في ذكرى المولد النبوي.. الفن رسالة من أجل الحياة

0

قراءة في رسالة فن النشيد الإسلامي

تكتسب ذكرى المولد النبوي اهتماماً استثنائياً هذه الأيام في سوريا الجميلة اليوم، فهي إحدى المواعيد السنوية التي تعود فيها السوريون الفرح والمحبة ولقاء الناس وصفاء القلوب، حيث تعقد الهيئات والمدارس والعائلات والأسر والاحياء موالد وولائم وحلوى للفرح برسول الله وبالتالي لنشر المحبة والفنون الجميلة.

وقد باتت مناسبة المولد موعداً أكيداً لنشر الروح المتسامحة النقية التي اعتادها السوريون وهم يعبرون عن إيمانهم وفرحهم وحبهم في مقابل خطابات متشددة تمنع كل أشكال الفن والفرح وتحيل ذلك إلى باب البدع المستنكرة.

وأرجو أنني لا أعيد هنا على صفحات نينار برس نشر الجدل التقليدي ولكنني أجدها بالفعل فرصة لنشر قيم الفن والتسامح والفرح في الإسلام التي باتت ترتبط بعيد المولد النبوي.

منذ فجر الإٍسلام سجلت عدسة التاريخ أول مشروع فني في دولة الإسلام يسهم في جعل الحياة أجمل وأعذب، عندما وقفت فتيات موهوبات من بني النجار بالمدينة المنورة وبأيديهن الآلات الموسيقية المتوفرة من الدف والمزهر وبدأن يغنين الأغنية الخالدة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع، وكان ذلك بحضور النبي الكريم وإقراره وفرحه، وكانت هذه الأغنية الجميلة إيذاناً بإطلاق رسالة من الفن النظيف في خدمة الحياة، واشتراك المرأة في خدمة هذا اللون من الفن الذي يجعل الحياة أكثر طهراً ونبلاً.

ولكن النشيد الديني ظل مجرد ترانيم يؤديها المؤذنون بعيداً عن التأثير المباشر الذي يطلبه الحكماء من الفن، وانحشر الإنشاد لعهد طويل في إطار مجالس الصلاة على النبي وتحدد جمهوره سلفاً بالفريق الملتزم بهذه المجالس وتكرست غربته يوماً بعد يوم عن باحة الحياة لأولئك الذين ينتظرونه زاداً للروح وترجماناً للأشواق ومعياراً للأذواق.

لقد أوصل الفن الإسلامي رسالة واضحة وهي أن المسلم ليس مشروع حرب ضد العالم، بل هو رفيد مشارك في صناعة الحياة بالعلم والمعرفة كما بالكلمة والفن والحكمة.

يمكن للفن أن يكون أكثر من متعة وتسلية، ويستطيع الإنشاد الديني بالذات أن يوجه رسائل قوية للعالم عن الحضارة الإسلامية التي تؤمن بالحب والحياة والجمال، ولا تزال الذاكرة السورية تحفظ تلك المبادرة الجميلة لجوقة الفرح التي كانت تطوف العالم كله من دمشق بعشرات الفتيان والفتيات الرائعين يقودهم الأب الياس زحلاوي والأستاذ حمزة شكور، ليغنوا طلع البدر علينا على مسارح العالم باسم المولد النبوي الكريم ويرسمون على منصات العالم صورة سوريا في المحبة والإخاء.

إن دخول الموسيقى إلى فن الإنشاد الديني أصبح ضرورة يحتمها التنافس على اجتذاب مسامع الجيل، وهي من الجانب الشرعي مسألة اشتد حولها الجدل في الماضي ولكن لا ينبغي أن نتردد اليوم في الاستفادة مما كتبه الإمام الجليل ابن حزم الأندلسي في نحو خمسين صفحة من كتابه العلمي المحكم إحكام الأحكام وفيها أكد أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة دل على أن الموسيقى المتاحة في زمن النبوة قد تم استخدامها بالكامل أمام النبي الكريم وبتشجيع منه مما يقطع الجدل حول تأصيلها الشرعي، ومع أن مذهب ابن حزم في الموسيقى لم يقطع الجدل ولكنه على كل حال قطع الوهم بحصول الإجماع على تحرم الموسيقى كما يتردد اليوم.

أود أن أسجل هنا احترامي للفريق الذي يسهر على تطوير النشيد الديني ومنحه خبرات العصر ووسائله، ليغدو رفيداً حقيقياً في بناء الحياة، ويطلقه من عقال الترانيم الأوبرالية ليغدو رسالة حب وفرح وجمال، يستجلب أعذب ما في الدنيا من أصوات، ويعزف على الوتر الصادح والناي الحكيم والكمان الضاحك لتقفز الكلمة الطيبة إلى القلوب والأفئدة وتقطع الطريق على موسيقى الصخب الماجن المعجون بالإثم والفحشاء.

الإسلام أنجز إصلاحاً هائلاً على صعيد الفن ورسالة الكلمة، ولعل أقرب الأمثلة أن نتذكر الكلمة الشائعة: أعذب الشعر أكذبه، ولكن هذا الوهم تتبدد تماماً عندما أطلق النبي الكريم برنامجه الإصلاحي وهو ما اختصره فيما بعد حسان بن ثابت بقوله:

وإنما الشعر لب المرء يعرضه

على المحافل إن كيساً وإن حمقاً

وإن أشعر بيت أنت قائله

بيت يقال إذا أنشدته صدقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني