
سورية بعد عام من التغيير.. وقائع وتحديات جديدة
سورية في مرحلة انتقالية
تمر الذكرى السنوية لحدث سياسي كبير في سورية، لكن الواقع على الأرض يختلف عن السيناريو الذي حدث. لم يحدث “تحرير” بالمعنى المراد ثورياً، ولا تزال البلاد تعيش حالة استقطاب داخلي وإقليمي معقدة. النظام السوري سقط ولكن جزءاً كبيراً منه مازال في البلاد، بينما تسيطر فصائل قسد وقوى أخرى على مناطق مختلفة في الجزيرة العربية السورية. هذه الورقة تتناول التجاذبات الدولية الحقيقية حول سورية وأهداف الفاعلين الرئيسيين.
أولاً: المشهد الدولي والإقليمي حول سورية
1. الدور الروسي: تبقى روسيا الداعم الأبرز للنظام السوري عسكرياً وسياسياً سابقاً خلال سنوات الثورة، وتعتبر وجودها في سورية جزءاً من استراتيجيتها الجيوسياسية الأوسع للمحافظة على نفوذ في الشرق الأوسط وللحصول على موطئ قدم في البحر المتوسط حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد.
2. الموقف الأمريكي والأوروبي: تتمحور السياسة الغربية حالياً حول العقوبات الاقتصادية والدفع نحو إزالتها عبر مسار محدد، مع تركيز على قضايا مثل المحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان والحد من النفوذ الإيراني في سورية.
3. الدور الإيراني والتركي: إيران لم تعد تحافظ على وجود عسكري واستخباراتي مكثف لها في سورية فخسارتها كانت فادحة على يد ثوار سورية الأبطال، بينما تسيطر تركيا على النفوذ السياسي السوري الجديد وتعزز وجودها العسكري لمواجهة إسرائيل.
4. الدول العربية: تشهد المواقف العربية تحولاً ملحوظاً، حيث أعادت كل الدول العربية فتح قنوات اتصال مع دمشق بعد سقوط النظام البائد، مدفوعة بأجندات أمنية واقتصادية وإقليمية.
ثانياً: أهداف الفاعلين الدوليين والإقليميين
– روسيا: تهدف إلى تعزيز وجودها القائم كمصدر للاستقرار (من وجهة نظرها)، وحماية استثماراتها العسكرية والاقتصادية، والعمل كوسيط وحاجز ضد النفوذ الغربي في المنطقة.
– الولايات المتحدة والغرب: التركيز على تدمير النفوذ الإيراني، ومكافحة تنظيمات متطرفة، ودعم استقرار سياسي يضمن حياة جديدة تنهي ما مارسته السلطة السابقة من ديكتاتورية وقمع.
– إيران: تسعى للحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها بعد هذه الهزيمة النكراء.
– تركيا: تهدف إلى منع قيام كيان كردي مستقل على حدودها، وتأمين مناطق دفاع جوي، وإنهاء ملف اللاجئين.
– الدول العربية العائدة للتعامل مع دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد: تبحث عن استقرار حدودي، ومواجهة النفوذ الإيراني، واستعادة فرص اقتصادية، وقد تسعى بعضها لإعادة تنمية سورية بعد انتصار الثورة.
ثالثاً: موقع “الحكومة السورية” (الانتقالية) من هذه التجاذبات
– استغلال الانقسامات الدولية: نجح النظام الجديد إلى حد كبير في توظيف الانقسام بين موسكو والغرب لصالحه، والاستفادة من مخاوف الغرب من الفوضى والإرهاب لتبرير دعمه.
– الدعم العربي المتقدم: يستفيد النظام الثوري المنتصر من الانفتاح العربي التدريجي لتخفيف العزلة وكسر الحصار الاقتصادي جزئياً، دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية في المقابل.
– الاعتماد شبه الكلي على الولايات المتحدة الأمريكية: رغم محاولات إظهار الاستقلال، يبقى النظام تابعاً بشكل كبير لداعميه الرئيسيين، مما يحد من قدرته على المناورة ويجعله رهينة لأجنداتهم.
– الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب: رغم بعض التحسن الطفيف، لا يزال الاقتصاد منهاراً إلى حد كبير، مع انتشار الفقر وانقطاع الخدمات الأساسية، مما يضعف الرهان على صبر الشعب على النظام الجديد.
خاتمة: مستقبل غامض وتحديات مركبة
تشهد سورية ذكرى انتصار عظيم للثورة السورية، بل هي ذكرى خلاص من حرب طاحنة مستمرة لأربعة عشرة سنة، ومستقبل البلاد لا يزال رهيناً بتوازنات القوى الإقليمية والدولية المعقدة والمتضاربة أحياناً.
التحدي الأكبر يتمثل في أن مصالح الفاعلين الخارجية غالباً ما تتناقض مع حاجات الشعب السوري الحقيقية في الاستقرار والعدالة والكرامة الإنسانية. أي استقرار مستدام يجب أن ينبع من إرادة السوريين أنفسهم، عبر عملية وعي سياسي حقيقي وشامل، بعيداً عن الهيمنة الخارجية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الظروف الحالية.
السيناريو الافتراضي المطروح في السؤال، رغم كونه يعكس رغبة أكبر شريحة من السوريين في الاستقرار، لا يمثل الواقع المعقد على الأرض، حيث لايزال الصراع متعدد الأوجه مستمراً بأشكال مختلفة، والخلاص منه يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير نظام بل نحن بحاجة إلى وعي كبير في كل القطاعات.