غزة بين المجرمين والمترفين.. حين يصبح الجوع سلاحاً

0

تعيش غزة تحت حصار خانق ممتد منذ أكثر من 18 عاماً، حوّل القطاع إلى سجن مفتوح أو بتعبير المؤرخ اليهودي إيلان بابيه وهو عنوان لأحد كتبه بأن غزة” أكبر سجن على الارض”، محروم من أبسط مقومات الحياة. المجازر المتكررة أودت بحياة آلاف المدنيين، فيما يُستخدم التجويع كسلاح لإخضاع السكان، عبر منع دخول الغذاء والدواء والوقود. ومع القصف المستمر، انهارت البنية التحتية بشكل شبه كامل: المستشفيات معطلة، شبكات المياه والكهرباء مدمرة، والناس يعيشون على فتات المساعدات. إنها مأساة مركبة تجمع بين الحصار، القتل، والجوع، لتجعل غزة عنواناً للكارثة الإنسانية فيعصرنا الحديث.

ولكي تكتمل مأساة غزة وأهلها المجوعين وبصورة أكثر إيلاماً، وأشد مضاضةً، ففي عالم عربي وإسلامي تُهدر فيه ملايين الأطنان من الطعام سنوياً، وتُلقى موائد عامرة إلى صناديق القمامة بلا اكتراث، تقف غزة على حافة الموت جوعاً. أمة كاملة تُفرط في النعمة حتى التخمة، فيما يُحاصر جزء من جسدها في أقسى سياسات التجويع الممنهج والقتل البطيء. أيّ عار أن تصدر تقارير أممية تكشف أن نصيب الفرد من هدر الطعام في بعض الدول العربية يفوق المئة كيلوغرام سنوياً، بينما لا يجد طفل في غزة حفنة دقيق تسد رمقه؟

إنها مفارقة دامية تكشف ليس فقط عن عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها منطقتنا، بل عن انفصام قاسٍ بين واقع المترفين الغارقين في الاستهلاك والتبذير، وواقع المقهورين المحاصرين الذين يواجهون الجوع كسلاح حرب. في غزة يُقتل الإنسان مرتين: مرة بالصواريخ والنار، ومرة بالتجويع والعطش، تحت صمت دولي وشلل عربي وإسلامي يندى له الجبين.

غزة ضحية المجرمين

إن القوة التدميرية التراكمية للقنابل التي ألقتها إسرائيل على غزة تعادل ستة أضعاف قوة قنبلة هيروشيما أو أكثر – أي ما يقارب ما بين 100،90ألف طن من المتفجرات الشديدة. ويقال إن حجم الدمار في غزة هو الأكبر الذي يلحق بأي منطقة حضرية في التاريخ الحديث.

وعلى الرغم من الاعتراف المتأخر، أصدرت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم” في 28 (يوليو)، تقريراً تحت عنوان بارز كتب كله بأحرف إنكليزية كبيرة: (OUR GENOCID) وخلص التقرير إلى أن “دراسة سياسة إسرائيل في قطاع غزة ونتائجها المروعة، إلى جانب التصريحات الصادرة عن كبار السياسيين والقادة العسكريين الإسرائيليين بشأن أهداف الهجوم، تقود إلى الاستنتاج الحاسم بأن إسرائيل تقوم باتخاذ إجراءات منسقة ومتعمدة لتدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة”.

وهذا ما تفعله منذ أكثر من 24 شهراً بارتكاب مجازر وإبادة جماعية بكل صورها المتوحشة، أدت لاستشهاد أكثر من 65.502 ألف فلسطيني وإصابة 167.376 ألفاً آخرين، وأما من استشهد بسبب كارثة التجويع فبحسب وزارة الصحة في غزة فهم أكثر من 440 شهيد، بينهم أكثر من 147 أطفال، ويؤكد تقرير الوزارة أن إجمالي شهداء لقمة العيش ممن وصلوا إلى المستشفيات هو 2.538 شهيد وأكثر من 18.581 إصابة، وأما الوفاة نتيجة سوء التغذية ارتفع إلى 348 حالة وفاة من ضمنهم 127 طفلاً. وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن القطاع يحتاج يومياً إلى 7.5 ملايين وجبة طعام، إلى جانب 600 شاحنة إغاثية في الحد أدنى للاحتياجات الأساسية للقطاعات الحيوية. ووفقاً لاحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي، 250 ألف علبة حليب يحتاجها الأطفال الرضع في قطاع غزة (شهرياً) وهو أمر غير متوفر في ظل استمرار حرب الإبادة وحالة الحصار الإسرائيلي المفروض وعمليات السرقة والنهب التي تحصل بتغطية إسرائيلية للشاحنات. ومنها أيضاً سياسية التجويع الممنهجة التي بدأت مؤشراتها تتجلى بصورة واضحة بعد قرار ترامب بوقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، واستبدالها بما يسمى بـ “مؤسسة غزة الإنسانية” التي لا تملك من قيم الإنسانية شيء. وهي تقود مشروعاً أمريكياً إسرائيلياً للسيطرة على توزيع الغذاء في القطاع، وقد رفضت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وحقوقية عالمية هذا المشروع، ووصفته بأنه أداة لقتل الفلسطينيين وتهجيرهم وإذلالهم. وفي هذا السياق صرح الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، والمسؤول السابق عن الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إن الأشخاص “الذين يقفون وراء هذا المشروع عسكريون، بمن فيهم ضباط سابقون في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ورجال أمن سابقون”.

وقد وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قطاع غزة بأنه “أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض”.

سياسة التجويع الإسرائيلية في المواثيق الدولية

تعتبر هذه السياسة انتهاك خطير للقانون الدولي وحقوق الإنسان وتعتبر جريمة محظورة بموجب عدد من القوانين والاتفاقيات الدولية وهي:

  • اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية.
  • اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، التي تحظر استهداف المدنيين بحرمانهم من المواد الضرورية لحياتهم.
  • البروتوكول الإضافي الأول الصادر سنة (1977)، الذي يؤكد على حظر استخدام التجويع كسلاح في النزاعات الدولية المسلحة.
  • البروتوكول الإضافي الثاني، وينص على حماية المدنيين من آثار النزاعات غير الدولية، بما في ذلك منع استخدام سلاح التجويع ضدهم.
  • القانون الدولي العرفي، الذي يحظر استخدام التجويع ضد السكان المدنيين في جميع أشكال النزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أم غير دولية.
  • القرار 2417 الذي تبنته الأمم المتحدة، والذي يدين بشدة استخدام التجويع كسلاح في النزاعات المسلحة.

هذه هي دويلة الكيان الغاصب المارقة والمنتهكة لك الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية والإنسانية والأخلاقية، هذه هي “إسرائيل” الدولة السارقة المُختطِفة الغاصبة، بتعبير المفكر اليهودي “جون روز”. يعبر هذا الكيان المصطنع عن الوجه الحقيقي والقبيح لأمريكا والغرب الكولونيالي.

ليست “إسرائيل” ومن يقف خلفها أو يدعمها، هي عصبة الإجرام الوحيدة في غزة، بل إن صمت المجتمع الدولي بكل مؤسساته الحقوقية والإنسانية، هو شريك في هذه الجريمة والمقتلة المهولة، وشاهد زور على ما يعانيه المدنيون المعذبون في عزة.. فبعد قرابة السنتين على الجريمة التي ترتكبها “إسرائيل”، من قتل وتدمير وتهجير قسري وإبادة جماعية وتطهير عرقي وسياسة تجويع حصدت أرواح الصغار والكبار. أعلنت الأمم المتحدة رسمياً عن مجاعة في قطاع غزة، وهي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، وتعليقاً على حالة المجاعة، جدد فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، تأكيده على أن ” تجويع الناس لأغراض عسكرية جريمة حرب” بينما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيوغوتيريش: “لا يمكننا السماح باستمرار هذا الوضع من دون عقاب”.

وأما الأنظمة العربية والإسلامية، فهي بصمتها أو تواطئ بعضها عبر التطبيع، أو المشاركة في حصار القطاع، فهي شريكة في الجريمة، تتحمل كامل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية!.

غزة في مرآة المترفين (خيانة أخلاقية)

إن قيمة الطعام المهدَر الملقى في القمامة في سنة واحدة في بلادنا العربية، لا تكفي فقط لحل أزمة المجاعة في قطاع غزة، أو إعادة إعماره، وإنما تكفي لقطع أشواط كبيرة في تحرير القدس وفلسطين! وذلك بناء على قراءة إحصائية فإن قيمة ما يلقيه عالمنا العربي من الأغذية وبقايا الطعام المهدَر في سلال المهملات بلغت نحو 150 مليار دولار أمريكي سنة 2024!.

لن نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات التي تذهب هدراً على التدخين، ولا عن عشرات المليارات الأخرى التي تذهب على وسائل الترفيه والتسلية والطَّرب وشراء اللاعبين، فخلال عام واحد فقط، أنفقت بعض الأندية العربية، وفي مقدمتها السعودية، ما يقارب مليار دولار لجلب “نجوم” كرة القدم العالميين. ولن نتكلم عن التريليونات من أموال الأمة أعطيت بيد الصغَار، لأكبر دولة داعمة لإسرائيل في جرائمها.

يمكن القول إن هدر الطعام في العالم العربي والإسلامي لا يمثل فقط أزمة في بعدها الاقتصادي أو البيئي، بل هو خيانة أخلاقية حقيقية، لما يتعرض له أهل غزة.

إهدار الطعام في العالم العربي

وفق تقرير مؤشر إهدار الأغذية (الطعام) لسنة 2024 الصادر عن برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة “The Food Waste Index Report 2024, Enviroment Assembly, United Nations Enviroment Programme (UNEP)”

فإن البلاد العربية تُعدُّ من أكثر بلدان العالم إهداراً للطعام. ووفق معطيات التقرير (وبالاستفادة كذلك من موقع المشهد السكاني العالمي World Population Review في العنوان المتعلق بإهدار الطعام (Food Waste وبحسبة بسيطة لما تم إلقاؤه في القمامة من بقايا الطعام أو الأغذية المهدَرة، فإن مجموعه يصل إلى 59 مليوناً و680 ألف طن تقريباً.

وحسب التقرير فالطعام المهدَر في مصر سنة 2024 بلغ 18.1 مليون طن، وبمعدل إهدار سنوي يصل إلى 155 كيلوجراماً لكل فرد، وفي العراق بلغ الإهدار 6.4 مليون طن بمعدل هدر يصل إلى 138 كيلوجراماً لكل فرد، وفي السعودية 3.8 مليون طن بمعدل بلغ 112 كيلوجراماً للفرد، وفي الجزائر 5.1 مليون طن، بمعدل بلغ 108 كيلوجرامات للفرد، وفي المغرب 4.2 مليون طن، بمعدل بلغ 111 كيلوجراماً للفرد، وفي الإمارات 930 ألف طن بمعدل بلغ 99 كيلوجراماً للفرد، وفي تونس بلغ 2.1 مليون طن بمعدل بلغ نحو 173 كيلوجراماً للفرد، وبلغ في الكويت 420 ألف طن بمعدل وصل إلى 99 كيلوغراماً للفرد؛ وفي الأردن 1.1 مليون طن بمعدل بلغ 98 كيلوجراماً للفرد.

وكان لافتاً وجود قفزات كبيرة في الإهدار في سنة 2024 مقارنة بسنة 2021 في بلدان مثل مصر (82 كيلوجراماً للفرد سنة 2021) والعراق (109 كيلوجرامات للفرد سنة 2021) وتونس (88 كيلوجراماً للفرد سنة 2021).

وبحسب المصادر المتوفرة، فقد بلغت قيمة إهدار الغذاء في السعودية نحو 40 مليار ريال سعودي، أي نحو عشرة مليارات و650 مليون دولار، وفي الإمارات نحو ثلاث مليارات و500 مليون دولار. غير أنه ليس ثمة إحصائيات متوفرة عن تكاليف الإهدار في كثير من البلدان العربية. ولكن إذا ما استخدمنا الرقم السعودي لاستخراج دلالة إحصائية لتكلفة الطن الواحد، فستكون نحو 2،800 دولار أمريكي. وعلى فرض أن تكاليف الإهدار متفاوتة للطن الواحد بين بلد وآخر، وعلى فرض أننا خفضنا معدل التكلفة “العربي” إلى نحو 2،500 دولار لتتناسب مع باقي البلاد العربية، لاستخراج مؤشر أقرب إلى الصحة؛ فإن تكلفة الطعام المهدَر (التي بلغت نحو 59.68 مليون طن) سنة 2024 ستكون نحو 149 مليار و200 مليون دولار؛ وهو مبلغ مذهلٌ حقاً.

هناك أيضاً مسؤولية كبيرة على الشعوب العربية في إهدار الطعام، هذه الشعوب التي اعتادت على أنماط استهلاك مفرطة لا تراعي قيمة النعمة، فالموائد العامرة التي تنتهي غالباً في حاويات النفايات، والمبالغة في الإسراف بالمناسبات والأعراس، فهذا يكشف أيضاً عن خلل ثقافي وأخلاقي. إذ إن أكثر من 60% من الطعام المهدَر هو من الأُسر والعائلات التي تلقي بقايا طعامها في القمامة. ومن المؤسف أن يزداد الرمي في النفايات في شهر رمضان المبارك، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع نسبة الطعام المهدَر في هذا الشهر إلى أكثر من 50% مما يتم إعداده، في عدد من البلدان العربية.

وختاماً: تكشف غزة اليوم عن وجهين متناقضين للعالم: وجه المجرمين الذين يحاصرونها ويقتلون أهلها جوعاً وقصفاً، ووجه المترفين الذين يغرقون في اللهو والبذخ كأن المأساة لا تعنيهم. بين هذين الوجهين تضيع القيم، ويختبر الضمير الإنساني والإسلامي على حد سواء. فغزة ليست مجرد قضية سياسية أو إنسانية، بل مرآة تفضح جرائم المتحل وخيانة الصامتين، وتضعنا أمام سؤال مصيري: أين نقف حين يمتحن الضمير الإنساني؟

إن شاهد التاريخ لا بد أن يدلي بشهادته على جبروت هذه المدينة وأبطالها العظام، فيقول شامبليون لقائده بونابرت:” هذه المدينة يا سيدي هي سرة العالم، كلهم مروا من هنا. الذين فتحوا الشرق، والذين فتحوا الغرب أيضاً أحمس ونبوخذ نصر والإسكندر ويوليوس قيصر.. منهم من ترك توقيعه على قطعة نقود، أو كسرة من الآجر، ومنهم من لم يفعل. كلهم جاؤوا وذهبوا وبقيت هذه المدينة. لا الزلازل ولا الأوبئة، ولا الطواعين استطاعت أن تقتلها، وفي كل مرة كانت تولد من رقادها كما تولد العنقاء”.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني