
لماذا يخاف نتنياهو من استقرار سوريا؟
منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع إلى قيادة سوريا، شهدت المنطقة واحدة من أعمق التحولات السياسية والأمنية في تاريخها الحديث، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة السورية ـ الإسرائيلية التي ظلت لعقود محكومة بمعادلات شبه راسخة. تلك القواعد استندت إلى صفقة غير معلنة: جيش سوري ينشغل بحراسة حدود الجولان ويقمع الداخل بيد من حديد، مقابل حرية شبه مطلقة لإسرائيل في استهداف مواقع إيرانية وميليشيات موالية لطهران على الأراضي السورية. هذه المعادلة لم تخدم سوى طرفين: تل أبيب التي ضمنت هدوءاً كاملاً على جبهتها الشمالية، والنظام السابق الذي قدّم نفسه حامياً للحدود في الوقت الذي دمّر فيه الداخل السوري.
مع وصول قيادة جديدة، تبلورت هوية سورية مغايرة. لم تعد إيران وميليشياتها العابرة للحدود جزءاً من المشهد الجنوبي، ولم يعد بإمكان إسرائيل التذرع بوجود الحرس الثوري لتبرير غاراتها. هذا التحول لم يأتِ بقرار سياسي فحسب، بل كان نتاج عوامل مركّبة: استنزاف إسرائيلي متواصل للوجود الإيراني، فقدان طهران لغطائها السياسي الذي كان يوفره نظام الأسد، ورغبة القيادة السورية الجديدة في إعادة بناء الدولة الوطنية على أساس السيادة الكاملة. النتيجة كانت فراغاً أمنياً قلب الحسابات الإسرائيلية وأجبرها على التفكير في بدائل جديدة.
في هذا السياق، انطلقت مفاوضات أمنية بين دمشق وتل أبيب برعاية أمريكية يقودها المبعوث توماس براك، تهدف إلى ضبط الحدود ومنع الاعتداءات. إن طبيعة هذه المفاوضات تختلف عن اتفاقية فصل القوات لعام 1974، إذ كانت تلك الاتفاقية تهدف أساساً إلى تثبيت حكم حافظ الأسد وتثبيت استقرار حدودي مقابل بقاء الاحتلال في الجولان، بينما الشرع ينظر لأي اتفاق محتمل كأداة لترسيخ السيادة ومنع أي ذريعة إسرائيلية للتدخل أو لإجهاض مسار إعادة الإعمار.
إسرائيل، من جانبها، لا تبدو مرتاحة لهذا المسار. فرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو اعتمد خطاباً مزدوجاً: إقرار بوجود بعض التقدم في المفاوضات، مقروناً بالتشديد على أن الطريق لا يزال طويلاً. خلف هذا الخطاب تكمن قناعة بأن استقرار سوريا الجديدة لا يخدم استراتيجياته. فنتنياهو اعتاد الاستثمار في هشاشة الجوار العربي لتوسيع نفوذه داخلياً وإقليمياً، ويرى أن بروز سوريا قوية ومستقرة يشكل تهديداً مباشراً لنهجه السياسي والأمني.
القيادة السورية الجديدة، حرصت على الفصل بين الأمن والسيادة، مؤكدة أن أي تفاهم أمني مع إسرائيل لا يعني التطبيع أو الاعتراف بالاحتلال، بل يقتصر على ضبط الحدود وحماية الداخل. هذه البراغماتية تهدف إلى توفير الأمن الداخلي واستكمال مشاريع إعادة البناء والمصالحة الوطنية، مع مراعاة حساسية الرأي العام السوري تجاه ملف الجولان.
البعد الدولي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. الولايات المتحدة ترى في استقرار سوريا الجديدة مصلحة استراتيجية عليا، ليس فقط لمنع عودة الفوضى أو تمدد التنظيمات المتطرفة، بل أيضاً لقطع الطريق على منافسين دوليين مثل روسيا والصين. من هنا جاء إصرار واشنطن على رعاية المفاوضات ودفع تل أبيب نحو قدر من المرونة، مع إدراك أن أي إصرار إسرائيلي على التعطيل سيُقرأ دولياً على أنه محاولة لإفشال مسار الاستقرار في المنطقة.
على الأرض، تبنت القيادة السورية سياسة تهدف إلى تجنب تقديم أي ذرائع لإسرائيل، من خلال عدم الانخراط في استفزازات على الحدود، وعدم السماح بعودة الميليشيات العابرة للحدود، والتركيز على بناء مؤسسات الدولة وضبط الأمن الداخلي. هذا التوجه قلل من المبررات الإسرائيلية التقليدية للغارات، ما جعل تل أبيب تواجه خياراً محرجاً: إما قبول اتفاق أمني يقلص تدخلاتها، أو الاستمرار في سياسة القصف من دون مبرر مقنع، وهو ما يعرضها لضغوط دولية.
لكن التحديات لا تزال كبيرة. إسرائيل تميل إلى إبقاء الأمور في حالة سيولة أمنية تسمح لها بحرية الحركة الجوية والعسكرية. نتنياهو، المعروف بنزعته التصعيدية وميله للمناورة، لا يرى مصلحة في اتفاق يقيّد إسرائيل. من جهتها، تدرك دمشق أن هذه المماطلة قد تُطيل أمد المفاوضات، لكنها تراهن على أن توازنات القوى الدولية والإقليمية ستجعل من الصعب على تل أبيب التمسك بسياسة المراوحة لفترة طويلة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن أي نجاح سيعيد رسم التوازنات، ويمنح الأردن ولبنان استقراراً على حدودهما الجنوبية، ويجبر تركيا على إعادة حسابات استراتيجيتها تجاه سوريا، كما يوفر الخليج العربي ضمانة لإعادة التوازن في المشرق. دولياً، سيكون النجاح انتصاراً للسياسة الأمريكية، بينما الفشل قد يتيح لموسكو والصين استثمار الفراغ لصالحهما.
المشهد، إذن، يقف عند مفترق طرق تاريخي. الأول هو التوصل إلى تفاهم أمني متوازن يعيد ضبط الحدود ويمنح سوريا فرصة للتركيز على الداخل، والثاني هو استمرار حالة اللااتفاق، بما يعنيه من قصف متكرر وتوترات مزمنة تبقي سوريا في حالة استنزاف وتضعف فرص استقرارها. بين هذين المسارين، تبقى واشنطن قادرة على ترجيح كفة المسار الأول إذا مارست ضغوطاً جدية على تل أبيب، بينما يعتمد المسار الثاني على قدرة نتنياهو على المماطلة ومناورة الزمن السياسي.