشعب، وتعمل على تحرير القوانين من إرث النظام السابق بما يعزّز التكامل بين السلطات ويكرّس الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية، فقد واجهت مستويين من التحدّيات: تتعلّق تحدّيات المستوى الأوّل بآليات عمل النظام الانتخابي المؤقّت غير المباشر، وعبر اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، الذي يعكس تعقيدات ظروف المرحلة الانتقالية في ظل وجود أكثر من ثمانية ملايين لاجئ ونازح، ومشاكل تتعلّق بالوثائق الرسمية والسجل المدني، إضافةً إلى غياب قاعدة بيانات متكاملة للناخبين.

أمّا أخطر التحدّيات، فهي تلك التي ترتبط بأجندات مشروع قوى التقسيم الساعية لتفشيل العملية السياسية الانتقالية بشكل عام عبر فصل الساحل السوري والسويداء، وقد كان من الطبيعي أن تستغلّ الظروف الأمنية والسياسية الصعبة لتفشيل خطوات العملية الانتخابية عبر استهداف بعض المرشّحين بتهديدات مباشرة تحاول ثنيهم عن المشاركة، وصلت إلى درجة القتل، ولا يخرج عن سياقها جرائم الخطف والقتل والاغتصاب، وما يرافقها من حملات تحريض سياسي وتجييش طائفي باتت تهدّد السلم الأهلي وتعيق نجاح جهود العملية الانتخابية.

أعتقد أنّه في ظل هذه التعقيدات المتعدّدة المستويات، ومخاطر غياب بيئة آمنة، وظهور ما يؤشّر إلى سيطرة منطق التعيين المقنّع وغياب شروط عملية انتخابية تمثيلية، يصبح الحديث عن انتخابات حرّة ونزيهة أقرب إلى الأماني الطيّبة والنوايا الحسنة، ويصبح من اللاموضوعية توقّع أن تؤسّس لعملية انتقال سياسي ديمقراطي أكثر ممّا تؤدّي إلى تكريس الولاء وإعادة تدوير بعض أدوات النظام السابق بأسماء جديدة.

على أيّة حال، ليس من الموضوعية أيضاً أن نتجاهل طبيعة التحدّيات، وما تبذله القيادات الانتقالية ومؤسسات السلطة الجديدة من جهود للوصول إلى أفضل النتائج الممكنة في سياق جهود تعزيز مسارات العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية، وتوفير شروط نهضة اقتصادية وحماية السلم الأهلي والأمن القومي السوري.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني