في طبيعة النقد السياسي، وشروطه الوطنية

0

في معارك الصراعات الكبرى حول مصير وطن، “الحكمة ليست في الصمت المطلق، ولا في الاعتراض المطلق، بل في وضع كلّ مسألة في موضعها، وممارسة النقد بوعيٍ وعدلٍ ومسؤولية.

النقد واجب، لكن بوعي ومسؤولية وطنية، كي لا يتحوّل إلى سلاح هدم، لا وطني.

أحاول توضيح الفارق بين النقد البنّاء، الهادف إلى الإصلاح وتعزيز شروط مواجهة التحدّيات، وبين النقدّ الهدّام، الساعي لتعزيز شروط تحويل التحدّيات إلى مأزق وطني، وقطع صيرورة الانتقال السياسي بآفاق بناء مقوّمات الدولة السورية الوطنية الموحّدة والعادلة، وهي، في الحالة السورية القائمة، نفس شروط الحروب الطائفية والقومية.

في تقديري، التمييز بين أهداف ووسائل النقد، يعتمد على قراءة سياسية لطبيعة مشهد الصراع على سوريا، وعلى رؤية دقيقة وموضوعية لأولويات المرحلة الانتقالية، ومعرفة طبيعة التحدّيات وعوامل السياق.

التساؤل الرئيسي:

ما هي الأولويات الوطنية في هذه المرحلة الانتقالية، وفي الشروط التاريخية السورية المحددة التي أعقبت نجاح قوى مشروع تقسيم سوريا بين 2015-2024 في تدمير مقوّمات الدولة والهوية السورية الوطنية، عبر صناعة أربع كيانات جيوسياسية منفصلة، متصارعة على السلطة والسيادة والشرعية، وعلى تمثيل حقوق السوريين)؟.

هي مجموعة من المهام والأهداف التي تتحقق في سياق مسارات غير قابلة للفصل، مترابطة جدليا، على الصعد السورية والإقليمية والدولية، وتتمحور، في إعادة بناء مقوّمات الدولة السورية الوطنية في إطار مشروع وطني سوري متكامل، وعلى مسارات متوازية، ومترابطة جدليا، تتضمّن بالضرورة إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة وإعادة تموضع سوريا جيوسياسيا، بما يوفّر شروط نهضة اقتصادية، ويحقق أهداف ثورة الشعب السوري، المرتبطة خاصة بالحرّيّة والكرامة والعدالة.

بناء على هذه القراءة الموضوعية، تتضح طبيعة التحدّيات:

أكبر التحدّيات التي واجهت هذه السلطة الجديدة أو أيّة سلطة جديدة أخرى، تتمثّل في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أرضية ومن منظور مشروع وطني سوري، يربط بين مهام إعادة توحيد الجغرافيا والسلطة والسيادة، وإعادة تموضع سوريا جيوسياسيا في سياق توفير شروط نهضة اقتصادية وبناء أسس نظام سياسي وطني، يضمن العدالة، ويوفّر الشروط الدستورية التي تضمن التبادل السياسي السلمي للسلطة السياسية – وهي أسس النظام الديمقراطي وهدفه الجوهري الساعي لحماية الوطن من عواقب الصراعات المسلّحة على السلطة.
ضمن هذا السياقات المترابطة جدليّا تأتي أهمية النقدّ البنّاء في كشف هويّة الأعداء والخصوم على جميع الصعد والمستويات الداخلية والخارجية، منها بالطبع ما يرتبط بسياسات مؤسسات السلطة الانتقالية، التشريعية والتنفيذية، وما قد يمارس من إجراءات وخطوات لا تتوافق فحسب مع مصالح السوريين الوطنية المشتركة، بل وتصب نتائجها في تيّارات جهود القوى المعادية لصيرورة العملية السياسية الانتقالية بآفاقها الوطنية.

“نحن في مرحلة شديدة الحساسية لا تحتمل تجاهل أخطاء سياسات السلطة وجمهورها المُعيقة، ولا تضخيم الأخطاء الصغيرة أو الكبيرة”، ونحن رأينا كيف يتحوّل النقد في أجندات أبواق إعلامية وسياسية إلى وسيلة لتصنيع رأي عام محدد، يخدم أجندات سياسية لا وطنية بات مكشوفة الطابع، فيتحوّل النقد الهدّام إلى سلاح لا وطني، يطمس غايات النقد البنّاء، ويخدم المتربصين من فلول قوى مشروع التقسيم الأسدي الإيراني، التي باتت تتمثّل في كيان قسد، وعصابات الهجري وبقايا شبيحة سلطة الأسد الإيرانية، وشبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية.

“إنَّ نقدَ أوضاع المعيشة وارتفاع الأسعار وتوفّر المواد الأساسية ينبغي أن يُبنى على الصبر والتروّي؛ فالعقوبات لم يُرفع عنها سوى منذ أيامٍ قليلة، ولا يُعقل انتظار نتائج فورية، إذ إنّ التحسّن الاقتصادي لا يظهر بلمح البصر، بل يحتاج إلى وقتٍ قد يمتد إلى عامٍ على أقلّ تقدير”.

أمّا نقدّ حالة الاقصاء السياسي والاجتماعي والرشوة، والفساد الإداري، والإهانات، والعرقلات، وسوء الأداء الوظيفي، فيصبّ في أهداف النقدّ البنّاء ؛ ” فهذه لا يُبرّرها ظرف، ولا يُؤجَّل نقدها بحجّة الصبر، بل إنّ مواجهتها واجبٌ فوري، ونقدها حقٌّ مشروع، لما فيها من اعتداءٍ على كرامة الناس وإضرارٍ مباشر بالمصلحة العامة.”

فلايجب تبرير أخطاء السلطة بالقول “انّها لم تأتِ في ظرف عادي، بل في أصعب مرحلة مرّت بها البلاد منذ أكثر من مئة عام”، ولا القول بانّه “لم يمر على سوريا حكومة كحكومتنا الحالية على مستوى الحريات وحمل هم المواطن، ومن الظلم محاكمتها بمنطق التفاصيل لا بمنطق المصير”، وتجاهل حقائق أنّ التفاصيل هي التي تصنع المصير.

وإذا كان المطلوب “أن نكون صفاً واحداً كالجسد الواحد، نرصّ الصفوف ونقف مع دولتنا ومؤسساتنا دعماً حقيقياً، دعماً يُترجم بالالتزام، وبالمال، وبالاستعداد للتضحية بالدماء إن تعرضت حكومتنا للخطر كي لا نخون دماء أُريقت في سبيل الحصول عليها، فالدفاع عن الوطن لم يكن يوماً كلاماً بل كان دائماً سلسلة من التضحيات والدماء التي قدّمها الأوفياء ليبقى الوطن”، فعلى المسؤولين تحمّل مسؤولياتهم في تعزيز شروط تلاحم السوريين وتوفير شروط حماية مصالح وأرواح الجميع.

بناء عليه، وما تضمّنه من ملاحظات للعميد زاهر الساكت، وإلى ما كتبه الصديق، الدكتور مهيب صالحة تحت عنوان “صفقة”[1]، أضيفُ:

يظلّ الفارق واضحاً بين النقد البنّاء الهادف إلى الإصلاح، وتعزيز شروط مواجهة التحدّيات، وبين الخوض في سياسات الدولة الخارجية، حيث قد لا تتوافر لدينا الصورة الكاملة ولا المعطيات التي تُبنى عليها القرارات الكبرى، فيتحوّل النقد حينها إلى طعنٍ غير مسؤول أو كلامٍ فارغ لا يخدم الوطن.

إذا كنّا حريصين على ممارسة السياسية النخبوية المعارضة من منطق الوطنية السورية، يجب الإبتعاد عن نهج المزاودات، وتجنّب لغة التحريض السياسي، والحرص على رؤية الوقائع.
في قضية علاقة السلطة السورية الجديدة مع حكومة الحرب والاحتلال الإسرائيلية، على سبيل المثال، من غير الواقعي أن يزاود البعض على السلطة الجديدة، كأن يتهمها بالتقصير في عدم مواجهة سياسات نتنياهو العدوانية عسكريا، ويشكك بسياساتها تجاه قضايا المفاوضات الراهنة!
الكل يعرف طبيعة ظروف وصول السلطة الجديدة إلى الحكم، خاصة تفكيك مؤسسات الجيش السوري السابق، وما اصاب مرتكزات القوّة في الجيش السوري من تدمير منذ 2011، خاصّة صبيحة الثامن من ديسمبر، وطبيعة الفارق النوعي بين موازين القوى التي تجعل التفكير بخوض حروب مباشرة مع جيش حكومة نتنياهو سذاجة سياسية وانتحار عسكري، يُعطي حكومة نتنياهو مبررات احتلال دمشق!!

كلّ ما تستطيع هذه السلطة الجديدة القيام به في هذه المرحلة هو محاولة الاستقواء بدعم جمهورها السوري وداعميها الدوليين والإقليمين للتوصّل مع حكومة الحرب الإسرائيلية إلى اتفاقيات مؤقّتة، تعيد تثبيت شروط “فك الاشتباك لعام 1947” تضمن عودة السيطرة الميدانية إلى الحالة التي كانت عليها قبل السابع من ديسمبر، إضافة إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية التي يمارسها سلاح الجوي الإسرائيلي طوال سنوات، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية السورية.

أمّا فيما يتعلّق بقضية اتفاقيات السلام والتطبيع الإقليمي، تعلّمنا دروس التجارب السابقة – خاصة ما نتج عن امتناع سلطتي الأسدين لأسبابهم الغير وطنية عن اغتنام فرص تاريخية لاستعادة الجولان، والحفاظ على السيادة السورية، في سياق تسويات إقليمية – حجم المخاطر التي تعرّضت إليها الدولة السورية (ولبنان) منذ مطلع الألفية، وكان يمكن تجنّبها في عواقب اتفاقيات على الطريقة المصرية.

اليوم، بما يصب في مصلحة الأمن القومي السوري، وعدم التفريط بحقوق الأرض والسيادة، وعبر الاستقواء بأوراق القوّة التي يوفّرها إعادة تموضع سوريا جيوسياسياً، وبما يوفّر شروط نجاح إعادة بناء مشروع الدولة السورية الوطني. أعتقد أنه من الطبيعي أن تنخرط الحكومة السورية مستقبلا وبفاعلية مع الجهود التسووية الإقليمية والدولية، بالتنسيق مع قيادات الشعب الفلسطيني والحكومات العربية المعنية، خاصة المملكة العربية السعودية ومصر والاردن، وفقا لمبادئ السلام مقابل الأرض، وضمان حقوق السيادة الوطنية.

اتهام السلطة بالتبعية لسياسات حكومة العدو الإسرائيلية غير واقعية، ويعلم الجميع ما تعرّضت، وتتعرّض له السلطة السورية الجديدة من وسائل ضغط وابتزاز، تخللتها مئات الهجمات الجويّة، والسيطرة على مناطق واسعة في الجنوب السوري، والاعتداءات على مؤسسات الدولة الجديدة في السويداء، وأشكال الدعم السياسي والعسكري والاعلامي للقوى الانفصالية التي تعمل على تفشيل مسارات العملية السياسية الانتقالية، وتثبيت شروط تقسيم سوريا وتفشيل الدولة. يتهمون السلطة بوطنيتها، عندما تسعى للتوصّل إلى اتفاقيات سياسية مع حكومة الحرب الإسرائيلية، ويتجاهلون ما يحصل عليه خصومها الانفصاليون من دعم إسرائيلي مباشر، يصل إلى مرحلة تهديد مقوّمات الأمن القومي السوري..
تبقى كلمة أخيرة، إلى الذين يزاودون بقضية “لواء اسكندرون،”: تستحقون “الشفقة”!


[1]– “صفقة”

د. مهيب صالحة

“صفقة بيع الجولان لإسرائيل تمت في الخامس من حزيران 1967 من قبل حكومة البعث آنذاك و وزير دفاعها حافظ الأسد الذي قبض الثمن بتمكينه من حكم سوريا هو وعائلته بالحديد والنار والفساد والإفساد والبيع والشراء لأكثر من نصف قرن، لكن المجتمع الدولي رفض صفقة العار وثبت مجلس الأمن الدولي بقراره 242 أن هضبة الجولان أرض سورية تحتلها إسرائيل، وطالبها في أية عملية سلام مع جيرانها العودة إلى حدود الرابع من حزيران. هذا الوضع القانوني للجولان السوري لم يتغير، ولن يتغير بشخطة قلم من دونالد ترامب ولا من غيره، قبل أو بعد، تماماً كما لم يتغير الوضع القانوني للقدس الشرقية التي اعترف بها ترامب في ولايته الأولى لإسرائيل. فلا القدس الشرقية الفلسطينية صارت إسرائيلية ولا هضبة الجولان السورية صارت إسرائيلية، كلاهما لا تزالان أراضي محتلة وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، لا يحق لأي سوري أو فلسطيني مهما كانت صفته، ولا لأية حكومة سورية أو سلطة فلسطينية التنازل عنهما. وكل من يتهادن في هذا الأمر أو يتنازل عن هذا الحق في صفقة سياسية أو اتفاقية سلام أو اتفاق هدنة وفصل قوات أو اتفاق أمني أو اتفاق مرحلي هو خائن مثله مثل من باع وقبض ثمن خيانته.

إن الحق حي لا يموت لا بالصفقات ولا بالتنازلات ولا بالذرائع ولا بالموبقات، طالما وراؤه شعب مطالب.. والتاريخ لا يرحم!.

السبت 20 كانون الأول 2025

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني