في مراحل الصراع على سوريا بعد ربيع 2011

0

في قراءة موضوعية لطبيعة الصراع على سوريا في هذه الحقبة التاريخية الجديدة، أبرز الحقائق التي ينبغي إدراكها هي أولاً طبيعة الصراع الثانوي داخل مؤسسات وهياكل السلطة الجديدة، وما قد ينتج من تناقضات متعددة المستويات، قد تحوله الى صراع رئيسي بين خط سياسي انتقالي وطني، تمثله حكومة تكنو قراط وقاعدة شعبية سورية داعمة وعوامل التأثير والفعل الخارجية الأمريكية الإيجابية، في مواجهة مصالح قوى ميليشياوية جهادية، ترى في تقدم إجراءات التفكيك والدمج في مؤسسات دولة تناقضا مع رؤيتها وآليات تثبيت سلطتها.

وهي أيضاً، من جهة ثانية، طبيعة التناقض المركزي في مسارات الصراع حول مصير الكيان، بين قوى العملية السياسية الانتقالية الوطنية وبين أهداف وقوى مشروع التقسيم، التي ترى في تقدم خطوات وإجراءات العملية السياسية الانتقالية على مسارات توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة خطرا على وجودها ونهجها وديمومة امتيازاتها!

أولاً: في عوامل السياق التاريخية!

منذ مطلع 2011، وبما يتساوق مع عوامل السيطرة التشاركية الأمريكية الإيرانية على العراق خلال العقد الماضي، القرار الإستراتيجي بمواجهة حراك شعبي سلمي بات محتملا في ضوء “انتصارات” الربيع المصري، ومنع صيرورته ثورة ديمقراطية وطنية بأدوات وأذرع ونهج “الخَيارالأمني الميليشياوي – التطييف والميلشة، بأذرع الإسلام السياسي الجهادي والكردستاني”، كان قد اتخذ قبل منتصف آذار 2011، وقبل انطلاق الاحتجاجات في دمشق ودرعا (كما أكد “سماحة السيد”، في مقابلات حصرية مع “بن جدو”)، بما يضع جميع إجراءات التأجيج والردع اللاحقة خلال 2011 في إطار المرحلة الأولى من “الخَيار الأمني العسكري الطائفي”، بين ربيع 2011 ومنتصف 2012.

المواجهات الأمنية وخطوات وجهود التطييف والميلشة والعسكرة، من جهة، تكاملت مع جهود دبلوماسية وسياسية قادتها واشنطن بعد مطلع 2012 عبر تشكيل تحالف “الدول الداعمة” و”مجلس الأمن” لتفشيل قيام حل سياسي، من جهة ثانية، وإجهاض جهود نخبوية لتأسيس قيادة/جسم سياسي وطني ديمقراطي معارض، وتقسيمها وفقاً لطبيعة المرجعية والتبعية، بين داخلية/خارجية، وسورية/كردية، وتقسيم الصف الكردي نفسه بين المحاور الإقليمية، خاصة الإيراني – الأسدي – الروسي، والتركي – السعودي، وقد نجحت في دق أسافين في وحدة الصف الوطني الديمقراطي، وتوزيع جهود المعارضات بين أجندات تحالف قوى “الخيار العسكري الطائفي” الدولية والإقليمية.

لقد شكلت المرحلة الأخطر في تفشيل جهود الحل السياسي، وقد برز قبل نهاية 2011 ومطلع 2012 تفشيل جهود لجنة المراقبين العرب في إطار خطة السلام العربية الأولى، كما تم إسقاط خطة السلام العربية الثانية في مجلس الأمن 4 شباط، بعد نجاح سياسات أمريكية لنقل “الملف” إلى مجلس الأمن، منعاً لجهود تشكيل “قوة تدخل عربية”، وقد توجت تلك الجهود عدم تمكين كوفي أنان بآليات تنفيذ نقاطه الستة، وجريمة اغتيال ضباط خلية الأزمة في 18 تموز، مزيلة آخر عقبات إطلاق يد الأسد في قيادة الجيش، وشكلت أخطر مقدمات دفع الصراع على مسار الخَيار الأمني الميليشاوي، الذي استمر بمراحله المتعاقبة حتى آذار 2020.

خلال المرحلة الثانية، بين منتصف 2012/2014  أدت المعارك الطائفية والميليشياوية المتصاعدة العنف والتحشيد إلى تفشيل مؤسسات الدولة وهزيمة صيرورة الحراك السلمي ثورة ديمقراطية، وسيطرة ميليشيات الثورة المضادة الجهادية والكردستانية، وانتهت عند تدخل جيوش الولايات المتحدة وتحالفها الدولي خلال صيف 2014، وتنسيق تدخل روسي لاحق 2015، وقد كان أبرز نتائجها، إضافة إلى سيطرة ميليشيات قوى الثورة المضادة الإسلامية على معظم مساحة سوريا، الحفاظ على سلطة الأسد الميليشياوية واستمرار شرعيتها الدولية، وتأسيس ميليشيات “حماية الشعب”، بقيادة PYD التابعة لقنديل الإيرانية وأجهزة الأسد، لكيان سياسي في ثلاثة مواقع رئيسية تحت يافطة “روج آفا”.

بدأت المرحلة الثالثة، مع إطلاق معارك التحالف ضد داعش في مدينة كوباني في نهاية 2014، وتواصلت معاركها بين منتصف 2015 وربيع 2020، وسعت في تكامل أهدافها وجهودها السياسية وفقا لخارطة طريق RAND الأمريكي ومسار آستنة الروسي، والميدانية، إلى إعادة فرز وتصنيف الميليشيات ميدانياً وسياسياً وفقاً لأجندات تقاسم سوريا التشاركي الأمريكي، وبلورت في صيرورتها نهاية 2019 خارطة سيطرة جيوسياسية سورية، ترتكز على أربع سلطات أمر واقع ميليشاوية، باتت تشكل في مسارات المرحلة الرابعة وفي إجراءات إعادة التأهيل المتواصلة منذ ربيع 2020 وحتى عشية هجوم رد العدوان في 27 نوفمبر 2024 نظام تقسيم سوريا الجديد بسلطات الأسد وقسد وحكومة الإنقاذ في إدلب، والمؤقتة على مناطق السيطرة التركية المباشرة، التي فرضها عسكرياً الجيش التركي وأذرعه السورية في مواجهة الحروب الميليشياوية التي قادتها روسيا والولايات المتحدة وإيران!.

المرحلة الرابعة، والأخيرة انطلقت صيرورتها بعد توقيع اتفاقيات 5 آذار بين الرئيسين التركي والروسي، وشكلت مرحلة “التسوية السياسية الأمريكية الجزئية، وجسدت آلياتها وأهدافها خارطة طريق مركز RAND التابع للبنتاغون، وفي تساوق مع مشروع التطبيع الإقليمي.

ثانياً: في عوامل سياق حقبة ما بعد الأسد!

في جهودها لدفع خطوات وإجراءات التسوية السياسية الجزئية، تجاهلت واشنطن طبيعة التناقضات الرئيسية التي يحملها المشروع، عندما تتجاهل أهدافه وأدواته مصالح دول إقليمية أساسية ومصالح السوريين المشتركة، ويعزز شروط سيطرتها التشاركية مع النظام الإيراني، وقد أظهرت إدارة بايدن عجزاً متواصلاً عن مواجهة التحديات:
أ- تناقض مصالح تركيا الاستراتيجية مع نتائج المسارات السياسية الأمريكية التي سعت لتثبيت مرتكزات شبكة السيطرة التشاركية الإيرانية – الأمريكية الحاملة لسلطتي أسد وقسد.
ب- رفض إسرائيلي، متزايد الإصرار ومتصاعد العنف، لسياسات تثبيت قواعد شبكة السيطرة الإيرانية التي ترتكز عليها سلطة الأسد وشريكها القسدي، خاصة بعد تفشيل واشنطن اتفاقيات القدس الأمينة صيف 2019، التي كانت اقتضت وفقاً لتوافقات رؤساء مكاتب الأمن القومي الروسي والأمريكي والإسرائيلي إيجاد تسوية شاملة وفقا للقرار 2254، وبما يؤدي إلى خروج جميع الجيوش والميليشيات التي دخلت سوريا بعد 2011.

ت- التنافس الروسي – الإيراني على مواقع السيطرة الأسدية

وقد شكلت حروب وصراعات تناقضات التسوية السياسية الأمريكية عوامل وحيثيات إسقاط سلطة الأسد في الثامن من ديسمبر:

في عواقب فشل القيادة الروسية في تنفيذ توافقات “مؤتمر القدس المحتلة الأمني”، وما أظهرته في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أكتوبر 2022، من تراجع خطير في قدرات تأثيرها على مآلات العملية السياسية وفقاً لخارطة جنيف، إضافة إلى ما كشفته سياسات إدارة بايدن من فشل متواصل في إيقاف الحروب الإسرائيلية المدمرة ضد مواقع السيطرة الإيرانية، في أعقاب حروب حكومة اليمين الإسرائيلية الانتقامية بدءاً من الثامن أكتوبر 2023، وعجز الهجمات العسكرية الإيرانية في العمق الإسرائيلي عن ردع حكومة الحرب اليمينية خلال معارك المواجهات المباشرة في طهران وتل أبيب، وما أكده الأسد شخصياً من عجز مريع عن التوافق مع تركيا وتلبية متطلبات التطبيع الإقليمي، بالانفصال عن شبكة السيطرة الإيرانية التي تعرضت لتآكل مستمر منذ مطلع 2020، خاصة في أعقاب حروب حكومة اليمين الإسرائيلي بعد الثامن من أكتوبر 2023.. جميع تلك العوامل شكلت بتكامل تأثيراتها المتداخلة حيثيات إسقاط سلطة الأسد.

ماذا حصل بعد الثامن من ديسمبر 2024، وكيف تغيرت طبيعة الصراع على السلطة والكيان الجيوسياسي، وما هي الآفاق؟ هي تساؤلات جوهرية، من مصلحة السوريين المشتركة إدراك مقارباتها الموضوعية!

ثالثاً: في طبيعة مأزق الوعي والسلوك النخبوي

إذا كانت أبرز عوامل الفعل الداخلي التي تؤثر على رسم مآلات شكل النظام السياسي السوري لا تقتصر على عوامل الصراع بين تيارت السلطة الجديدة، بل وتعتمد أيضاً على نتائج حسم الصراع الرئيسي بين سلطتي دمشق وقسد حول مصير الكيان الجيوسياسي السوري، فتتجلى طبيعة مأزق الوعي السياسي النخبوي المعارض لهذه السلطة الجديدة في تجاهله لطبيعة الصراع الرئيسي على مصير الكيان الجيوسياسي السوري.

كيف نفهم طبيعة الصراع الرئيسي؟

إذ تطرح وتعمل القيادة السياسية الانتقالية، بالتوافق مع مصلحتها كسلطة سورية جديدة ومع مصالح السوريين الوطنية المشتركة، وبالتكامل مع عوامل السياق الأمريكية والتركية والعربية، على رؤى ومسارات إعادة توحيد الجغرافيا وحصر امتلاك السلاح والسلطة والسيادة بيد مؤسسات الدولة التي تبنيها.

وإذ ترى قيادة قسد أنه في تقدم خطوات وإجراءات تلك الصيرورة تفكيكا لمرتكزات سيطرتها على مناطق “إقليم شمال وشرق سوريا” وتهديدا استراتيجيا لما حققته من إنجازات في سياقات مشروع تقسم سوريا بين 2015 – 26 من نوفمبر 2024، على صعد سلطات “الجيش” و”الإدارة اللامركزية” و”السيطرة الاقتصادية”، والمشروعية السياسية، “الكردستانية والديمقراطية السورية”، فقد كان من البديهي في منطق الصراع على المصالح ومناطق السيطرة والنفوذ، أن لا تقف قيادة قسد مكتوفة الأيدي، وهي ترى إنجازات تضحيات جيشها وتطلعات قواعدها الشعبية، الكردستانية والديمقراطية السورية، تتآكل في تعزيز شروط مسارات العملية السياسية الانتقالية.

في منظور رؤية شاملة لطبيعة التحديات المصيرية التي باتت تواجهها سلطة قسد ومشروع” إقليم شمال وشرق سوريا الديمقراطي “عملت قيادات قسد ومسد والإدارة الذاتية” مبكرا على إجراءات وخطوات “مشروع مضاد” لمسارات العملية السياسية الانتقالية، يسعى في خطوات وجهود مسارات متوازية على الصعد التكتيكية لتفشيلها، ويعمل على الصعيد الاستراتيجي على تعزيز نهج ومرتكزات مشروع تقسيم سوريا التي قطع مساراتها إسقاط سلطة الأسد، العمود الفقري لمشروع التقسيم، من خلال خلق شركاء جدد، في الساحل السوري والسويداء.

تساؤلات جوهرية:

ما هي طبيعة الجهود التي عملت عليها قيادات “إقليم شمال وشرق سوريا” بالتنسيق مع شركاء وحلفاء مشروع التقسيم، السابقين والجدد، على جميع الصعد والمستويات، الإعلامية والثقافية والتنظيمية والعسكرية؟.

ما طبيعة هوية الشركاء السوريين، سوريا، وعلى صعيد مناطق الساحل والسويداء، بشكل خاص؟

ما هي طبيعة الأحداث التي تكشف تورطها في الصراع على الساحل والسويداء؟

لماذا تجاهلت “النخب والتيارات الكردستانية والديمقراطية” طبيعة الصراع الرئيسي، وما يطرحه من تساؤلات؟

ألا تخاطر بفقدان مصداقيتها الوطنية والديمقراطية عندما تغض النظر عن طبيعة مشروع تقسيم سوريا؟

ألا تضع نفسها وجهودها في خندق قوى قسد؟

هل كونها كذلك، هو الذي يفسر طبيعة قراءتها وسلوكه؟

على أية حال، يبدو جلياً أنه يتوجب على تيارات وشخصيات وثقافة “اليسار الديمقراطي” السورية والكردية أن تطور رؤيتها على أرضية الوقائع، إذا ما أرادت كسب المصداقية الوطنية والديمقراطية، والقدرة على التأثير الإيجابي، عبر تحديد موقف واضح من قوى التقسيم.

ضمن هذا الإطار، تأتي أهمية تقدير طبيعة التغيرات النوعية في استراتيجية لإدارة الأمريكية الجمهورية تجاه مستقبل سوريا، بالتكامل مع سياسات القيادات السعودية القطرية والتركية تجاه السلطة الجديدة، وما ستلعبه من دور رئيسي في تعزيز أسباب نجاح الخط السياسي الوطني الذي تمثله اليوم حكومة التكنوقراط، بقيادة الرئيس الانتقالي، بينما سيؤدي تفاقم الصراع السياسي والعسكري على الساحل والسويداء إلى تعزيز حضور ودور القوى الميليشياوية في السلطة وأعدائها في قيادة قسد.

على أية حال، تستحق سوريا، والسوريين، فرصة جديدة، كما يعتقد ترامب، وكما يأمل غالبية السوريين، الذين يتطلعون بأمل لتجاوز المخاطر المحدقة التي صنعت شروطها وادواتها حقبة الأسدين، في سياق مشروع السيطرة الأمريكية الإيرانية، والخروج من عنق الزجاجة.

التحديات عظيمة، على جميع الصعد والمستويات، توجب على السوريين في السلطة وعلى المستوى الشعبي العام، توحيد الإرادة والجهود، عبر خطوات وإجراءات ترسيخ سلطة القانون، والعدالة الانتقالية.. بآفاق التسامح وتعزيز شروط إعادة بناء الثقة بين السوريين، ومع مؤسسات السلطة الجديدة!

هي مصالح ومسؤوليات مشتركة، وهي فرصة تاريخية، فهل يرتقي السوريون ونخبهم الديمقراطية إلى مستويات المسؤولية التاريخية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني