لماذا تخلّى الروس عن نظام الأسد؟

0

عندما نتحدث عن نظام عائلة الأسد فهو كان نظاماً فاشلاً وبالأخص في حقبة بشار الأسد، الذي لم يكن مؤهلاً للسلطة ومن أفشل الإداريين للبلاد، الذي كان يحمل شخصية نرجسية غير قادرة على إدارة البلاد بطريقة تستطيع فيه البلاد الصمود في وجه متغيرات المنطقة، وهو كان نظاماً استبداديّاً طائفيّاً.

أعتقد أن موسكو لم تتخلَّ عن سوريا ولا عن مصالحها، بل تخلّت عن صيغة حكم فقدت جدواها وأصبحت عبئاً استراتيجياً، فالنظام في عهد بشار الأسد تَحوّل إلى منظومة استبداد زبائنية عاجزة عن الإدارة والإصلاح، وأثبتت التجربة أنه لا يملك أدوات الحوكمة ولا القدرة على إنتاج عقد اجتماعي جديد؛ منذ 2012 قال فلاديمير بوتين إن إزاحة الأسد خارج إطار قانوني ستقود إلى حرب بلا نهاية، لذا كان تدخّل روسيا لاحقاً لحفظ مؤسسات الدولة ومنع انهيارها على الطريقة الليبية، وإتاحة زمنٍ لمسارٍ سياسي منظّم، لكن تعاظم اقتصاد الحرب والفساد وارتهانات القرار وتضارب المحاور جعل حماية النظام أغلى كلفة من حماية الدولة نفسها، كما أن تعقّد النفوذ الإيراني داخل البنية الأمنية خلق احتكاكات مع أنقرة وتل أبيب وعواصم الخليج التي تريد موسكو موازنتها، ومع تبدّل المزاج الإقليمي، وتقديم العرب مقاربة «انفتاح مشروط» على سوريا الدولة لا على الصيغة القديمة للحكم “مكافحة المخدرات”، عودة اللاجئين، تخفيف عسكرة الجنوب، ومسار سياسي جديد، بات واضحاً أن استمرار المنظومة السابقة يعزل سوريا ويستنزف الجميع؛ هنا انتقلت روسيا من معادلة  حماية النظام إلى رعاية انتقال منظّم يحفظ وحدة البلاد ومؤسساتها، ويصون تموضعها البحري والجوي وعقود الطاقة والقمح واللوجستيات عبر تفاهمات قانونية مع الحكومة السورية الجديدة، ويفتح الباب لشراكات أوسع مع أنقرة والرياض وأبوظبي والدوحة والقاهرة، ويُرسّخ قواعد اشتباك مستقرة على الحدود، ويغلق مسارات التهريب والتنظيمات العابرة للحدود، وبذلك لم يكن التخلّي قطيعةً مع دمشق بل إعادة تموضع عقلانية تنقذ الدولة من الصيغة التي جرّت البلاد إلى الهاوية، وتعيد صياغة العلاقة على أساس دولة مؤسسات منفتحة على محيطها العربي، ومتصلة بالاقتصاد الإقليمي، وقادرة على توازن علاقاتها مع تركيا وإيران والفضاء الأوراسي، أي شراكة طويلة الأمد مع سوريا الجديدة، لا رهن المصالح بمصير شخص أو شبكة ضيقة تابعة لنظام الأسد.

إن فتح صفحةٍ جديدة يمنح سوريا والمنطقة إمكاناتٍ كبيرة: تفكيك اقتصاد الحرب، وبناء عقد اجتماعي، إعادة اللاجئين بضمانات، إطلاق اقتصادٍ منتج مرتبط بسلاسل توريد المتوسط والخليج وبريكس والفضاء الأوراسي، واستعادة سياساتٍ متوازنة مع تركيا وإيران، أما إنقاذ الصيغة التي أغرقت نفسها فمستحيل، لا يمكن إنقاذ الغارق الذي ألقى بنفسه إلى القاع، وهذا ما فعله نظام الأسد حين حوّل الدولة إلى ريعٍ وقمعٍ وعزلة، لذا كان التخلي عنه خياراً عقلانياً لإنقاذ سوريا ومصالح روسيا معاً، وبداية لشراكةٍ طويلة الأمد مع دولة مؤسسات قادرة على الحكم لا مع شبكةٍ تجرّ البلاد إلى الهاوية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني