ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا: نحو خطاب سوري جامع
في خضم الأزمات التي تعصف بسورية، يبرز سؤال جوهري: هل نحن، كسوريين، مقبلون على قدر مشترك من المصير المشترك رغم كل ما مررنا به؟ الإجابة التي تمليها علينا المسؤولية التاريخية والأخلاقية هي نعم مدوية، لكن هذه النعم تحتاج إلى من يعمل على ترجمتها إلى واقع ملموس.
يواجه العاملون في الشأن العام السوري – سواء كانوا سياسيين، إعلاميين، أكاديميين أو ناشطين – اختباراً تاريخياً حقيقياً. إنهم مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى للعب دور الجامع لا المفرق، والمُوحِّد لا الممزق. ففي الوقت الذي يعاني فيه السوريون من ويلات الحرب والتشرذم، يصبح البحث عن القواسم المشتركة ضرورة وجودية وليس خياراً استراتيجياً فحسب.
ما هي هذه القواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها؟ إنها متعددة ومتشعبة: الانتماء لوطن واحد ذي تاريخ وحضارة ضاربة في القدم، اللغة العربية التي تجمع السواد الأعظم من السوريين، التطلع المشترك للعيش بكرامة وحرية وعدالة اجتماعية، رفض الظلم والاستبداد أياً كان مصدره، والأهم من ذلك كله، المصير المشترك الذي ينتظر الجميع إذا استمرت حالة التمزق والانقسام.
لكن الملاحظ أن بعض الخطابات السورية المعاصرة تنحو منحى آخر، إذ تركز على ما يفرق وتهمش ما يجمع. فبدلاً من الحديث عن مستقبل سورية الديمقراطية التعددية التي تتسع للجميع، نجد خطابات تركز على هويات فرعية وتارة أطروحات تغيير شكل الدولة والعقد الاجتماعي بدون العودة للشعب صاحب العلاقة، أو تصفية حسابات قديمة، أو إحياء جراح الماضي بطريقة لا تساعد على التئامها.
إن إثارة قضايا ومفاهيم تفرق بين السوريين ليست فقط غير مسؤولة، بل هي خطيرة في نتائجها. فهي تعيد إنتاج آليات النظام القديم القائمة على “فرق تسد”، وتعمق الجروح التي يحتاج السوريون إلى تضميدها، وتخدم أجندات خارجية لا تريد لسورية أن تستقر أو تنهض من كبوتها.
المطلوب اليوم من النخب السورية والفاعلين في المجال العام أن يتحلوا بوعي تاريخي عميق يدرك أن اللحظة الراهنة هي لحظة بناء وطني حقيقي بعد نصر عظيم أكرمنا الله به على من ظلمنا. بناء يتطلب تجاوزاً للماضي دون نسيانه أو تجاهله، وانفتاحاً على الآخر دون تذويب للخصوصيات، والتزاماً بمبادئ المواطنة المتساوية التي تضمن للجميع حقوقهم وواجباتهم.
إن الخطاب الوطني الجامع لا يعني إلغاء التنوع أو تغييبه، بل يعني احترامه وتوظيفه في خدمة المشروع الوطني الكبير. فالتنوع الثقافي والديني والمجتمعي في سورية ليس نقطة ضعف، بل هو ثراء حقيقي يمكن أن يكون مصدر قوة وإبداع إذا ما أحسن استثماره.
نحن بحاجة إلى خطاب سوري جديد ينطلق من أن “ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا”. خطاب يضع نصب عينيه مستقبل الأجيال القادمة، ويعمل على بناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع السوري، ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تقوم على الحوار والتسامح واحترام الاختلاف.
إن مسؤولية العاملين في الشأن العام السوري كبيرة وثقيلة. وهم مدعوون اليوم لأن يكونوا جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. فإما أن يرتقوا إلى مستوى التحدي التاريخي ويضعوا مصلحة سورية فوق كل اعتبار، وإما أن يتحملوا جزءاً من مسؤولية استمرار معاناة شعب أنهكته الحروب والصراعات.
لقد آن الأوان لأن نبحث جميعاً عن الأرضية المشتركة التي تلملم جراح سورية وتعيد بناء وطن يتسع للجميع. فالوطن الذي يسع الجميع هو وحده القادر على البقاء والازدهار.