
عبور إلى صديقي المسافر
يبدو عنوان هذه الرواية إشكالياً ويدعونا إلى التفكير ملياً فيه لأن العبور غالباً ما يكون إلى الضفة الأخرى، أو إلى الطرف الآخر وربما يكون إلى جهة نتغيّا الوصول إليها، فكيف يكون العبور إلى ذلك الصديق المسافر؟ نطرح سؤالنا ونحن نجزم أن العبور إليه لن يكون سوى باستحضاره في خيالنا وقلوبنا فهل هذا ما حصل فعلاً فوق هذه الصفحات؟
رواية “عبور إلى صديقي المسافر” هي العمل الثاني للكاتبة دلال عبد الرزاق عروس بعد روايتها الأولى التي تحمل عنوان “الانتظار” التي فازت بجائزة توتول للإبداع الروائي، وقد كتب الناشر على غلافها: “لم يكن الأمر سهلاً في رواية عبور إلى صديقي المسافر سهلاً، فالعبور بين الكلمات قادهما إلى مقعد الانتظار الذي طالما جلسا عليه معاً في تلك الحديقة الفسيحة، كي يسرقا قبلات عابرة تطفئ جذوة الشوق والحنين الذي تجاوز كل حدود الاغتراب”
تعتمد الرواية على شخصيات رئيسة نذكر منها ” ليندي، وليام، رائد، لوسي” والتي تنطلق بداية الأمر من الميتم الذي عاشت في داخله ، وبعد أن تتابع الأحداث وتتسع وتتشعب، تنتقل إلى أمكنة أخرى حيث يتفرق جمع الأصدقاء وتستمر “ليندي” في العيش مع “لوسي” في بيتها الذي ورثته عن أهلها الذين غادروا دنيانا، وتشتعل الكاتبة من الناحية الفنية على تقسيم عملها إلى فصول رافقتها عنوانات داخلية ذات دلالات تتوزع بين الإشارة إلى المحتوى والرمز نذكر منها على سبيل المثال “وداع ـ الصحفي رائد ـ الطفل وليام ـ ليندي ـ المربية جميلة ـ النزيل رقم 4” وهي تتوالى بهذه الطريقة وصولاً إلى المقطع أو الفصل الثلاثون والذي أرفقته بعنوان “عدنا للأيام والمحبة” حيث يهمس “رائد” في نهاية الرواية سائلاً “لوسي”: أكان العبور إلى هنا صعباً؟ وتجيبه بالقول: بل ما أسهل العبور وما أجمله، عندما يكون عبوراً إلى صديقي المسافر.
هذه النهاية تبدو وكأنها تجيب على سؤال البدايات، وتعيدنا مجدداً إلى قصة الحب التي جمعت بين “وليام” مع ” ليندي” حيث يسافر الحبيب بعد حصوله على شهادة جامعية في مجال الكيمياء للعمل في مختبر في بلاد الغربة وقد تزامن ذلك مع ظهور وباء كورونا، لذلك يتغيب وتنقطع أخباره عن الحبيبة والأصدقاء الذين تساورهم حالة من القلق على غيابه، وتبذل “ليندي” جهوداً مضاعفة وتتعرف عن طريق المصادفة على “رائد” الذي كان معهم في الميتم بعد أن غدا صحفياً، وتستمر الجهود حتى تثمر بلقاء الأصدقاء في نهاية العمل الذي يكشف لنا عن تعرض من كانوا يبحثون عنه لمحاولة القتل والاحتجاز في المستشفى، وكذلك تعرض “ليندي” للابتزاز والاستغلال الإلكتروني.
لقد بذلت الكاتبة دلال عروس جهوداً يشار إليها في مقطعيات روايتها التي توالت في إظهار البعد النفسي لشخصياتها وحياتهم ومعاناتهم والظروف المعيشة التي عانى منها كل واحد منهم، لكنها وببراعة تدل على جوانيتها النقية كماء زلال ذهبت بعملها صوب الحنو والانتصار للحب والصداقة رداً على التوحش والقسوة التي سطت علينا ذات وقت عصيب.