قراءة هادئة في مسار الدولة.. بين الأمنِ والخوف

0

ليست كلُّ الأحداث العنيفة مُفاجئة، ولا كُلُّ التفجيرات دليلاً على انهيارٍ فوريٍّ، لكن الأخطر دائماً هو تكرار الأنماط دون الاعترافِ بها.

فالتاريخ السّياسي الحديث للمنطقة يُعلِّمُنا أنَّ ما يُعاد إنتاجُه ليس الحدث ذاته، بل وظيفته.

ما نشهدُهُ اليوم لا يمكن فَهمُهُ بوصفهِ حالةً استثنائيّةً أو انحرافاً عابراً، بل كحلقةٍ جديدةٍ في سيناريو مألوف، سيناريو يبدأ باضطرابٍ اجتماعيٍّ، يمرُّ عبر تسليح الخوف، و ينتهي بإدارة هذا الخوف بوصفهِ أداة للاستقرار المؤقّت.

مِنَ الاحتجاجِ إلى الفوضى المُدارة

في لحظاتِ التّحوّلِ الكبرى، لا تنهار الدولُ فجأةً، بل تُستَنزَفُ تدريجياً، يبدأ الأمر بحراكٍ محدودٍ قابلٍ للاحتواء، ثمَّ يتَّسِعُ بفعلِ عوامِلَ داخليّةٍ معروفة ؛ فساد، تعدّد مراكز القرار، ضَعفُ الإدارة، و غيابُ الثقة بينَ الدولةِ و المجتمع.

لكنَّ ما يُحَوِّلُ هذا المسار من أزمةٍ سياسيّةٍ إلى فوضى مُمتدّة، هو التدويلُ المُبَكِّر، حينَ تنتقلُ الأزمةُ من شأنٍ داخليٍّ إلى ملفٍ مفتوحٍ على مصالح متقاطعة.

في هذه اللّحظة، لا يعود السُّؤال، كيف نحُلُّ الأزمة؟ بل يُصبحُ كيفَ نُديرها؟

الإرهاب كوظيفةٍ سياسيّة

التنظيمات المُتطرِّفة – بصرفِ النّظر عن أسمائها أو شعاراتها – لم تكنْ يوماً مُجرَّدَ عدوٍّ أمني، ففي تجارب كثيرة، جرى توظيفها – صعوداً أو سقوطاً – لإعادة رسم المشهد.

فالمشهد داخليّاً: يتَّسِم بضبطِ المجتمع بالخوف، ودفعهِ للقبولِ بأيِّ سُلطةٍ تُوَفِّرُ الحدَّ الأدنى منَ الأمان.

أمّا خارجيّاً: فيَتَّسِم بتقديمِ الدولةِ كحاجزٍ أخيرٍ أمام الفوضى، وهذا ما يُبَرِّرُ التدخُّل أو الوصاية أو الدَّعم المشروط، وهكذا يتحوَّلُ الخوفُ منَ الجوعِ والفوضى إلى رغبةٍ في الاستقرارِ بأيّ ثمن، ويُعادُ تعريفَ السِّياسة باعتبارها شأناً أمنيّاً لا اجتماعيّاً.

الإخراجُ تغيَّر، والسيناريو واحد

اليوم؛ قد تختلفُ اللُّغة، وقد تتبدَّلُ الشِّعارات، قد يُقَدَّمُ المشهد باعتبارهِ – تحريراً – أو (مرحلة جديدة)، لكنَّ البنية العميقة للمسار لا تزالُ ذاتها، أمنٌ يُقَدَّمُ على السِّياسة، اِستقرارٌ يُبنى على القلق، دولةٌ تُدارُ بمنطقِ الوقاية لا المُشاركة، والاختلافُ الأساسي؛ أنَّ الفوضى لم تعد تُنتَظر، بل يُلَوَّحُ بها مُسبَقاً، لا بوصفها تهديداً فقط، بل كأداةِ ردعٍ اجتماعي، إمّا الاستقرار كما هو الحال.. أو المجهول.

المجتمع بين الخوفِ والإنهاك

وفي هذا السِّياق، يُستَنزَفُ المُجتمعُ بصمت، لا بالدّمار وحدهُ، بل بهجرةِ العقول، وانسحاب رأس المال، وتراجعِ الثقة بأيِّ أفُقٍ تغييريّ، ويُصبح المواطن أقلَ اهتماماً بالإصلاح وأكثرَ تعلُّقاً بتجنّبِ الأسوأ، وهنا تكمنُ أخطر لحظات الانهيار، حين يتخلّى المجتمعُ عنِ السؤال ويكتفي بالنجاة.

الخلاصة

ما نعيشهُ ليس قدراً محتوماً، لكنّهُ مسارٌ معروفُ النتائج إنِ استمرَّ دونَ مُراجعة، الدولُ لا تسقط فقط حينَ تُهزَمُ عسكريّاً، بل حينَ يُعادُ تشكيل وعي مجتمعاتها على الخوفِ بدَلَ المواطنة، وعلى الأمنِ بدلَ القانون.

السيناريو مُكَرّر، نعم، لكنَّ إدراك تكرارهِ هو الخطوة الأولى لكسرِ دائرتهِ. وهذا الكلام ليسَ تشاؤماً، بل تنبيهٌ هادئٌ بأنَّ الاستقرار الحقيقي لا يُدارُ بالخوف، ولا يُبنى إلا بدولةٍ تحتكرُ السِّلاحَ، وتحمي القانون، وتثقُ بمجتمعها، قبلَ أنْ تطلبَ منَ المجتمعِ أنْ يَثِقَ بها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني