كنز إدلب المنسي: سرجلا تستغيث قبل أن يبتلعها التراب!

0

هل تضيع هوية سوريا؟ كنوز منهوبة بصمت

رنيم الخليفة – إدلب

في قلب الجنوب الإدلبي، تتعانق الجبال الكلسية مع صمت التاريخ المطبق، تقف مدينة سرجلا الأثرية شاهدة صامتة على واحدة من أعظم فترات الازدهار الحضاري في سوريا.

هذه المدينة، التي لا تزال تفاصيلها المعمارية تقاوم الزمن، تعيش اليوم حالة من التغييب القسري والنسيان الممنهج الذي طال لأكثر من أربعة عشر عاماً بفعل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد.

خزان التراث المنسي

تُصنف محافظة إدلب كواحدة من أغنى البقاع السورية بالمواقع الأثرية، إذ تحتضن عشرات المدن والقرى التي تُعرف عالمياً بـ “المدن المنسية” أو “المدن الميتة”.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث الدكتور غزوان ياغي على القيمة الاستثنائية للمنطقة قائلاً: “تُعد منطقتا إدلب وحلب من أغنى المناطق الأثرية ليس في سوريا فحسب، بل على مستوى المنطقة بأسرها. إلا أن سنوات الأزمة الطويلة حولت هذه الكنوز إلى خارج دائرة الضوء والاهتمام، رغم ما تمتلكه من ثقل تاريخي وجدوى اقتصادية هائلة.”

إن هذا الغياب لم يكن يوماً بسبب تضاؤل القيمة الأثرية، بل نتيجة ظروف قاهرة حولت هذه “المتاحف المفتوحة” إلى أطلال موحشة تفتقد الزوار والرعاية.

سرجلا: هندسة الازدهار في القرن الخامس

يعود تاريخ بناء سرجلا إلى عام 473 ميلادي، حيث كانت مركزاً زراعياً واقتصادياً حيوياً في العصر البيزنطي.

وتكشف المعالم القائمة حتى اليوم عن نمط حياة مترف ومنظم؛ فمن المنازل الحجرية الفارهة التي تتميز بواجهاتها المزخرفة، إلى الكنيسة البيزنطية التي تمثل الطراز المعماري الديني الفريد لتلك الحقبة، مروراً بالحمامات العامة التي تعكس الرفاهية الاجتماعية، وصولاً إلى معاصر الزيتون الضخمة التي تدل على القوة الاقتصادية والاعتماد على الإنتاج الزراعي والتصدير. كل هذه التفاصيل توحي باقتصاد متين قام على أكتاف تجارة الزيت والزراعة.

ويوضح الأستاذ عمر البنية، المهتم بشؤون التراث، تميز المدينة بقوله: “سرجلا ليست مجرد ركام من الحجارة، بل هي نموذج حضري متكامل يعكس ذروة الازدهار الاجتماعي والاقتصادي. إنها من أكثر المدن المنسية حفاظاً على هيكليتها المعمارية، ما يجعلها كنزاً وطنياً يستوجب التدخل العاجل لحمايته.”

لا تقتصر أهمية سرجلا على الحقبة البيزنطية، بل هي جزء من منطقة شهدت استيطاناً بشرياً يمتد لآلاف السنين، مما يجعلها سجلاً حياً لتطور الإنسان على هذه الأرض. ويحذر المختصون من أن خسارة هذا الإرث تعني محو جزء أصيل من الهوية السورية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تشكل سرجلا ركيزة أساسية لـ السياحة الثقافية، القطاع الذي يمكن أن يضخ دماءً جديدة في عروق الاقتصاد المحلي.

ويشيرعمر البنية إلى أن إعادة تأهيل هذه المواقع ليست عبئاً، بل هي استثمار طويل الأمد يمكنه خلق آلاف فرص العمل وإعادة إدلب إلى خارطة السياحة العالمية.

تحديات الاندثار وواجب الإنقاذ

تواجه سرجلا اليوم تهديدات مزدوجة؛ فمن جهة تفتك بها عوامل الطبيعة والتعرية، ومن جهة أخرى يهددها العبث البشري والتنقيب العشوائي في ظل غياب خطط الحماية الشاملة.

إن الحفاظ على هذه المدن لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أضحى واجباً وطنياً وأخلاقياً لإنقاذ ذاكرة أمة من الزوال.

تبدو سرجلا اليوم كرسالة حجرية مشفرة مرسلة من الماضي إلى الحاضر، تذكرنا بأن الأرض بلا ذاكرة هي أرض بلا مستقبل. يبقى السؤال قائماً في أروقة التاريخ: هل ستجد هذه الصرخة من يصغي إليها قبل أن يطبق الصمت الأبدي على حجارة سرجلا؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني