شقوق الجدران في حارات دمشق القديمة

0

حكايات مخفية في شقوق جدران دمشق تحمل كل ورقة منها حكاية، ومنها مثلاً حكاية إبراهيم بن الأدهم، وحكاية أولاد عمر بن عبد العزيز، وأولاد هشام، وحكاية يوحنا المعمدان، وأشعار نزار. وكان أهل دمشق يضعون هذه الأوراق في شقوق البيوت والأشجار كي لا تدوسها أرجل المارة تعبيراً عن تقديسهم لكل ما هو مطبوع على الورق.

ما ذكرنا هو بعض الشذرات التي تشبه الأزهار اقتطفنا عدداً منها في محاولة الإشارة إلى كتاب “اذكريني دائماً” لمؤلفه الروائي والقاص والإعلامي عماد نداف الذي تتجسد في شخصيته النبالة المتطاولة سمواً وإنسانية والتي يسكب بعضاً منها في شقوق حيطان جدران البيوت والأشجار الحانية بفيئها على الناس.

ولعل أهمية هذه الكتابة، تأتي لكونها قد مازجت أكثر من جنس أدبي، حكاية وقصة، وتكثيفاً له علاقة وثيقة بالومضة والـ ق ق ج. وقد قاربت بعضها الرواية في رصدها لبعض المواقف، كما أنها تصلح لبناء درامي مصور يمكن البدء فيه بسبب غناه وتنوعه ويتضح من خلاله أن الكاتب يعشق أهل الشام ودرب الشام، ولذلك يحكي عن الأرض والبساتين والبيوت وأسراب الحمام والجيران والأشجار والأسواق والدكاكين والشوارع التي تغفو صباحاً، أو تغدو مثل فتاة تعبت من اللعب فنامت على كرسي ، لكن دمشق لا تلعب كما يقول في نصه الموسوم “عندما نزلت فجراً إلى دمشق” لذلك يكتبها بحبر سري مصنوع من ورودها.

ونحن في هذه القراءة نميل إلى حيث يميل القلب، وخاصة ونحن نواجه عاشقاً تعتعه عشق الشام حتى الثمالة، وأجدني ألوح له بالقلب وحده مردداً: ليت تلك التي تقصدها تذكرك وتذكرنا جميعاً معك، وليتنا نستطيع أن نلم ذكرياتنا ونجمعها ونعيد ترتيبها، أو ليتنا على الأقل نستطيع أن نعيد ” طلة” التي عشقها ذلك الشاب ليغدو بعد رحيلها “كشاشاً” للحمام يتخيلها كل لحظة حمامة رائعة الجمال تحط بين كفيه.

موجعة تلك الذكريات حقاً وجميلة في آن، واذكريني دائماً بنصوصها وحكاياتها وقصصها، وأقصد كل كلمة أقولها حرفياً، ومعها كل ما حواه هذا الكتاب هي ما خطه قلب ولد صغير جاب بعيني صقر كل الأمكنة التي كتب عنها، وهي ما خفق به قلب شاب لحبيبته حتى غدا قلبه ذاوياً أذبله الوجد، وهي ما أوصى به رجل حكيم قارع السنين، فخرج بعصارة فكره حكمة بالغة الأهمية سواء كان ذلك على لسانه، أو لسان الشخصيات التي تحدث عنها كما في تلك الورقة التي أخرجها من أحد الشقوق، وقد كتب عليها “يا أهل الشام. الحب هو الطريق إلى الله والإنسان”.

وفي العودة إلى نصه الأول الذي يحمل عنوان المجموعة، ونقصد “اذكريني دائماً” على سبيل المثال نجد أن الكاتب وبذكاء قد ترك النص مفتوحاً ولم يجزم بأي قول عن تلك العبارة التي كتبت على تلك الصخرة، فهو لم يؤكد أنها لذاك العاشق الذي تزوجت حبيبته إلى لبنان، وكتبها لتقرأها كلما عادت عن طريق الربوة، أم هي لذلك العاشق الذي رمى بنفسه من فوق تلك الصخرة؟ وهل هذا العاشق هو أبو الورد نفسه، وقد غضبت عليه والدته كي يتحول الورد على يديه إلى شوك؟

قسم الكاتب الكثير من نصوصه إلى مقاطع مستخدماً تقنية الاسترجاع والتذكر والحضور، وإمكانية سماع ما لا يستطيع غيره أن يلتقطه، والكاتب في هذه النصوص يقدم معلومات مهمة عن الشام وأهلها وعاداتها وأجوائها وشوارعها وساحاتها وأزقتها وحواريها، ويعرفنا على أدق التفصيلات. لم يستثني من ذلك حتى أنواع الحمام وطبائع من يربونه ونظراتهم الهائمة والمحلقة في الأجواء. وهذه الكتابة لها رائحة خاصة، وسحر خاص، وفيها تفرد يساعد في البناء استناداً إلى ما كتب.

لا أدري كيف علقت روحي في حب عماد نداف وقد كنت وما زلت ذاك الجنوبي العالقة في ثيابه رائحة الدخان والبارود، والفار من جحيم الحرب وأصوات المدافع والرصاص وهو في نظري ذلك الجبل الشامخ عظمة وإنسانية، وكان دائماً مثل أب عطوف وأخ رقيق، يتفانى في خدمة أصدقائه ومحبتهم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني