
لحظة فرح
دمشق الساعة الرابعة عصراً، ينقطع الاتصال بين الأم وابنتها آية عامر الفريج، تتوقع الأم أن هاتف ابنتها قد فرغ من الطاقة، انتظرت ساعة تترقب عودتها، حاولت الاتصال مرة أخرى لكن المجيب الآلي قال إن الرقم خارج التغطية، يزداد قلق الأم، تتصل ببنات خالها المقيمات بدمشق لعل ابنتها قد وصلت إليهم، اتصلت بصديقاتها، بزميلاتها لكن الجميع أجاب بالنفي، يقال إن هناك حوادث خطف كثيرة بدمشق، هل تكون ابنتها قد خطفت من جملة من خطف عبر سنين الثورة، هل خطفها أبناء العشائر الذين فزعوا لنصرة عرب السويداء؟ أم خطفها الدروز انتقاماً من السنة؟ أم خطفها الإسلاميون معتقدين أنها مسيحية في باب توما؟، عشرات التساؤلات تدور في رأسها وهي لا تعلم ماذا تفعل، والد ابنتها وزوجها مات منذ عشرة أعوام وهي من تتولى تربيتها مع أخ وحيد بعدما نزحوا من دير الزور هرباً من داعش، هل يعقل أنها قد خطفت انتقاماً من أعمامها الموالين للثورة أم انتقاماً من عمتها التي وقفت بوجه داعش وحاولوا قتلها واعتقالها لكنها هربت من بين أيديهم بمعجزة وغادرت إلى تركيا لتلتحق بأخيها الأكبر الذي غادر سورية منذ عشرات السنين، لم تعد تستطيع التفكير، اتصلت بي قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً لتقول لي إن آية قد فقدت وتعتقد أنها قد خطفت، حاولت أن أطمئنها قليلاً واستفسر منها إن كانت قد أغضبت ابنتها أو تشاجرت معها لكنها نفت بشدة، ما جعلني أقلق أيضاً وأنا أعلم أنها لم تغمض جفناً بعيداً عنها منذ ولادتها، طلبت منها الهدوء بعض الشيء وتركي لأفكر بالأمر بروية.
بعد قليل وجدتها قد كتبت مناشدة على صفحات الفيس بوك تناشد الناس البحث معها عن ابنتها صاحبة الصورة المرفقة ووضعت مع الطلب رقم هاتفها المحمول ورقم آخر لشقيقها، عندها تعجلت نتيجة قلقي وشاركت منشورها وكتبت حاشية اعتذار لآية قلت فيها إنني اعتذر منها لأنها ستدفع هنا جزءاً من ضريبة الثورة وطلبنا للحرية مع من طلب من أحرار سورية.
توالت ردود الأفعال بين مشارك قلق، وشامت حقير متشف وضيع، وبين مناضل شريف حر وهم الأكثرية بفضل الله، هؤلاء الأكثرية التي عرفتنا منذ تسلم المقبور سورية مروراً بقيام الثورة حتى سقوط الجرذ بشار وهروبه.
الأستاذ نقيب المحامين في الرقة كان موجوداً في دمشق، وقد راسلته صديقة وفية حرة من صديقات بناتنا وأعطته بيانات آية فلم يتوان للحظة، واتصل بالسيد معاون وزير الداخلية لمعرفته به وجرى تعميم صورتها وبياناتها على كل فروع الأمن في دمشق مع طلب السرعة بالبحث وهذا الأمر ربما هو الذي عجل بعودتها.
فقد تبين أن هناك مجموعة نساء من جهات معادية – لا سبيل لذكر اسمها أمنياً – تنتشر في دمشق للقيام بأعمال إرهابية وتفجيرات لإثارة الفوضى والعنف الطائفي وكل بطاقة هوية غير دمشقية يكون صاحبها عرضة للمساءلة والتحري، ومن هنا كانت نقطة الغياب، فوقوفها وحيدة في موقف (المكروباص) وهويتها الصادرة من الرقة جعل منها هدفاً للتحري والاشتباه، فتم اعتقالها بسيارة أمنية لا تحمل أي ملصق، ورجال ملثمين كرجال التدخل السريع بلباس أسود وأقنعة التي لا تظهر شيئاً سوى أعينهم، واقتادوها مع مجموعة من الفتيات إلى جهة غير معلومة مع تغطية الأعين حتى لا يعرفن إلى أين تم اقتيادهن، لم يتعرضن لأي عنف أو إهانة مطلقاً، بل تم التعامل بكل رقي وتم الاستجواب بدقة وبتفصيل كبير يدل على أن المحقق لديه معرفة بملف العائلة من خلال اسمها الرباعي، وهذا أيضاً ربما يكون ما جعلهم عندما أفرجوا عنها يراقبون مجيء والدتها للقائها في المكان الذي تركوها فيه حفاظاً عليها، ما يدل على أنهم لا يريدون بها سوءاً.
وقد كان السيد نقيب المحامين متابعاً لمستجدات الوضع لحظة بلحظة حتى خاطبته السيدة البتول الوفية لتشكره وتخبره بأن آية وصلت البيت، صحيح أنها خائفة وهي بشبه صدمة لكنها بفضل الله لم يمسها سوء أبداً، وسبب خوفها أنها المرة الأولى في حياتها تكون لوحدها لمدة يوم كامل ووجوه لا تراها ولا تعرفها.
عادت آية عامر فريج، نعم هي لحظة فرح فقدناه خمسة عشر عاماً في سورية التي لا تزال حزينة على الشحن الطائفي الذي يأكل شبابها وينهب خيراتها ويمزق لوحتها المزركشة بالحب والفسيفساء.